All Chapters of قلب في غيبوبة: Chapter 1 - Chapter 10

28 Chapters

الفصل الأول

**قلب في غيبوبة** **الفصل الأول**كان الليل ثقيلاً على فيلا «الراشد» كما لو أن السماء نفسها قررت أن تضغط على الأرض. في الجناح الشرقي من الفيلا، حيث النوافذ الزجاجية العريضة تطل على الحديقة الخلفية المضاءة بفوانيس خافتة، كان صوت أجهزة التنفس الصناعي هو الصوت الوحيد الذي يكسر الصمت. صفير منتظم، صفير آخر أعمق، ثم صفير ثالث كأنه يتنفس نيابة عن قلب توقف عن الكلام.سليمان الراشد، الرجل الستيني الذي بنى إمبراطورية عقارية ومالية جعلت اسمه يُذكر في غرف الاجتماعات بلهجة الاحترام والخوف معاً، كان جالساً على كرسي جلدي داكن بجانب سرير ابنه. لم يكن يجلس في الحقيقة، بل كان منهاراً عليه. ظهره مقوس، ويداه المعروقتان تمسكان بحافة السرير حتى ابيضت مفاصلهما. شعره الأبيض المصبوغ بمهارة كان منكوشاً قليلاً، وعيناه الغائرتان لا تبارحان وجه زياد.زياد... ابنه الوحيد. ستة وعشرون عاماً من الحياة اختُصرت الآن في جسد شاحب متصل بأنابيب وأجهزة. كان وجهه لا يزال وسيماً رغم الكدمات الباهتة حول العينين والخد الأيمن. شعره الأسود الكثيف مُسرَّح بعناية من قبل الممرضة الصباحية، لكن سليمان كان يعرف أن هذا التسريح ليس لزي
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل الثاني

**قلب في غيبوبة** **الفصل الثاني**في الصباح التالي، استيقظ سليمان قبل أذان الفجر. الألم في بطنه كان أخف هذه المرة، أو ربما اعتاد عليه. اغتسل، ارتدى عباءة رمادية داكنة، ومشط شعره الأبيض بعناية. نظر إلى نفسه في المرآة الطويلة في غرفة ملابسه: رجل يبدو أكبر من ستين عاماً بقليل، وجهه نحيل، وعيناه تحملان تعباً لا يخفيه أي مكياج رجالي.نزل إلى الجناح الطبي. زياد كان كما تركه بالأمس: نائماً نوماً ثقيلاً، الصدر يرتفع وينخفض بانتظام الآلة. جلس سليمان دقيقة واحدة فقط، وضع يده على يد ابنه الباردة، ثم همس:ـ اليوم أبدأ يا بني.في تمام الساعة التاسعة صباحاً، كان سليمان في مكتبه الكبير في الطابق العلوي من الفيلا. المكتب كان يشبه قاعة اجتماعات أكثر مما يشبه غرفة عمل منزلية: طاولة خشبية ضخمة من خشب الجوز، كرسيان جلد فاخران أمامها، ورفوف كتب قانونية ومالية تملأ الجدران. على الطاولة وضع الملف الأسود رقم ٤١٧ مفتوحاً.اتصل بمدير الموارد البشرية في الشركة، الرجل الذي يعرفه منذ خمسة عشر عاماً ولا يسأل كثيراً.ـ أحضر لي الآن الآنسة لينا محمود عبد الله من قسم التسويق. قل لها إن الأمر عاجل ويتعلق بفرصتها ال
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل الثالث

**قلب في غيبوبة** **الفصل الثالث** في صباح اليوم الثالث، وصلت سيارة سوداء فاخرة إلى الحي الجنوبي. سارت ببطء بين الأزقة الضيقة حتى توقفت أمام البيت الصغير ذي الباب الخشبي المتقشر. نزل السائق وقرع الجرس مرتين.لينا كانت جاهزة منذ الفجر. ارتدت فستاناً أبيض بسيطاً بلا زينة، وغطت شعرها بطرحة خفيفة بلون الكريم. حقيبتها الصغيرة كانت تحتوي على ملابس قليلة، ومصحف قديم لوالدها، وصورة جماعية قديمة لأسرتها. وقفت أمام المرآة الصغيرة في غرفتها ونظرت إلى نفسها طويلاً. لم تكن عروساً سعيدة، لكنها كانت عروساً مصممة.الأم بكت وهي تعانقها عند الباب. الأخت الصغيرة تشبثت بذراعها وهمست: «متى تعودين؟». لينا قبّلت جبينها وقالت بصوت ثابت:ـ سأعود كل أسبوع... وسأرسل لكم كل ما تحتاجون.صعدت إلى السيارة دون أن تلتفت وراءها. طوال الطريق إلى الفيلا كانت تنظر من النافذة إلى الشوارع التي تتغير تدريجياً من ضيقة ومزدحمة إلى واسعة ونظيفة، ثم إلى طريق خاص تحيط به أشجار عالية وسور أبيض طويل. عندما فتحت البوابة الحديدية الضخمة، شعرت لينا أن عالماً آخر يبتلعها.استقبلها سليمان عند المدخل الرئيسي. كان يرتدي عباءة بيضاء ن
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل الرابع

**قلب في غيبوبة** **الفصل الرابع**مرت ثلاثة أسابيع على انتقال لينا إلى الفيلا. أصبحت أيامها تملك إيقاعاً ثابتاً يشبه صلاة سرية لا يقطعها إلا صوت الأجهزة أو خطوات الممرضين.تستيقظ مع أذان الفجر، تتوضأ في حمام غرفتها الواسع، ثم تدخل إلى جناح زياد قبل أن يصل الممرض الصباحي. تجلس بجانبه، تمسك يده، وتقرأ له ما تيسر من القرآن. بعد ذلك تمسح وجهه بقطعة قماش دافئة، وتمشط شعره الأسود الكثيف برفق، كأنما تخاف أن تؤذيه حتى في غيبوبته.في الأسبوع الثاني كانت أسرتها قد استقرت تماماً في الشقة الجديدة. الشقة كانت في مجمع هادئ يبعد عن الفيلا تسع دقائق بالسيارة فقط. ثلاث غرف واسعة، مطبخ حديث، وشرفة تطل على حديقة صغيرة. الأم بكت يوم انتقلوا، وظلت تلمس الجدران كأنها لا تصدق. أما الأخت الصغيرة، واسمها تالا، فقد ارتدت الزي المدرسي الأزرق للمدرسة الخاصة في أول يوم، وعادت في المساء وهي تتحدث عن المكتبة والمختبر والصديقات الجدد بصوت لا ينقطع.لينا كانت تزورهم مرتين في الأسبوع بعد العصر. تجلس مع أمها في الشرفة، تشرب الشاي، وتستمع إلى أخبار تالا. ثم تعود قبل غروب الشمس لتكون بجانب زياد مرة أخرى. سليمان لم يعت
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل الخامس

**قلب في غيبوبة** **الفصل الخامس**الصباح التالي كان مختلفاً منذ اللحظة الأولى.عندما فتحت لينا عينيها وهي لا تزال جالسة على الكرسي، شعرت بشيء دافئ يتحرك تحت أصابعها. نظرت إلى يد زياد. أصابعه لم تعد ساكنة تماماً. كانت ترتجف ارتجافاً خفيفاً متقطعاً، كأن شخصاً يحاول أن يفتح قبضة مغلقة منذ زمن طويل.صرخت بصوت منخفض:ـ عمه سليمان... عمه!سليمان الذي كان نائماً في الكرسي المقابل قفز مفزوعاً. ركض نحو السرير، وضع يده فوق يد ابنه، وأخذ ينادي باسمه بصوت مبحوح:ـ زياد... زياد يا بني... أنا هنا.لم يفتح زياد عينيه، لكن أصابعه انقبضت قليلاً على يد أبيه. دموع سليمان نزلت بصمت وهو يكرر الاسم مرة بعد مرة.استُدعي الطبيب فوراً. جاء مع اثنين من أطباء الأعصاب. أجروا فحوصات سريعة، ثم نظر الطبيب الرئيسي إلى سليمان وقال بحذر شديد:ـ هناك بوادر استجابة. الحركة في الأصابع والرموش ليست عشوائية. سنرفع مستوى المراقبة، ونبدأ بتقليل بعض المهدئات تدريجياً. لكن لا نعدك بشيء بعد. الغيبوبة لا تزال عميقة.رغم التحفظ الطبي، امتلأ الجناح بشيء يشبه الأمل لأول مرة منذ أسابيع.لينا لم تغادر المكان طوال اليوم. كانت تمسك
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل السادس

**قلب في غيبوبة** **الفصل السادس**بعد تلك الليلة التي نطق فيها زياد كلمة «ماء»، تغير كل شيء داخل الجناح الشرقي.صار الأطباء يأتون مرتين يومياً. قُلّلت المهدئات تدريجياً، وبدأ زياد يفتح عينيه لفترات أطول. كانت نظراته لا تزال غائمة وتائهة، لكنه صار يحدق في الوجوه المحيطة به لثوانٍ قبل أن يغلق جفنيه من جديد من الإرهاق. أحياناً كانت شفتاه تتحركان كأنه يحاول أن يقول شيئاً، لكن الصوت لم يعد بعد.لينا لم تعد تغادر الجناح إلا للضرورة. صارت تنام على كرسي مريح أُحضر خصيصاً بجانب السرير، وتستيقظ عند أي حركة صغيرة. تغسل وجهه، ترطب شفتيه، وتمسك يده ساعات طويلة وهي تحدثه عن أشياء بسيطة: عن الطقس، عن الحديقة، عن أختها تالا التي صارت تحب مدرستها الجديدة، وعن أمه التي تدعو له كل ليلة.سليمان كان يجلس معهما في الصباح والمساء، ثم يختفي لساعات في غرفته الخاصة. مرضه كان يتقدم بسرعة أكبر مما يعترف به. لينا لاحظت أنه صار يتكئ على الجدران وهو يمشي، وأن يديه ترتجفان حين يمسك الكوب. لم تسأله. كانت تعرف أنه يحتفظ بآخر قوته لابنها.في الليلة الرابعة بعد نطق كلمة «ماء»، حدث ما لم تكن لينا تتوقعه.كان الوقت بعد
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل السابع

**قلب في غيبوبة** **الفصل السابع**في الصباح التالي لكلمة «من أنتِ؟»، كان زياد أكثر وعياً مما توقعه الجميع.فتح عينيه مع شروق الشمس، وظل ينظر حوله لوقت طويل دون أن يتكلم. الغرفة، الأجهزة، وجه أبيه المنحني فوقه، ووجه الفتاة التي تمسك يده... كل شيء كان يبدو له كحلم ثقيل يحاول أن يتخلص منه. حاول أن يحرك يده اليمنى فارتفعت بضع سنتيمترات قبل أن تسقط من الإرهاق. صوت مبحوح خرج من حلقه:ـ أبي...؟سليمان انحنى فوراً وأمسك وجهه بيديه المرتجفتين، والدموع تسيل على خديه دون أن يحاول إخفاءها.ـ نعم يا بني... أنا هنا. الحمد لله... الحمد لله.زياد نظر إلى أبيه طويلاً، ثم دارت عيناه ببطء نحو لينا. بقيت نظرة الحيرة نفسها، لكنها صارت أوضح. سحب يده من يدها بصعوبة وهمس:ـ من هذه؟لينا شعرت كأن شيئاً بارداً يسقط في صدرها. ابتسمت ابتسامة صغيرة مرتجفة وقالت بهدوء:ـ أنا لينا... زوجتك.زياد أغلق عينيه لحظة كأنه يحاول أن يتذكر، ثم فتحهما ونظر إليها مرة أخرى. صوته جاء أخشن هذه المرة:ـ لا... لا أعرفكِ. أين أنا؟ لماذا هذه الأجهزة؟سليمان تدخل بسرعة، وضع يده على كتف ابنه، وبدأ يشرح بصوت هادئ ومتقطع: الحادث، الغ
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل الثامن

**قلب في غيبوبة** **الفصل الثامن**مرت أربعة أيام على استعادة زياد لوعيه الكامل تقريباً. صار يتكلم بجمل أوضح، ويجلس في السرير مدعوماً بالوسائد لفترات أطول، ويطلب الماء والطعام بنفسه. جسده لا يزال ضعيفاً جداً، وعضلاته لم تستعد قوتها بعد، لكن عينيه صارتا حادتين، وعقله يعود إليه ساعة بعد ساعة.لينا استمرت في روتينها بهدوء. تدخل في الصباح، تسلم عليه باحترام، تسأل الممرضة عن العلامات الحيوية، ثم تجلس عند النافذة وتقرأ أو تخيط أو تكتب في دفتر صغير. لم تعد تقترب من السرير إلا إذا احتاج شيئاً لا تستطيع الممرضة تقديمه فوراً. لم تلمسه، ولم تحاول أن تمسك يده كما كانت تفعل طوال الشهور السابقة.زياد كان يراقبها من طرف عينه.في البداية كان يزعجها وجودها. ثم صار يلاحظ تفاصيل صغيرة: كيف تضع كوب الماء دائماً في المكان الذي تصل إليه يده بسهولة، كيف تعدل الستارة إذا دخل نور الشمس مباشرة على وجهه، كيف تخرج بهدوء حين يدخل أبوه كي تترك لهما وقتاً خاصاً. كانت تفعل كل ذلك دون أن تنتظر شكراً أو حتى نظرة.في اليوم الخامس، بينما كانت لينا ترتب الطاولة الصغيرة بجانب السرير، قال زياد فجأة بصوت خشن:ـ لماذا لا ت
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل التاسع

**قلب في غيبوبة** **الفصل التاسع**بعد أن غادرت لينا الجناح متجهة إلى الطابق الغربي بدعوة زوجة عبد الرحمن، ساد صمت ثقيل في غرفة زياد. كان مستلقياً على السرير، ينظر إلى السقف، وفكره مشتت بين صورة أبيه الشاحب وصورة الفتاة التي خرجت للتو بخطوات هادئة. لم يعد يكره وجودها كما في الأيام الأولى، لكنه لم يكن قد قبلها بعد. كان هناك شيء في طريقتها يزعجه ويلوّن أيامه في الوقت نفسه: صمتها المحترم، واهتمامها الذي لا ينتظر مقابلاً، والصدق الغريب في عينيها حين اعترفت له بالقبلات التي كانت تسرقها وهو نائم.بعد ربع ساعة دخل الممرض الليلي. كان شاباً في أواخر العشرينيات، مبتسماً دائماً، ويتحدث بصوت منخفض ومهذب. حيّا زياد باحترام، ثم اقترب من حامل المحاليل وبدأ يفحص الأكياس والأنابيب كالعادة. زياد لم ينتبه كثيراً في البداية. كان متعباً، وجسده لا يزال يرفض أن يستعيد قوته بسرعة. لكن شيئاً ما جعله يفتح عينيه حين رأى الممرض يستبدل كيس المحلول الشفاف بآخر جديد.ـ لماذا تغيره الآن؟ الساعة لم تأتِ بعد.ابتسم الممرض ابتسامة سريعة وقال:ـ تعليمات الطبيب الجديد يا سيد زياد. نوع أخف على المعدة بعد التحسن الذي طرأ
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more

الفصل العاشر

**قلب في غيبوبة** **الفصل العاشر**في الصباح التالي لحادثة المحلول، تحول الجناح الشرقي إلى خلية نحل هادئة ومشدودة الأعصاب.جاء ثلاثة أطباء متخصصين مع فني مختبر، وأُخذت عينات إضافية من دم زياد ومن بقايا الكيس المسموم. سليمان، رغم ضعفه الشديد، جلس على كرسيه كأنه يحكم من على عرش منهار. وجهه كان أصفر، لكن عينيه كانتا حادتين بشكل مخيف. عندما انتهى الطبيب الرئيسي من تقريره الأولي قال بصوت مباشر:ـ التركيز الموجود في المحلول يكفي لإحداث توقف تنفسي تدريجي خلال ساعة. لو استمر القطرات لما نجا السيد زياد بسهولة. هذا ليس خطأً طبياً عادياً... هذا محاولة واضحة.سليمان أومأ برأسه ببطء، ثم التفت إلى مدير الأمن الخاص بالفيلا الذي استدعاه فجراً.ـ أريد تحقيقاً داخلياً فورياً. راجع كاميرات الممرات كلها، وراجع سجل دخول الممرضين، ولا أحد يخرج من الفيلا حتى انتهاء التحقيق. بما في ذلك عائلتي في الجناح الغربي.الكلمات سقطت في الغرفة كحجر ثقيل. لينا كانت واقفة بجانب السرير، وزياد يراقب والده من فوق الوسائد. لأول مرة منذ استيقاظه رأى أباه بهذا الشكل: رجلاً لا يزال قادراً على أن يكون مخيفاً رغم المرض.خلال سا
last updateLast Updated : 2026-08-07
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status