Share

الفصل السادس

Author: Samdy 21
last update publish date: 2026-07-30 04:21:29

الفصل السادس

لم تكن مدينة فيلاريس تعرف السكون.

وفي شوارعها الواسعة، كانت السيارات تتحرك بانسيابية، بينما امتلأت الأرصفة بالمارة، واختلطت أصوات الباعة بموسيقى تعزفها فرقة صغيرة في إحدى الساحات العامة. وعلى جانبي الطريق، اصطفت المقاهي والمحال الفاخرة التي يقصدها سكان المدينة وزوارها، وسط تلك الحركة، ارتفع مبنى مستشفى سانت أوريون شامخًا في قلب المدينة، حيث لم يتوقف العمل فيه لحظة واحدة، وكأنه قلب ينبض بلا توقف وسط ضجيج الحياة من حوله.

...

كانت ليان تراجع ملفات المرضى خلف مكتب التمريض، منهمكة في تدقيق الأسماء والمواعيد بعينين متعبتين لكنهما لم تفقدا تركيزهما.

ورفعت رأسها عندما اقترب منها طفل صغير يحمل دمية قماشية، بخطى مترددة، وقال بخجل:

"آنسة... هل ستعود أمي قريبًا؟"

وانحنت ليان حتى أصبحت بمستوى نظره، بلطف يشعره بالأمان، ثم ابتسمت بحنان، وقالت:

"الطبيب يفحصها الآن، وبعد قليل ستتمكن من رؤيتها."

ابتسم الطفل، وقد زال القلق عن وجهه الصغير، ثم ركض نحو والده، راقبت ليان المشهد بابتسامة هادئة، تتابعه حتى اختفى بين المقاعد.

وقالت إحدى الممرضات:

"لهذا يحبك الأطفال."

ضحكت ليان، وقالت:

"ليس شرط، فقط لأنهم صادقون."

...

ومرّت الساعات سريعًا بين المرضى والأدوية وتقارير الأطباء، دون أن تمنح ليان نفسها فرصة للتوقف.

وعندما انتهت مناوبتها، خرجت من غرفة تبديل الملابس وهي ترتدي فستانًا بلون العنابي الداكن، يصل إلى ما دون الركبتين، مع معطف بيج خفيف وحقيبة يد صغيرة. انسدل شعرها البني الطويل على كتفيها، وأبرزت بساطة ملابسها ملامحها الهادئة وجمالها الطبيعي دون مبالغة، وبينما كانت تغلق خزانتها، اهتز هاتفها بصوت خفيف بين يديها.

ظهر اسم إيثان.

أجابت بسرعة، وقد رسم اسمه على الشاشة ابتسامة تلقائية على وجهها، وقالت:

"مرحبًا."

جاءها صوته هذه المرة أكثر هدوءًا، قائلًا:

"هل انتهيتِ من العمل؟"

ابتسمت، وقالت:

"نعم."

ثم بعدها قال:

"انتظريني أمام المستشفى."

اتسعت عيناها، وقالت:

"لماذا؟"

ضحك بخفة، وقال:

"ستعرفين بعد قليل."

وانتهت المكالمة.

وخرجت ليان إلى البوابة الرئيسية، وقلبها ينبض بفضول خفيف، ولم تنتظر طويلًا حتى توقفت سيارة سوداء أمامها، ونزل إيثان وهو يحمل علبة صغيرة مغلفة بعناية، واقترب منها مبتسمًا، وقال:

"أعتذر عن الفترة الماضية."

ناولها العلبة، وقال:

"هذه لك."

نظرت إليه بدهشة، وقالت:

"ما المناسبة؟"

هز كتفيه، وقال:

"لا أحتاج مناسبة لأعتذر."

فتحت العلبة ببطء، بأصابع مترددة قليلًا من فرط الفضول، وفي داخلها كان يوجد سوار فضي رقيق تتوسطه نجمة صغيرة، ثم ارتسمت ابتسامة صادقة على وجهها، وقالت:

"إنه جميل."

ثم قال إيثان وهو يضع السوار في معصمها، بلمسة رقيقة:

"أردت فقط أن أراك تبتسمين."

خفضت ليان رأسها بخجل، حيث شعرت أن الغيمة التي خيمت على علاقتهما خلال الأسابيع الماضية بدأت تتلاشى، وأن شيئًا من الدفء القديم عاد يتسلل بينهما.

ثم قال إيثان:

"هيا."

نظرت إليه، وقالت:

"إلى أين؟"

ابتسم اليها:

"حجزت لنا طاولة في مطعم لا ميرادا."

رفعت حاجبيها بدهشة، وقالت:

"ذلك المطعم؟"

أومأ برأسه، وقال:

"نعم... الليلة من أجلك."

ابتسمت ليان، ثم ركبت السيارة إلى جانبه، وقد بدأت تشعر بأن الأمسية ستكون مختلفة عن كل الأمسيات الباهتة التي سبقتها.

...

بعد نحو نصف ساعة...

توقفت السيارة أمام أحد أفخم مطاعم مدينة فيلاريس.

كانت الواجهة الزجاجية تعكس أضواء المدينة، بينما وقف الموظفون بملابسهم الرسمية لاستقبال الضيوف بانحناءات مهذبة.

ثم دخلت ليان وإيثان إلى الداخل.

توقفت للحظة وهي تنظر إلى الديكورات الراقية والثريات الكريستالية التي تزين السقف، وقد انعكس بريقها في عينيها الرماديتين.

وابتسمت، وقالت:

"إنه أجمل مما توقعت."

رد إيثان قائلًا:

"تستحقين الأفضل."

ثم ابتسمت له بخجل، ثم تبعت النادل نحو الطاولة التي حُجزت باسمه.

وفي الطرف الآخر من المطعم...

كان كايل ديمور يجلس على طاولة خاصة مع ثلاثة من كبار رجال الأعمال، يناقش معهم إحدى صفقاته الجديدة، بجدية لا تحتمل أي تشتت.

وفي القاعة الخاصة بالمطعم، حيث يخيم هدوء أكثر رسمية عن بقية الصالة...

ثم جلس كايل ديمور على رأس الطاولة، وإلى جانبه مساعده ريان، بينما جلس أمامه ثلاثة من كبار رجال الأعمال في مدينة فيلاريس.

كان على الطاولة عدد يطرحون مسائل المخططات والملفات، منتشرة بنظام أمام كل منهم.

ثم قال أحد المستثمرين:

"إذا بدأ المشروع هذا العام، فسنحتاج إلى ما لا يقل عن ثمانية عشر شهرًا لإنهائه."

أخذ كايل وشبك يديه، وقلب صفحاته بهدوء، دون أن تتزحزح ملامحه الجادة، وقال:

"أثناء عشر شهرًا."

نظر إليه الرجل باستغراب، وقال:

"هذا غير ممكن."

رفع كايل عينيه إليه، بنظرة حاسمة لا تقبل التراجع.

"إذا أُدير المشروع بالطريقة الصحيحة... فهو ممكن."

تدخل رجل آخر قائلاً:

"لكن التكلفة سترتفع."

رد كايل بثقة:

"التكلفة لا تهمني بقدر ما يهمني الالتزام بالموعد."

ساد الصمت للحظات، صمت يزن كل كلمة قيلت للتو، وقال المستثمر الثالث:

"وماذا عن شركة هالسين؟ سمعنا أنهم يخططون لتقديم عرض منافس، او حاليف."

وأجاب كايل بهدوء، دون أن تتغير نبرته قيد أنملة:

"فليقدموا ما يريدون."

ثم أغلق الملف، وقال:

"لن يغير ذلك شيئًا."

ونظر الرجال الثلاثة إلى بعضهم، في تبادل صامت من الإعجاب، ثم ابتسم أحدهم، وقال:

"لهذا السبب نفضل العمل معك."

مد كايل يده، وصافحه الآخر، وقال كايل:

"إذن... اتفقنا."

صافحه الرجال واحدًا تلو الآخر، بثقة رجال يعرفون قيمة توقيعهم.

وقال أحدهم مبتسمًا:

"نتمنى أن تكون هذه بداية شراكة طويلة."

اكتفى كايل بإيماءة بسيطة، لا تحمل حماسًا زائدًا ولا بردًا مبالغًا فيه.

...

وفي الجهة الأخرى من المطعم...

ابتسمت ليان وهي تنظر إلى السوار الذي أهداه لها إيثان، تديره بأصابعها بلطف.

قالت:

"شكرًا... لم أكن أتوقع هذه الهدية."

ابتسم إيثان، وقال:

"أردت أن أعوضك."

وصل النادل يحمل الطعام، بحركات أنيقة رتيبة، ثم ساد بينهما حديث هادئ.

تحدثا عن أيام الجامعة، وعن أول مرة التقيا فيها، بضحكات خفيفة استعادت شيئًا من الألفة القديمة، ثم سألت ليان بابتسامة:

"هل ما زلت مصممًا على تأجيل الزفاف؟"

تنهد إيثان، وقد مرت على وجهه سحابة عابرة من التردد.وقال:

"لفترة قصيرة فقط."

أومأت برأسها، وقالت:

"سأنتظر."

ثم ابتسم، لكنه كان ينظر إلى هاتفه بين الحين والآخر، بحركة سريعة تكاد لا تُلاحظ.

ولكن لاحظت ذلك، لكنها تجاهلته، وفضّلت أن تحتفظ بصفاء الأمسية دون أن تفسدها بسؤال.

...

وبعد انتهاء العشاء...

وقف إيثان، وقال:

"سأذهب لدفع الحساب."

ابتسمت ليان، وقالت:

"حسنًا."

وغادر باتجاه مكتب الاستقبال بخطى سريعة.

أما ليان، فقررت التوجه إلى الشرفة الداخلية للمطعم للحظات، لتستنشق بعض الهواء بعيدًا عن ضجيج القاعة.

في الوقت نفسه...

كان اجتماع كايل قد انتهى، وخرج رجال الأعمال بعد أن ودعوه، بينما سار كايل في الممر المؤدي إلى المخرج، يتبعه ريان على بعد خطوات، وذهنه لا يزال مشغولًا بتفاصيل الصفقة التي أُبرمت للتو.

وفي منعطف ضيق...

استدارت ليان في اللحظة نفسها، دون أن تنتبه لما أمامها، ثم بعدها اصطدمت بكتف كايل.

واختل توازنها، وكادت تسقط...

لكن يدًا قوية أمسكت بمعصمها قبل أن ترتطم بالأرض، بسرعة رد فعل لم تتح لها فرصة التفكير، ورفعت ليان رأسها بسرعة والتقت عيناها بعيني الرجل الذي أمامها.

كان طويل القامة، بملامح هادئة ونظرة حادة، تحمل شيئًا من الغموض الذي لا يسهل تفسيره.

تردد صوته لأول مرة موجَّهًا إليها، عميقًا هادئًا:

"هل أنتِ بخير؟"

أومأت ليان بسرعة، وقد بدا عليها الارتباك، وشعرت بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيها، وقالت:

"نعم... أنا آسفة، لم أنتبه."

لم يترك كايل يدها إلا بعدما تأكد من أنها استعادت توازنها تمامًا.

في تلك اللحظة...

وحدق في وجهها لثوانٍ، بنظرة تتفحص ملامحها كأنه يبحث في ذاكرته عن شيء بعيد.

كان مألوفًا...

كأنه رآه من قبل، ثم قال في نفسه:

"هذه الشابة..."

واكمل في نفسه: "أليست هي الممرضة التي كانت في المستشفى؟"

وقبل أن يقول شيئًا...

وصل إيثان مسرعًا، بخطى قلقة، ووقف بجانب ليان، وقال:

"هل حدث شيء؟"

ابتسمت ليان ابتسامة خفيفة، وظهر ارتباك ضغير على وجهها، وقالت:

"لا... اصطدمت بالسيد دون قصد."

ثم نظر إيثان إلى كايل باحترام، متعرفًا على ملامح لا تخطئها العين في أوساط رجال الأعمال، وقال:

"أعتذر بالنيابة عنها."

وأجاب كايل بهدوء:

"لم يحدث شيء."

واكتفى بإيماءة قصيرة، ثم تابع طريقه، بينما بقيت ليان تنظر إليه للحظة، قبل أن يغادر هو وريان الممر، وشعور غامض يخالجها لم تستطع تفسيره.

أما كايل، فكان يمشي بصمت، ثم قال لريان دون أن يلتفت:

"تذكرت الآن..."

نظر إليه ريان باستغراب، وقال:

"ماذا، سيدي؟"

أجاب كايل وهو يتابع سيره، بنبرة أقرب إلى اليقين المفاجئ:

"إنها الممرضة التي اعتنت بي في المستشفى."

وتوقف الحديث عند هذا الحد...

بينما كان كل واحد منهم يبتعد في اتجاهه، غير مدرك أن هذا اللقاء العابر لن يكون الأخير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلبي ليس لك   الفصل السادس والثمانون

    الفصل السادس والثمانون لتحدق ليان في الفراغ بدون أن تحدّث نفسها بشيء، بعد فترة تنهض هي الأخرى من مكانها وتتجه للجهة الأخرى، وهي تتمتم بالشيء الذي هي واثقة فيه: — لم يكن موتاً طبيعياً... وأياً كان السبب في ذلك، فسوف يدفع الثمن على ذلك. ثم أشارَت لخادم ليلبي النداء فينحني قائلاً: — ماذا تريدين يا سيدتي؟ تقول ببرود وعينين شاحبتين: — أحضر البندقية. وبعد مدة أمسكت البندقية وقالت محدثةً نفسها: — لا أعرف نوايا تلك الـ"أورفاكس"... ثم صوبت على الهدف وبعدها أطلقت، وأكملت: — الذي أعرفه... هم أعداء فقط... أعداء. لتضغط على شفتيها وتطلق الرصاصة الثانية وتقول: — سوف يدفعون الثمن... وحتى كل شخص تورط معهم! وهمست: — كرهتُ نفسي... ثم تمتمت تسأل روحها: — هل يجب أن أكون الشخص الذي يحتاج أن يفقد كل شيء... أو أن ينتظر من ينقذه؟ وأطلقت طلقة أخرى وقالت بحدّة وثبات محدثة نفسها: — لن أنتظر أن يشعر بي أيٌّ كان... وكايل، حتى هو لن أنتظره أن يواسينِي أو يحميني! وبعدها أطلقت طلقة أخرى وهي ترمق الهدف بجمود، وقالت محدثةنفسها: — إيلينا... مهما مرّ الوقت، شتاءً، خريفاً، صيفاً، أو

  • قلبي ليس لك   الفصل الخامس والثمانون

    الفصل الخامس والثمانونوانطلقت الدراجة بعيداً، قاطعةً صمت الصباح بصوت محركها الهادر.وأما أليستر، فقد بقي في مكانه يحدق في شروق الشمس بصمت مطبق.ليقطع ذلك الموقف هتافُ هاتفه برنين متواصل. بعدها رفعه وأجاب بجفاف، ليرده صوت ماكيل المباشر من الطرف الآخر:— أنا لا أتصل لإثارة المشاكل، وأعلم جيداً أنك في "فيلاريس". لذا، بدلاً من التسكع هناك، اذهب لمقابلة ديمور وأنهِ الإجراءات النهائية للاتفاق.ليتنهد أليستر بضيق وقاطع بكبرياء حاد:— أفهمك... ولا تكرر أقوالك. أنا ذاهبٌ إليه بالفعل.وأغلق الخط دون انتظار رد، ثم زفر أنفاساً حارة في الهواء البارد. ليتقدم حارسٌ بخطوات رزينة اتجاهه وقال بوقار:— هل نتحرك يا سيدي؟ السيارة جاهزة بالفعل.ثم أشار أليستر بيده موضحاً أنه فهم الأمر، وصعد إلى المقعد الخلفي بصمت هادئ. وأُغلق الباب، وانطلقت المركبة لتقطع السكون المتجمد متجهة نحو وجهتها الجديدة.في جهة أخرى، شقت الشمس أشعتها الدافئة لتتسلل إلى جناح ليان، واستقرت نظراتها على الضوء الساطع بعد أن استيقظت من نومها الثقيل بهدوء، وأعينها ما زالت شاحبة ينخرها التعب والأسى. ورفعت يدها لتمسح وجهها، وتمتمت محدثةً نفس

  • قلبي ليس لك   الفصل الرابع والثمانون

    الفصل الرابع والثمانوننظرت إليه بصمت ثقيل، ليردف هو قائلًا ببرود قاسٍ وحزم بارد:— إذا أردتِ أن يحدث لكِ مثل اليوم طبعاً...وابتلعت غصتها وردت بصوت مكتوم ونبرة متقطعة ينخرها الحزن:— أجل... لن أحضر.ثم سحبت يدها ببطء من قبضته، وأكملت بتماسك هش وهي تلتفت نحو باب القصر:— يمكنني المشي وحدي.وأمسكت بيده لتعدّل وقفتها المتعثرة، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى عينيه مباشرة وقالت بنبرة مكتومة:— شكراً...واستدارت ودخلت إلى القصر في صمت مطبق. بينما بقي واقفاً في مكانه، يتابع بجمود موضع اختفائها خلف الأبواب الثقيلة.ورفع نظره بعدها نحو السماء؛ وفي تلك اللحظة بالذات، انقشرت السحب الحلكاء عن القمر، ليكشف عن ضوئه الفضي الباهت الذي أضاء ملامحه الجامدة.ليدخل هو الآخر إلى القصر، مكملاً طريقه بنظرات حازمة نحو مكتبه.بعد فترة من الوقت، دُقّ الباب بسكتة هادئة، ليدخل ريان بعد أن أذن له كايل بالدخول. حيث كان يحمل في يده بعض الملفات وقرصاً مدمجاً، تقدم وسلّمه لكايل القابع وراء مكتبه الضخم، وقال:— هذه التسجيلات يا سيدي.ليفتح كايل حاسوبه المحمول ويقول بنبرة فاترة:— ألقِ بها هنا.ثم تناول القرص وشغّل مقاطع الف

  • قلبي ليس لك   الفصل الثالث والثمانون

    الفصل الثالث والثمانونفي الجهة الأخرى، بعيداً عن أروقة المستشفى وفي هدوء المكتب،وبعد أن أنهى كايل المكالمة، ظل يحدق في شاشة الهاتف الداكنة لبرهة، قبل أن يزيح عينيه نحو الملف المفتوح أمامه على المكتب. ليتوقف قلمه عن الكتابة تماماً، وزفر أنفاساً ثقيلة يحاول بها استيعاب التغير المفاجئ في مجريات الواقع الذي سمعه منذ دقائق. ثم رفع رأسه ليثبت نظرته الصارمة على ريان الجالس أمامه. ليدرك ريان الانقباض المفاجئ في ملامح كايل واضطراب صمته الحذر، ليتساءل بنبرة متوجسة:— هل طرأ أمر جديد يا سيدي؟بعدها تمتم كايل بصوت خفيض دون أن يحرف نظره عنه:— ليان...وأزاح عينيه نحو أفق المكتب، محدثاً نفسه في سرّه بتردد خافت:"هل هذا مجرد تدبير من القدر... أم أن هناك خيوطاً خفية لعبت بالمسألة لتصل إلى هذه النتيجة؟"والتفت مجدداً نحو ريان، ورد على تساؤله بصوت متهدج:— إيلينا أوريس... قضت نحبها قبل قليل.ليسود الصمت المطبق أرجاء المكان؛ ويتيبس ريان في مكانه إثر تلقيه الخبر، ولم يتجرأ على طرح أي سؤال آخر إدراكاً منه لخطورة الموقف وتعقيده.ليشبّك كايل أصابع يديه فوق المكتب بثبات، وأردف بصوت حاسم لا يقبل النقاش:— ج

  • قلبي ليس لك   الفصل الثاني والثمانون

    الفصل الثاني والثمانونليسقط الهاتف من يدها المرتجفة ويتدحرج على المقعد، وانكفأت ببدنها نحو الأمام لتتثبت يداها بقوة وجنون على ظهر المقعد المقابل. حيث كانت تحدق في الفراغ بذهول تائه، غير مدركة ولا مستوعبة لكل ما سمعته أذنها قبل لحظات.وراحت تشد بأصابعها على القماش الداكن بقسوة كأنها تتشبث بالواقع، وتمتمت في سرها بنبرة يائسة:"أرجو أن يكون كل هذا مجرد حلم مفزع... أرجو أن أستيقظ منه الآن".ليقطع شريط ذهولها صوت ستيفن وهو يلمح اضطراب أنفاسها عبر المرآة الأمامية، ليقول بنبرة متسائلة:— ماذا حدث يا سيدتي؟ هل أنتِ بخير؟ونظرت إليه بملامح شاحبة، ثم أزاحت عينيها بسرعة نحو الهاتف الملقى بجانبها، لتجد أن المكالمة قد أُغلقت بالفعل وانقطع الخط.وامتدت يدها لتلتقط الجهاز مجدداً بحركة مرتعشة، وحشرت نفسها في أقصى زاوية المقعد وهي تقول بصوت خافت ومتلعثم:— اتجه... اتجه فوراً إلى مستشفى "سانت أوريون".ثم أطبقت شفتيها وضمّت الهاتف نحو صدرها ببراجم بيضاء من شدة الضغط، دون أن تنطق بكلمة أخرى، ملقيةً بنظرها نحو الزجاج المظلم المتداعي تحت أنوار الشوارع.وبقيت تائهة بالنواحي، تحدق في شوارع المدينة بأعين شاح

  • قلبي ليس لك   الفصل الحادي والثمانون

    الفصل الحادي والثمانون ثم جلس في المقعد الخلفي للقارب، ممسكاً بحافته بثبات بينما أدارت سارة المحرك بكامل قوتها. ليندفع القارب كالسهم فوق سطح الماء، ليرتفع الرذاذ الأبيض عالياً حافاً الجانبين وسط صخب الموج المتلاطم. بعدها تأمل أليستر الأفق المظلم لثوانٍ، وأزاح عينيه نحو سارة وراقب ثبات ملامحها وهي تقود القارب، ليقول بنبرة جادة وخفيضة: — هل نلتِ مبتغاكِ؟ التفتت إليه خاطفةً نظرة سريعة بين رذاذ الماء، ورسمت على شفتيها ابتسامة باردة وهي ترد باختصار: — نصفه فقط... ورد عليها بنبرة مشدودة يحثها على التوضيح: — نصفه؟ وتطلعت نحو مسار المياه المظلم أمام القارب، وضغطت على شفتيها بقوة وهي تسرد ما حدث: — التقيتُ بكايل... كان عدوانياً بشكل لا يطاق. وألمح إلى أن ماري قد ارتكبت خيانة لا تُغتفر بحقه. ثم ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت انقسام الموج تحت هيكل القارب. بعدها أضافت بنبرة خفتت فيها كل ملامح القسوة لتكشف عن حسرة مخفية: — لكن ماري ماتت... لم ينطق أليستر بكلمة واحدة، بل ظل يراقبها بجمود،ليترك لها المساحة لتفرغ ما بداخلها. وأمالت رأسها جانباً وتابعت وهي تشد قبضتها على مقود القارب: — لول

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status