Masukالفصل الثاني
اسفرَ الصباحُ ببطء، والضوءُ الساحبُ يتسلّل من بين الستائر الرقيقة،ويرسم خطوطًا باهتة على الجدار،ثم استيقظت ليان بعد ساعات قليلة من النوم، لم تكن كافية لتمنحها الراحة، فشعرت بثقلٍ غريب في صدرها منذ أن فتحت عينيها، كأن يومًا طويلًا ينتظرها قبل أن يبدأ. نظرت إلى والدتها النائمة، وجهها هادئ في ظاهره، لكن أنفاسها كانت أثقل مما اعتادت عليه ليان،ثم سحبت الغطاء برفق عنها، وحذرة ألا توقظها، ثم غادرت المنزل متجهة إلى المستشفى، والبرد الخفيف للصباح يلامس وجهها. في الطريق،وأخرجت هاتفها، وأضاءت الشاشة بضوء خافت بين يديها. إيثان: "لا تنسي أننا سنتناول العشاء الليلة." ابتسمت ابتسامة صغيرة، بدت أكبر من حجم الرسالة نفسها، وهي تكتب: "لن أتأخر." ... وصلت خطواتها إلى داخل مستشفى سانت أوريون، برائحته المعتادة التي تخلط بين المطهرات والهدوء المصطنع، حيث كانت لورا تنتظرها عند غرفة تبديل الملابس، متكئة على الحائط بثقة من يعرف أنه سيثير غضب أحدهم. ابتسمت بسخرية، عينان لامعتان بشيء أقرب إلى الشماتة، وقالت: "وصلتِ أخيرًا... كنت أظن أنك استقلت." قالت ليان بهدوء، دون أن تلتفت إليها مباشرة: "صباح الخير." ضحكت لورا ضحكة قصيرة، وردّت قائلة: "لا أعرف كيف تتحملين هذا الراتب البائس... لو كنت مكانك لتركت المستشفى منذ زمن." ردّت ليان وهي ترتدي ملابسها البيضاء بحركات معتادة، لا تحمل توترًا ظاهرًا: "ليس الجميع يملك رفاهية الاستقالة." اقتربت لورا منها بخطوة، وخفضت صوتها إلى همسٍ له نبرة لاذعة: "صحيح... أمك المريضة تحتاج المال، أليس كذلك؟" توقفت ليان فجأة، يداها تجمدتا في منتصف الحركة. التفتت إليها بعينين امتلأتا بالغضب، غضب لم تكن معتادة أن تظهره بهذا الوضوح، وقالت: "لا تدخلي أمي في الأمر." ابتسمت لورا بانتصار، وكأنها بلغت ما أرادت، وقالت: "إذن ما سمعته صحيح." في تلك اللحظة، دخل الدكتور أدريان، خطواته سريعة وهادئة في آنٍ واحد، وقال بنبرة من اعتاد أن يفصل بين الناس: "ما الذي يحدث هنا؟" ابتعدت لورا فورًا، وتغيّرت ملامحها في لحظة، وقالت: "لا شيء يا دكتور." ونظر إليهما للحظات، عينان فاحصتان تقرآن الموقف دون أن تصدّقا التفسير، ثم قال: "ليان، سترافقينني إلى قسم الطوارئ." ... ومرت ساعات العمل سريعًا، بين صخب الممرات وأصوات الأجهزة، وأحاديث قصيرة متبادلة بين الطاقم الطبي. وفي منتصف النهار، تلقى قسم الطوارئ اتصالًا عاجلًا، صوتٌ متقطع عبر جهاز اللاسلكي يقطع الهدوء النسبي للقسم: "حادث سير... ثلاث إصابات." بدأ الجميع بالاستعداد، حركة سريعة ومنظمة في آنٍ واحد، كل شخص يعرف مكانه ودوره. دخل المسعفون وهم يدفعون الأسرّة الطبية بسرعة،وعجلاتها تصدر صريرًا خفيفًا على الأرضية اللامعة. كانت الإصابات الأولى بسيطة، جروح سطحية وكدمات لا تستدعي قلقًا كبيرًا. أما السرير الأخير... فكان لرجل طويل يرتدي بدلة سوداء ملطخة بالدم، ما جعل حضوره وحده يفرض نوعًا من الصمت المؤقت في المكان. اقترب الدكتور أدريان، ووضع يده على معصم الرجل، وقال: "النبض؟" أجاب أحد المسعفين، وهو يتحقق من الشاشة الصغيرة: "مستقر، لكنه فقد كمية كبيرة من الدم." رفع الطبيب نظره نحو ليان، نظرة سريعة تحمل أمرًا أكثر مما تحمل طلبًا، وقال: "ساعديني." أومأت بسرعة، دون تردد. واقتربت من المصاب، وقلبها يتسارع رغم اعتيادها على مثل هذه المواقف. كانت هذه أول مرة تراه. رغم الدم الذي غطى جانب وجهه، بدت ملامحه حادة، كأنها منحوتة بعناية، وشعره الأسود مبتلًا بالمطر وملتصقًا بجبينه، بينما ظهرت ندبة صغيرة قديمة فوق حاجبه الأيسر، تحكي عن ماضٍ لا تعرفه. فتحت ليان ياقة قميصه لتفحص إصابته، بحركات سريعة ومحترفة. وفجأة... أمسك الرجل بمعصمها بقوة، قبضة قوية رغم حالته، جعلت الدم يتجمد في عروقها للحظة. ثم فتحت عيناه السوداوان ببطء، ثقيلتين لكن حادتين في آنٍ واحد. ونظر إليها للحظات، نظرة فاحصة كأنه يحاول أن يفهم من هي قبل أن يفقد وعيه مجددًا. ثم قال بصوت خافت لكنه حازم، كل كلمة تخرج بجهد: "لا... تدعي... أحدًا... يلمس... الحقيبة." وساد الصمت للحظة، صمت ثقيل يخالف صخب المكان. تبادلت ليان والطبيب النظرات، نظرة استغراب مشترك. ثم فقد الرجل وعيه من جديد، يده تسقط عن معصمها ببطء. سأل الطبيب، وهو يستدير نحو رجال الأمن: "أي حقيبة؟" أشار أحد رجال الأمن الذين رافقوا المصاب إلى حقيبة سوداء كانت بجانب السرير، صلبة الشكل، لا تحمل أي علامة ظاهرة. وقال بلهجة جادة، لا تحتمل النقاش: "هذه تخص السيد كايل ديمور... ولا يُسمح لأحد بفتحها." رفعت ليان رأسها باستغراب. لم تكن تعرف أن الرجل الذي كان هنا قبل لحظات هو أحد أشهر رجال الأعمال في مدينة فيلاريس. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان إيثان يجلس في المقهى نفسه مع ميلا، الإضاءة الدافئة تحيط بالطاولة، وكوبان من القهوة بينهما بالكاد لُمسا. قالت وهي تضع يدها فوق يده، بثقة من تعرف تأثيرها: "إلى متى ستبقى مترددًا؟" تنهد، ونظر بعيدًا للحظة قبل أن يقول: "ليان لا تستحق الخيانة..." ابتسمت ميلا ابتسامة باردة، لا تحمل أي رحمة، وقالت: "لكنك تخونها بالفعل." سكت إيثان... ولم يجد أي جواب. ... وفي الوقت نفسه... أغلق الطبيب أدريان الحقيبة بنفسه، بحركة حذرة، ثم سلّمها إلى أحد رجال الأمن الواقفين أمام غرفة الطوارئ. وقال الرجل بلهجة صارمة، عيناه لا تفارقان الحقيبة: "لن يقترب منها أحد." وأومأ الطبيب، ثم عاد إلى المصاب، عقله مشغول بأسئلة لم يطرحها بصوت عالٍ. كانت ليان تراقب شاشة جهاز مراقبة النبض، خطوط خضراء تتحرك بانتظام مقلق، بينما كانت تضغط برفق على الجرح لإيقاف النزيف. بعدها قال الطبيب: "سننقله إلى غرفة العمليات فورًا." وقبل أن يتحرك السرير، عاد كايل ليفتح عينيه لثوانٍ، بجهدٍ واضح. توقفت عيناه عند وجه ليان. كانت أول صورة يراها بعد الحادث... فتاة بملامح هادئة، وعينين رماديتين تحملان قلقًا صادقًا، لا تشبه النظرات الحذرة التي اعتاد رؤيتها من حوله. وهمس بصعوبة، الكلمات بالكاد مسموعة: "هل... نجا السائق؟" أجابت ليان دون تردد، بصوت هادئ يحاول أن يطمئنه: "لا تقلق... الجميع بخير." ثم أغمض عينيه مرة أخرى، وكأن الجملة كانت كافية ليستسلم للظلام من جديد. ... بعد ساعتين... خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو ينزع قفازيه، إرهاق العملية بادٍ على وجهه رغم ابتسامته الخفيفة، اقتربت ليان وقالت: "إنها حالة غريبة اليوم؟" ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال: "كان محظوظًا بعد ذلك الحادث المروع." تنفست ليان الصعداء، شعور بارتياح بسيط بعد ساعات من التوتر. لكنها لم تعلم أن الحادث لم يكن مجرد صدفة. وفي مبنى شركة أورفاكس... دخل رجل يرتدي بدلة رمادية إلى مكتب فاخر، خطواته حذرة، وكأنه يدخل غرفة استجواب لا اجتماع عمل. جلس رجل آخر أمام النافذة، ظهره إلى الباب، ولم يظهر من وجهه سوى انعكاسه الباهت على الزجاج، تحيط به إضاءة المدينة من الخارج. ثم قال القادم، بصوت متردد: "فشل الأمر." ثم ساد الصمت، صمت ثقيل يزيد من توتر الموقف. بعدها سأل الجالس ببرود، دون أن يستدير: "هل مات؟" رد الرجل الاخر: "لا... نجا." ثم أطبق الرجل على كأس الزجاج الذي بيده حتى كاد ينكسر بين أصابعه.وقال: "قلت لكم... لا أريد أخطاء." خفض الآخر رأسه، متجنبًا أي مواجهة بصرية.وقال: "سننهي الأمر قريبًا." ردّ بصوت مخيف، هادئ بطريقة أشد رعبًا من الصراخ: "هذه المرة... لا أريد حادثًا." ... في المساء... انتهت مناوبة ليان، وشعرت بثقل يومها كاملًا يترسب في جسدها فجأة. خلعت معطفها الأبيض وخرجت من المستشفى، هواء المساء البارد يلامس وجهها المتعب. كان هاتفها يرن باستمرار. إيثان. ابتسمت وهي تجيب، أملًا بلحظة راحة بسيطة بعد يوم طويل.وردة قائلة: "مرحبًا." لكن صوته بدا مرتبكًا، متلعثمًا بشكل غير معتاد.قائلأ: "ليان... آسف... لن أستطيع الحضور الليلة." توقفت عن السير، وسط الشارع، وكأن الجملة أوقفت شيئًا بداخلها أيضًا.وقالت: "ماذا؟" رد ايثان قائلأ: "اجتماع طارئ في العمل." ثم ساد الصمت بينهما عبر الهاتف. وقالت بابتسامة تخفي خيبة أملها، صوتها هادئ رغم كل شيء: "لا بأس... اعتنِ بنفسك." وأغلق الخط وهو يشعر بوخز في قلبه، وخز صغير لكنه واضح، كأن ضميره بدأ يتحدث أخيرًا. في الحقيقة... لم يكن في أي اجتماع. كان يجلس داخل مطعم فاخر، الإضاءة خافتة، والموسيقى الهادئة تملأ المكان. أمام ميلا. رفعت كأس النبيذ وهي تبتسم، ابتسامة من تستمتع بلعبتها، وقالت: "إذن... كذبت عليها مجددًا." أخفض نظره، وكأنه يهرب من عينيها، وقال: "لا أريد أن أجرحها." ضحكت بخفة، ضحكة لا تحمل أي تعاطف، وقالت: "لكن هذا ما تفعله كل يوم." ومدّت يدها وأمسكت بيده، لم يسحبها. وفي تلك اللحظة... كان أحد النادلين يلتقط لهما صورة بطلب من أحد الزبائن، دون أن ينتبها، صورة عابرة ستحمل لاحقًا وزنًا لم يتوقعاه. ... وفي الوقت نفسه... عادت ليان إلى المنزل حاملة كيس الأدوية، خطواتها بطيئة من التعب المتراكم. وفتحت الباب بهدوء، محاولة ألا تزعج سكون المنزل. وجدت ومربيتها جالسة قرب النافذة، وضوء المساء الخافت يرسم ظلها على الجدار. ابتسمت ايلينا، وقالت: "تأخرتِ." جلست ليان بجانبها، وأسندت رأسها للحظة على كتفها، وقالت: "كان يومًا مزدحمًا." نظرت ايلينا إلى وجه ليان، عينان تعرفان التعب جيدًا رغم محاولة إخفائه.وقالت: "أنتِ متعبة." ابتسمت ليان، محاولة أن تبدو أخف مما تشعر به، وقالت: "سأنام قليلًا فقط." سعلت الأم بقوة، سعال مفاجئ هزّ جسدها النحيل. هذه المرة... خرجت قطرات دم صغيرة على المنديل. تجمدت ليان في مكانها، وقلبها يسقط فجأة،وقالت: "أمي..." حاولت الأم إخفاء المنديل بسرعة، بحركة يدٍ مرتجفة، وقالت: "لا شيء." لكن ليان كانت تعرف... أن المرض أصبح أسوأ من أي وقت مضى. وشدّت على يد والدتها، بقوة كأنها تتشبث بها، وهمست في نفسها، عهدًا صامتًا لا يسمعه أحد: "مهما حدث... سأجد المال... حتى لو اضطررت للتضحية بكل شيء." وخارج المنزل... توقفت سيارة سوداء للحظات، في الظل بعيدًا عن ضوء الشارع. كان رجل مجهول يراقب المنزل من بعيد، عيناه ثابتتان على النافذة المضاءة. ثم أجرى اتصالًا قصيرًا، صوته منخفض وبارد.وقال: "وجدتها..." وأغلق الخط.الفصل السادس والثمانون لتحدق ليان في الفراغ بدون أن تحدّث نفسها بشيء، بعد فترة تنهض هي الأخرى من مكانها وتتجه للجهة الأخرى، وهي تتمتم بالشيء الذي هي واثقة فيه: — لم يكن موتاً طبيعياً... وأياً كان السبب في ذلك، فسوف يدفع الثمن على ذلك. ثم أشارَت لخادم ليلبي النداء فينحني قائلاً: — ماذا تريدين يا سيدتي؟ تقول ببرود وعينين شاحبتين: — أحضر البندقية. وبعد مدة أمسكت البندقية وقالت محدثةً نفسها: — لا أعرف نوايا تلك الـ"أورفاكس"... ثم صوبت على الهدف وبعدها أطلقت، وأكملت: — الذي أعرفه... هم أعداء فقط... أعداء. لتضغط على شفتيها وتطلق الرصاصة الثانية وتقول: — سوف يدفعون الثمن... وحتى كل شخص تورط معهم! وهمست: — كرهتُ نفسي... ثم تمتمت تسأل روحها: — هل يجب أن أكون الشخص الذي يحتاج أن يفقد كل شيء... أو أن ينتظر من ينقذه؟ وأطلقت طلقة أخرى وقالت بحدّة وثبات محدثة نفسها: — لن أنتظر أن يشعر بي أيٌّ كان... وكايل، حتى هو لن أنتظره أن يواسينِي أو يحميني! وبعدها أطلقت طلقة أخرى وهي ترمق الهدف بجمود، وقالت محدثةنفسها: — إيلينا... مهما مرّ الوقت، شتاءً، خريفاً، صيفاً، أو
الفصل الخامس والثمانونوانطلقت الدراجة بعيداً، قاطعةً صمت الصباح بصوت محركها الهادر.وأما أليستر، فقد بقي في مكانه يحدق في شروق الشمس بصمت مطبق.ليقطع ذلك الموقف هتافُ هاتفه برنين متواصل. بعدها رفعه وأجاب بجفاف، ليرده صوت ماكيل المباشر من الطرف الآخر:— أنا لا أتصل لإثارة المشاكل، وأعلم جيداً أنك في "فيلاريس". لذا، بدلاً من التسكع هناك، اذهب لمقابلة ديمور وأنهِ الإجراءات النهائية للاتفاق.ليتنهد أليستر بضيق وقاطع بكبرياء حاد:— أفهمك... ولا تكرر أقوالك. أنا ذاهبٌ إليه بالفعل.وأغلق الخط دون انتظار رد، ثم زفر أنفاساً حارة في الهواء البارد. ليتقدم حارسٌ بخطوات رزينة اتجاهه وقال بوقار:— هل نتحرك يا سيدي؟ السيارة جاهزة بالفعل.ثم أشار أليستر بيده موضحاً أنه فهم الأمر، وصعد إلى المقعد الخلفي بصمت هادئ. وأُغلق الباب، وانطلقت المركبة لتقطع السكون المتجمد متجهة نحو وجهتها الجديدة.في جهة أخرى، شقت الشمس أشعتها الدافئة لتتسلل إلى جناح ليان، واستقرت نظراتها على الضوء الساطع بعد أن استيقظت من نومها الثقيل بهدوء، وأعينها ما زالت شاحبة ينخرها التعب والأسى. ورفعت يدها لتمسح وجهها، وتمتمت محدثةً نفس
الفصل الرابع والثمانوننظرت إليه بصمت ثقيل، ليردف هو قائلًا ببرود قاسٍ وحزم بارد:— إذا أردتِ أن يحدث لكِ مثل اليوم طبعاً...وابتلعت غصتها وردت بصوت مكتوم ونبرة متقطعة ينخرها الحزن:— أجل... لن أحضر.ثم سحبت يدها ببطء من قبضته، وأكملت بتماسك هش وهي تلتفت نحو باب القصر:— يمكنني المشي وحدي.وأمسكت بيده لتعدّل وقفتها المتعثرة، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى عينيه مباشرة وقالت بنبرة مكتومة:— شكراً...واستدارت ودخلت إلى القصر في صمت مطبق. بينما بقي واقفاً في مكانه، يتابع بجمود موضع اختفائها خلف الأبواب الثقيلة.ورفع نظره بعدها نحو السماء؛ وفي تلك اللحظة بالذات، انقشرت السحب الحلكاء عن القمر، ليكشف عن ضوئه الفضي الباهت الذي أضاء ملامحه الجامدة.ليدخل هو الآخر إلى القصر، مكملاً طريقه بنظرات حازمة نحو مكتبه.بعد فترة من الوقت، دُقّ الباب بسكتة هادئة، ليدخل ريان بعد أن أذن له كايل بالدخول. حيث كان يحمل في يده بعض الملفات وقرصاً مدمجاً، تقدم وسلّمه لكايل القابع وراء مكتبه الضخم، وقال:— هذه التسجيلات يا سيدي.ليفتح كايل حاسوبه المحمول ويقول بنبرة فاترة:— ألقِ بها هنا.ثم تناول القرص وشغّل مقاطع الف
الفصل الثالث والثمانونفي الجهة الأخرى، بعيداً عن أروقة المستشفى وفي هدوء المكتب،وبعد أن أنهى كايل المكالمة، ظل يحدق في شاشة الهاتف الداكنة لبرهة، قبل أن يزيح عينيه نحو الملف المفتوح أمامه على المكتب. ليتوقف قلمه عن الكتابة تماماً، وزفر أنفاساً ثقيلة يحاول بها استيعاب التغير المفاجئ في مجريات الواقع الذي سمعه منذ دقائق. ثم رفع رأسه ليثبت نظرته الصارمة على ريان الجالس أمامه. ليدرك ريان الانقباض المفاجئ في ملامح كايل واضطراب صمته الحذر، ليتساءل بنبرة متوجسة:— هل طرأ أمر جديد يا سيدي؟بعدها تمتم كايل بصوت خفيض دون أن يحرف نظره عنه:— ليان...وأزاح عينيه نحو أفق المكتب، محدثاً نفسه في سرّه بتردد خافت:"هل هذا مجرد تدبير من القدر... أم أن هناك خيوطاً خفية لعبت بالمسألة لتصل إلى هذه النتيجة؟"والتفت مجدداً نحو ريان، ورد على تساؤله بصوت متهدج:— إيلينا أوريس... قضت نحبها قبل قليل.ليسود الصمت المطبق أرجاء المكان؛ ويتيبس ريان في مكانه إثر تلقيه الخبر، ولم يتجرأ على طرح أي سؤال آخر إدراكاً منه لخطورة الموقف وتعقيده.ليشبّك كايل أصابع يديه فوق المكتب بثبات، وأردف بصوت حاسم لا يقبل النقاش:— ج
الفصل الثاني والثمانونليسقط الهاتف من يدها المرتجفة ويتدحرج على المقعد، وانكفأت ببدنها نحو الأمام لتتثبت يداها بقوة وجنون على ظهر المقعد المقابل. حيث كانت تحدق في الفراغ بذهول تائه، غير مدركة ولا مستوعبة لكل ما سمعته أذنها قبل لحظات.وراحت تشد بأصابعها على القماش الداكن بقسوة كأنها تتشبث بالواقع، وتمتمت في سرها بنبرة يائسة:"أرجو أن يكون كل هذا مجرد حلم مفزع... أرجو أن أستيقظ منه الآن".ليقطع شريط ذهولها صوت ستيفن وهو يلمح اضطراب أنفاسها عبر المرآة الأمامية، ليقول بنبرة متسائلة:— ماذا حدث يا سيدتي؟ هل أنتِ بخير؟ونظرت إليه بملامح شاحبة، ثم أزاحت عينيها بسرعة نحو الهاتف الملقى بجانبها، لتجد أن المكالمة قد أُغلقت بالفعل وانقطع الخط.وامتدت يدها لتلتقط الجهاز مجدداً بحركة مرتعشة، وحشرت نفسها في أقصى زاوية المقعد وهي تقول بصوت خافت ومتلعثم:— اتجه... اتجه فوراً إلى مستشفى "سانت أوريون".ثم أطبقت شفتيها وضمّت الهاتف نحو صدرها ببراجم بيضاء من شدة الضغط، دون أن تنطق بكلمة أخرى، ملقيةً بنظرها نحو الزجاج المظلم المتداعي تحت أنوار الشوارع.وبقيت تائهة بالنواحي، تحدق في شوارع المدينة بأعين شاح
الفصل الحادي والثمانون ثم جلس في المقعد الخلفي للقارب، ممسكاً بحافته بثبات بينما أدارت سارة المحرك بكامل قوتها. ليندفع القارب كالسهم فوق سطح الماء، ليرتفع الرذاذ الأبيض عالياً حافاً الجانبين وسط صخب الموج المتلاطم. بعدها تأمل أليستر الأفق المظلم لثوانٍ، وأزاح عينيه نحو سارة وراقب ثبات ملامحها وهي تقود القارب، ليقول بنبرة جادة وخفيضة: — هل نلتِ مبتغاكِ؟ التفتت إليه خاطفةً نظرة سريعة بين رذاذ الماء، ورسمت على شفتيها ابتسامة باردة وهي ترد باختصار: — نصفه فقط... ورد عليها بنبرة مشدودة يحثها على التوضيح: — نصفه؟ وتطلعت نحو مسار المياه المظلم أمام القارب، وضغطت على شفتيها بقوة وهي تسرد ما حدث: — التقيتُ بكايل... كان عدوانياً بشكل لا يطاق. وألمح إلى أن ماري قد ارتكبت خيانة لا تُغتفر بحقه. ثم ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت انقسام الموج تحت هيكل القارب. بعدها أضافت بنبرة خفتت فيها كل ملامح القسوة لتكشف عن حسرة مخفية: — لكن ماري ماتت... لم ينطق أليستر بكلمة واحدة، بل ظل يراقبها بجمود،ليترك لها المساحة لتفرغ ما بداخلها. وأمالت رأسها جانباً وتابعت وهي تشد قبضتها على مقود القارب: — لول







