Se connecterالفصل الحادي والستون ما إن تجاوزت الهيكل المعدني للسيارة النطاق الخطر المعزول لمعقل "أورفاكس" المشتعل، حتى ألقى جيمس برأسه إلى الخلف مسترخياً على المقعد ، وازدرد أنفاسه الممتلئة بالإنجاز قبل أن يلتفت نحو كايل قائلاً بنبرة تهكمية: — ما بك يا رجل؟ هل عدت فوراً إلى ارتداء ذلك الوجه الكئيب؟ استدار كايل برمشيّه الباردين ونظراته الشبيهة بالنصل الحاد، وركّب جوابه بصوت ينضح بالجمود القاطع: — هذه هي طبيعتي وعادتي... أم أنك تريدني أن أغيّرها لتلائم ذوقك؟ اتسعت شقّة ابتسامة جيمس، واحتزت قاطعة الصمت بقهقهة خفيفة وهو يلوّح بيده: — ياه! أنا المزاح ليس إلا! حرّك كايل رأسه بقلة صبر مكظومة، ثم وجّه إليه سؤالاً بنبرة صارمة: — ما هي أخبار والدك؟ ألم يسلّمك زمام إدارة أعمال العائلة بعد، لتكفّ عن التخفي وشغل هذه الأدوار المبتذلة وتصبح جاداً بعض الشيء؟ ارتسمت على محيا جيمس علامات التذمر الطفيف وهو يردّ بلامبالاة: — ما بك يا رجل؟ لم أبلغ سوى أربعة وعشرين عاماً! ثم إن أبي لم ينل منه العجز بعد ليتنازل لي عن عرشه! عدّل كايل استقراره في جلسته وركّز عينيه على العتمة الممتدة عبر الطريق الداكن، متمتماً
الفصل الستون عادت ملامحه الرزينة المعتادة في ثوانٍ معدودة، وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن التلميحات المظلمة التي ينطق بها لم تكن سوى حديث عابر عن أحوال الطقس، ظلت ليان تتطلع إليه بذهول شلّ لسانها، تجاهد لربط الرجل الذي يجلس بجانبها الآن بالوحش البارد الذي تحكّم بمصير والدها قبل لحظات، أما هو، فقد أدار وجهه نحو النافذة ساجداً لحديث الصمت الثقيل، ووضع يده على فكه يتأمل أضواء المدينة المتداخلة التي تنعكس على زجاج السيارة الداكن، في المقابل، انحنت ليان ببصرها نحو يديها المرتجفتين في حجابها، تلتزم الصمت وتسترجع كلماته اللطيفة المناقضة لتصرفاته القاسية، ما هي إلا دقائق حتى توقفت السيارة أمام بوابة القصر الضخمة، نزل كايل بوقار وفتح لها الباب دون أن ينبس ببنت شفة، ترجلت ليان بخطوات ثقيلة ومترددة، وما إن خطت نحو الداخل حتى أُغلق الباب، وعادت السيارة لتدور وتنطلق مبتعدة بجلبتها في عتمة الليل خارج أسوار القصر، تاركة إياها تقف وحدها تتساءل عن المكان الذي يتجه إليه في هذا الوقت المتأخر. وداخل السيارة المنطلقة بسرعة في عتمة الليل، ساد صمت وجيز ومحمل بالترقب فور خروجها من أسوار القصر. بعدهاكسر كايل ذلك
الفصل التاسع والخمسون ظل الصمت مسيطراً على الغرفة المظلمة لثوانٍ طويلة، بينما كانت صورة كايل لا تزال مضاءة على الشاشة أمام جيك وأليكس، تعكس وهجاً باهتاً على ملامحهما المتوترة. كانت مجموعة من الملفات والبيانات تظهر تباعاً حول الصورة، بعضها يتعلق بصفقات كايل الأخيرة، وبعضها بتحركات شركاته المتشعبة، بينما ظهرت على جانب آخر معلومات أولية عن توسع نفوذه المتسارع في مدينة ألتافيرا. كان جيك يراقب الشاشة باهتمام واضح، وابتسامته الساخرة المعتادة لم تختفِ عن شفتيه للحظة. أما أليكس، فبقي ساكناً بصلابة، وعيناه تنتقلان بين البيانات المعروضة أمامه بتركيز شديد لا يخلو من القلق المكتوم. ثم قال أخيراً بنبرة جادة: — ماذا وجدت؟ حرّك جيك أصابعه فوق لوحة التحكم بمهارة، فتغيرت البيانات المعروضة أمامهما بسرعة. ورد قائلاً: — كايل لم يكتفِ بإسقاط فيكتور هالسين. توقف للحظة، ثم تابع: — لقد بدأ بتحريك نفوذه خارج فيلاريس. رفع أليكس حاجبه بدهشة، وقال: — بهذه السرعة؟ ابتسم جيك ابتسامة قصيرة، ورد قائلاً: — أسرع مما توقعنا بكثير. اقترب أليكس قليلاً من الشاشة، كانت أمامه خريطة تفصيلية لمدينة ألتافيرا، وق
الفصل الثامن والخمسون حلّ الليل بثقله فوق القصر، بينما كانت الطائرة التي تقل إيزابيلا وسيلينا قد غادرت أجواء المدينة بالفعل، واختفت أضواؤها خلف سحب داكنة متراكمة في السماء الليلية الصافية. وفي قصر ديمور، كان الهدوء يبدو مضللاً كالعادة. كل شيء في مكانه؛ الأثاث الفخم، الممرات الطويلة، الحراس المنتشرون في نقاطهم المعتادة، والأضواء الخافتة التي تنعكس على الأرضيات اللامعة، لكن خلف ذلك السكون الظاهري، كانت أمور كثيرة تتحرك بسرعة لا يمكن لأحد إيقافها. أما ليان، فكانت جالسة قرب النافذة في جناحها، تضم ساقيها قليلاً إلى صدرها في وضعية دفاعية غير واعية، وتحدق في ظلام الحديقة الممتد أمامها. لم تستطع إخراج مكالمة إيزابيلا من رأسها، والدها في السجن. وصوت إيزابيلا المتوسل، ومربيتها إيلينا ستصل في اليوم التالي. رفعت ليان يدها إلى جبينها ومسحت عليه ببطء، وهمست لنفسها: — كل شيء حدث بسرعة... أسرع مما توقعت. لم تكن تشعر بالحزن على فيكتور بالقدر الذي كانت تتوقعه من نفسها ربما. لكنها لم تستطع أيضاً أن تشعر بالراحة الكاملة، كان هناك شيء ثقيل في داخلها، ربما لأنها، رغم كل ما فعله بها، كانت تعرف أن سق
الفصل السابع والخمسون خرجت ليان من مكتب كايل ببطء، وأغلقت الباب خلفها دون أن تصدر صوتاً تقريباً، وكأنها تخشى أن يوقظ أي صوت زائد الأفكار العالقة في رأسها، بقيت للحظات في الممر، ساكنة تماماً، وكأن الكلمات التي سمعتها للتو كانت أثقل من أن تسمح لها بالتحرك فوراً. كان عقلها يعيد جملته الأخيرة بصورة متكررة لا تهدأ: — خلال الأيام القادمة، ستكونين بجانبي لتسمعي بنفسكِ الأخبار الجيدة عن والدكِ. خفضت ليان عينيها نحو الأرض، وشدت أصابعها حول طرف ثوبها بتوتر واضح، لم تكن تعرف ما الذي يجب أن تشعر به وسط كل هذا الخضم من المشاعر المتضاربة، والدها أصبح مهدداً بالسقوط الكامل، ومربيتها ستعود إليها أخيراً بعد طول انتظار. أما زواجها من كايل، الذي أقنعت نفسها طويلاً بأنه مجرد صفقة باردة لا روح فيها، فقد بدأ يتحول إلى شيء أكثر تعقيداً مما تستطيع تفسيره أو حتى تسميته، تنفست ببطء، محاولة تهدئة الاضطراب الداخلي، ثم تمتمت: — إيلينا ستعود... هذا أهم شيء على الإطلاق. رفعت رأسها وكأنها اتخذت قراراً داخلياً حاسماً. — أما كايل... سوف أعرف كيف أتعامل معه. تابعت سيرها نحو جناحها، لكن خطواتها لم تكن تحمل الخف
الفصل السادس والخمسون خرجت ليان من جناح كايل بخطوات سريعة وغير متزنة، وأغلقت الباب خلفها بقوة جعلت صداه يتردد في الممر الطويل، ثم بقيت للحظات واقفة في مكانها وكأن قدميها فقدتا القدرة على تحديد الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسها تتقطع رغم محاولاتها المستميتة لاستعادة هدوئها المعتاد، رفعت يدها إلى شفتيها دون وعي منها، تلمس الأثر الذي تركته تلك القبلة المفاجئة، ثم سحبتها بسرعة وكأنها أدركت فجأة ما فعلته، وتمتمت بصوت مرتجف يحمل حيرة عميقة: — لماذا حدث كل هذا؟... لم تجد إجابة تريحها، كانت كلمات كايل تتردد في رأسها بصورة متلاحقة لا تهدأ، خصوصاً جملته الأخيرة عن الغد، وعن أنه يريد معرفة القصة كاملة دون نقصان. شدّت ليان قبضتيها بقوة، وحاولت أن تمنع الدموع من السقوط رغم الغصة الخانقة في حلقها، لكن عينيها خانتاها في النهاية، وهمست لنفسها بمرارة: — كنتُ أفكر فقط في حيلة... لم أطلب منه شيئاً على الإطلاق. ابتلعت غصتها بصعوبة، وأضافت بصوت أكثر انخفاضاً وضعفاً: — لماذا قلب الأمر كله ضدي؟ تابعت طريقها نحو جناحها بخطوات مثقلة، وكل خطوة كانت تبدو أثقل من سابقتها ع







