로그인لم تستطع لبنى النوم.
كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرًا، والمدينة خلف نافذتها صامتة إلا من أصوات السيارات البعيدة.
جلست أمام مكتبها.
البطاقة السوداء أمامها.
L.
لم تكن المشكلة في الحرف.
المشكلة في الطريقة التي وُضع بها.
كانت العلامة محفورة داخل الورق، وليست مكتوبة بالحبر.
يعني أن الشخص الذي صنع البطاقة لم يستخدمها قبل دقائق.
بل أعدها خصيصًا.
لبنى أخذت نفسًا طويلًا.
ثم فتحت حاسوبها.
بدأت تبحث في كل قضية قديمة تحمل الحرف نفسه.
لا شيء.
غيرت طريقة البحث.
بحثت عن بطاقات مجهولة.
لا شيء.
فتحت صورة والدها.
ظلت تنظر إليها.
ثم قالت:
“إيه اللي كنت مخبيه عني يا أبي؟”
رن الهاتف.
انتفضت.
نظرت إلى الشاشة.
رقم مجهول.
لم تجب.
استمر الرنين.
مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
ثم توقف.
جاءت رسالة.
فتحتها.
“لماذا لا تجيبين؟”
ثم رسالة أخرى.
“أنا لا أتصل لأؤذيك.”
وثالثة:
“بعد قليل ستفهمين.”
أغلقت الهاتف.
لكن بعد أقل من دقيقة وصل تسجيل صوتي.
ترددت.
ثم ضغطت.
جاء صوت الرجل نفسه.
صوت باجوميت.
“لبنى.”
سكت قليلًا.
“أعلم أنك لم تنامي.”
قالت في ذهنها:
كيف عرف؟
تابع:
“أعلم أيضًا أنك وجدت البطاقة.”
ثم ضحك بخفة.
“ولا تحاولي تعقب هذا الرقم.”
توقفت.
“أنتِ جيدة في اكتشاف التفاصيل.”
صمت.
“لكن هناك فرق بين اكتشاف التفاصيل وفهمها.”
انتهى التسجيل.
وضعت لبنى الهاتف على المكتب.
ثم فتحت درجًا قديمًا.
أخرجت منه ملفًا صغيرًا.
كان الملف الوحيد الذي احتفظت به من أغراض والدها.
لم تكن تعرف لماذا احتفظت به.
ربما لأنها لم تستطع التخلص من آخر شيء يربطها به.
فتحت الملف.
تقارير قديمة.
صور.
أوراق.
ثم وجدت ورقة لم ترها من قبل.
كانت مطوية بعناية.
فتحتها.
ثلاثة أرقام:
17 – 4 – 9
وتحت الأرقام جملة:
“حين يبدأ الكارت في الكلام، لا تصدق صاحب الصوت.”
تجمدت.
كانت الجملة بخط والدها.
رفعت رأسها.
ثم قالت:
“صاحب الصوت…”
تذكرت اتصال باجوميت.
“هل يمكن أن يكون…”
لكنها لم تكمل.
في السابعة صباحًا كانت لبنى داخل السيارة.
كان يوسف إلى جوارها.
قال:
“شكلك ما نمتيش.”
“ما نمتش.”
“أجوميت؟”
“أيوه.”
نظر إليها.
“اتصل؟”
“أيوه.”
“قال إيه؟”
سكتت قليلًا.
“إنه يعرفني.”
قال يوسف:
“وده جديد؟”
التفتت إليه.
“هو قال اسمي قبل ما أقول له.”
ساد الصمت.
قال يوسف:
“يعني كان يعرفك قبل القضية.”
“أو يعرف عائلتي.”
قال:
“إذن لازم نراجع كل شيء عن والدك.”
“هنعمل ده.”
“وكامل؟”
قالت:
“مش هسأله لوحده المرة دي.”
نظر إليها.
“ليه؟”
“لأنني لا أريد أن أعرف فقط ما يريد أن يقوله.”
ثم أضافت:
“أريد أعرف ما الذي لا يريد قوله.”
ابتسم يوسف.
“دي لبنى اللي أعرفها.”
نظرت إليه.
“إنت تعرفني؟”
قال:
“أعرف إنك لما تكوني هادية بزيادة، بيكون حد هيموت.”
ابتسمت للمرة الأولى.
ابتسامة صغيرة جدًا.
“لسه بتتكلم كتير.”
وصل الاثنان إلى الإدارة.
وجدوا كامل واقفًا في الممر.
قال:
“اتفضلوا.”
دخلوا مكتبه.
أغلق الباب.
قال كامل:
“أجوميت اتصل؟”
قالت لبنى:
“أيوه.”
“هل هددك؟”
“لا.”
“إذن ماذا يريد؟”
“الحقيقة.”
سكت كامل.
قال يوسف:
“ما الذي تعرفه عن القضية 1749؟”
نظر كامل إليه.
“كل شيء تقريبًا.”
قالت لبنى:
“إذن ابدأ.”
جلس كامل.
“من خمسة عشر سنة، ظهر ملف غريب.”
فتح درج مكتبه.
أخرج صورة قديمة.
“كان فيه مجموعة من الأسماء مرتبطة ببعضها.”
وضعت لبنى الصورة أمامها.
“مين دول؟”
قال:
“رجال أعمال، موظفون، أشخاص من عالم الجريمة.”
“وشخص اسمه سامر.”
تغير وجه كامل.
“من قال لك اسمه؟”
قالت:
“أنت.”
“لا.”
“قلت لي أمس.”
صمت.
قال:
“سامر كان واحدًا من أهم المحققين عندنا.”
“وبعدين؟”
“اختفى.”
“إزاي؟”
“في نفس الأسبوع الذي اختفت فيه بعض ملفات القضية.”
قال يوسف:
“هل كان متورطًا؟”
كامل نظر إليه.
“كنا نشك.”
لبنى سألت:
“وأبي؟”
تردد.
“كان يحقق فيه.”
“هل واجهه؟”
“نعم.”
“وماذا حدث؟”
كامل لم يجب.
قالت لبنى:
“مات أبي بعد ذلك بأيام؟”
رفع عينيه إليها.
“بعد أسبوع.”
توقفت.
“إذن أنت كنت تعرف.”
“كنت أعرف أن والدك كان قريبًا من الحقيقة.”
“والآن؟”
قال كامل:
“أعتقد أن أجوميت يعرف ما حدث.”
خرجت لبنى من المكتب.
لكنها لم تتجه إلى السيارة.
بل ذهبت إلى قسم السجلات.
كان باسم جالسًا هناك.
رفع رأسه عندما رآها.
“لبنى.”
وضعت الملف أمامه.
“عايزة السجلات الخاصة بالقضية 1749.”
“قلت لك مش موجودة.”
“أنا ما طلبتش رأيك.”
نظر إليها.
“أنتِ مش واثقة فيا.”
قالت:
“المفروض أثق فيك؟”
ابتسم.
“لا.”
اقتربت منه.
“مين أنت؟”
لم يرد.
“باسم.”
ظل صامتًا.
“إنت مين؟”
قال بهدوء:
“موظف.”
“كذب.”
ابتسم.
“إذن ابحثي.”
تراجعت لبنى.
ثم قالت:
“هبحث.”
خرجت.
باسم تابعها بعينيه.
ثم فتح درجًا.
أخرج بطاقة.
لكن البطاقة لم تكن سوداء.
كانت حمراء.
وفي منتصفها حرف واحد:
B
بعد سنوات من الملاحقة والتحقيق أصبحت لبنى واحدة من أهم الشخصيات في جهاز التحقيق، ولم تعد تتعامل مع القضايا كمن يبحث عن مجرم واحد فقط، بل أصبحت ترى الصورة الكاملة؛ المال الذي يقود الجريمة، والخوف الذي يحميها، والسر الذي يجعل الضحية تصمت، والأشخاص الذين يعتقدون أن النفوذ يستطيع شراء الحقيقة. كان هذا التحول هو السبب الحقيقي وراء ترقيتها واستمرار ثقة القيادة بها، فقد أصبحت الآن نائب رئيس المحققين، والمسؤولة عن تدريب فرق جديدة واتخاذ قرارات يمكن أن تغير حياة عائلات كاملة.في أحد الأيام دخل رائد مكتبها وقال: «عندنا ملف جديد، ومحتاجينك تشوفيه بنفسك.»رفعت لبنى رأسها وقالت: «إيه اللي فيه؟»«جريمة سرقة مرتبطة بشركة كبيرة، بس في تفصيلة غريبة.»«فين الغرابة؟»«المكان قريب من المخزن الأسود.»توقفت للحظة، ثم أخذت الملف وقالت: «هنروح.»لم يكن في القضية قاتل متسلسل، ولا بطاقة موت، ولا قناع، بل كانت عملية سرقة مدبرة بعناية، وتمكنت لبنى من حلها خلال أيام، وعندما انتهت عادت إلى سيارتها ووجدت الطريق المؤدي إلى المخزن القديم قريبًا منها، فتوقفت للحظات أمام المبنى الذي كان يمثل بداية كل شيء.نزلت من السيا
بعد انتهاء قضية لوسيفر الأسود، كانت لبنى تعتقد أن حياتها ستعود إلى الهدوء الذي حلمت به، لكنها اكتشفت أن القضايا لا تتوقف، وأن نجاح المحقق يجعل الناس يرمون على مكتبه المزيد من الملفات، ومع ذلك كانت هذه المرة مختلفة؛ لأنها لم تعد تعمل كالمحققة الوحيدة التي تتحمل كل شيء، بل أصبحت جزءًا من قيادة القسم.جاءها قابيل صباحًا وقال: «اللجنة وافقت.»سألته: «على إيه؟»قال: «ترقيتك.»سكتت.«هتبقي نائب رئيس المحققين.»ابتسمت لبنى ابتسامة صغيرة.«كنت فاكرة إن ده آخر حاجة أفكر فيها.»«يمكن الحياة بتدينا حاجات بعد ما تخلينا ندفع تمنها.»قبلت المنصب، وأصبح مكتبها أكبر، ومسؤوليتها أثقل، ولم تعد مهمتها حل القضايا فقط، بل إدارة فرق كاملة، وتقييم المخاطر، وتوجيه المحققين الشباب، واتخاذ قرارات تؤثر في حياة أشخاص لا تعرفهم.في أول أسبوع جاءها محقق شاب وقال: «مدام لبنى، أنا محتاج رأيك في ملف.»نظرت إليه وقالت: «هات.»كان ملف سرقة وشكوك داخل مؤسسة مالية، وليس فيه أي شيء من رعب باجوميت أو لوسيفر، لكنها قرأته بالكامل، ثم قالت له: «أنت بتدور على السارق، بينما الملف بيدور على سبب السرقة، افتح الخط ده.»قال: «حاضر.
أثبتت السجلات أن مروان كان أحد الأشخاص الذين يعملون في محيط الشبكة القديمة، لكنه لم يكن عضوًا رسميًا، بل كان يشارك في نقل الأموال والملفات، وكان قد اختفى بعد سقوط مجموعة المقلدين مباشرة، ومع ذلك وجدت لبنى صورة له في ملف يخص حادثة المخزن الأسود الأولى، وكان يقف في الخلف، بعيدًا عن الجميع، ينظر إلى الكاميرا وكأنه يعرف أنه سيُرى في يوم من الأيام.ذهبت لبنى إلى المنزل القديم لعائلته، ووجدت أخته تعيش وحدها، وعندما سألتها عن مروان قالت لها إنه مات منذ سبع سنوات في حادث سير، لكن لبنى طلبت صورته، وعندما شاهدتها عرفت أن الرجل لم يكن هو نفسه الذي ظهر في الصورة القديمة.قالت: «أخوكي كان عنده ندبة هنا؟»أجابت المرأة: «لا.»قالت لبنى: «إذن الرجل اللي مات مش مروان.»أدركت أن هناك شخصًا تعمد صناعة وفاة مزيفة.عاد فريقها إلى السجلات، وبعد ساعات وجدوا أن شهادة الوفاة ظهرت من نفس الإدارة التي اختفى منها عدد من الملفات في قضية قديمة، وكان اسم الموظف المسؤول قريبًا من ملف لوسيفر.لكن قبل أن يصلوا إلى الحقيقة وصلهم بلاغ بجريمة جديدة، وكانت هذه المرة مختلفة؛ الضحية لم تكن من الشبكة، بل رجل عادي يعمل في ورش
وصلت لبنى إلى المخزن الأسود قبل منتصف الليل بقليل، وكانت السماء تغطيها سحب كثيفة، والهواء في الخارج يحمل رائحة الرطوبة، بينما بدا المبنى كما لو أنه لم يتحرك منذ السنوات الأولى للقضية، فقد بقيت بعض السلاسل معلقة في السقف، وظلت الجدران تحمل آثار الرصاص، وفي أحد الأركان كانت هناك العلامة القديمة التي جعلتها تتذكر أول ليلة رأت فيها باجوميت.دخلت ببطء وسلاحها في يدها، ونظرت إلى كل زاوية قبل أن تتقدم، لكن الهدوء كان كاملًا بطريقة غير طبيعية.قالت بصوت مرتفع: «أنا جيت، طلع.»جاءها صوت خشن: «كنت أعرف أنك ستأتين.»ظهر المقنع خلفها فجأة وضرب يدها، فسقط السلاح بعيدًا، ثم اندفع نحوها قبل أن تستعيد توازنها، وكانت المواجهة الأولى سريعة وعنيفة، إلا أن الرجل كان مدربًا بصورة واضحة، وكان يعرف نقاط ضعفها، ويهاجمها بطريقة تجعلها تتراجع باستمرار.صرخت: «أين نور وأنجي؟!»أجاب: «لا تهتمي بهما الآن، أنتِ وقعتِ في مصيدتي.»قالت: «من أنت؟ مقلد آخر؟»ضحك وقال: «أنا لست مقلدًا لأحد، أنا فريد من نوعي، وستدركين الآن أنكِ أصبحتِ داخل عالمي.»حاولت لبنى الهجوم مرة أخرى، لكن الرجل صد ضرباتها ودفعها إلى الأرض، ثم جره
مرت شهور طويلة منذ سقط آخر رجال عصابة المقلدين، ومنذ ظنت لبنى أن اسم باجوميت أصبح مجرد حكاية سوداء تنتمي إلى ماضٍ أُغلق أخيرًا، ومع ذلك لم تستطع أن تتخلص من الإحساس بأن بعض العيون ما زالت تراقبها، وأن كل خطوة تقوم بها في الشارع قد تكون محسوبة عليها من شخص لا يظهر في الصورة. كانت قد عادت إلى عملها بصورة هادئة، وكانت تستقبل القضايا اليومية، تراجع التقارير، تحضر الاجتماعات، وتغادر في المساء إلى شقتها حيث تحاول أن تعيش حياة طبيعية، لكن هاتفها ظل يزعجها من وقت إلى آخر برسائل مجهولة لا تحتوي إلا على صور بعيدة لها أمام مبنى التحقيقات أو وهي تخرج من متجر أو تجلس داخل سيارتها، وكان صاحب الرسائل يعرف متى تكون وحدها ومتى تكون مع فريقها، وكأنه لا يراقبها فقط، بل يدرسها.في صباح بارد دخلت لبنى مكتبها، وضعت الملفات على الطاولة، ثم أخرجت هاتفها لتكتشف رسالة جديدة تقول: «أنتِ أغلقتِ باب باجوميت، لكنكِ نسيتِ أن هناك من يملك المفتاح». بقيت تنظر إلى الشاشة طويلًا، ثم أغلقت الهاتف وقالت في داخلها إنها لن تسمح مرة أخرى لشخص مجهول بأن يحدد لها طريقة حياتها، وبعد دقائق دخل يوسف يحمل ملفات جديدة، وقال لها إن
في الجريمة الجديدة وجدوا رجلًا مقتولًا، لكن لا بطاقة هذه المرة، فقط قطعة معدنية على الأرض تشبه المفتاح الذي وجدته لبنى قديمًا، وعلى الجدار جملة: "لن تعرفي المالك حتى تعرفي البداية." كانت الجملة موجهة إليها بوضوح، ومع ذلك رفضت أن تتسرع، وطلبت من ريم تحليل الحبر ومن رائد مراجعة كاميرات المنطقة. ظهر رجل في التسجيلات يدخل المنطقة قبل الجريمة ويخرج بعدها بدقائق، لكنه لم يكن عاصم ولا هانور ولا أي شخص معروف. كانت ملامحه غير واضحة، لكن إحدى الكاميرات أظهرت أنه كان يحمل ملفًا أسود. قالت لبنى إن هذا ليس تقليدًا لباجوميت، بل شيء جديد يستخدم أثره فقط لجذب انتباهها. وفي نهاية اليوم وصلت رسالة: "أنتِ أصبحتِ نائبًا للرئيس، وأنا أصبحت شيئًا آخر." لم تفهم الجملة، لكنها أدركت أن الشخص الجديد يريد بناء علاقة خاصة معها مثل آدم، ولذلك قررت ألا تمنحه ذلك. قالت للفريق إنهم سيتعاملون مع القضية كأي قضية أخرى، بلا أسطورة وبلا خوف وبلا إعجاب بالقاتل، ثم أغلقت ملف باجوميت وأخرجت ملف الجريمة الجديدة. كانت هذه أول مرة تفعل ذلك دون أن تشعر أن أحدًا يسحبها إلى الماضيفي ليلة متأخرة، عادت لبنى إلى دفتر هارون للمرة ال