تسجيل الدخوللم يصلوا إلى مسرح الجريمة الثامنة حتى كانت سيارات الشرطة قد أغلقت الشوارع المحيطة.
كان الضحية رجلًا في أواخر الخمسينيات.
رئيس حسابات سابق لشركة كبيرة.
اسمه:
حسن مراد.
وجدوه داخل سيارته.
الأبواب مغلقة.
النوافذ مغلقة.
ولا يوجد شخص آخر في السيارة.
اقتربت لبنى.
قال أحد الضباط:
“ما فيش أي آثار اقتحام.”
قال يوسف:
“يبقى كان يعرف القاتل.”
قالت لبنى:
“أو القاتل يعرف كيف يدخل.”
فتحت باب السيارة.
نظرت إلى المقعد.
ثم المرآة.
ثم الساعة.
وجدت الساعة متوقفة عند:
02:17
قالت:
“صوّر الساعة.”
يوسف أخرج هاتفه.
سأل:
“ليه؟”
“الرقم مش عشوائي.”
نظر إليها.
“17.”
“أيوه.”
ثم وجدت ورقة صغيرة بجوار يد الضحية.
مكتوب عليها:
04
وتحتها:
09
قال يوسف:
“17، 4، 9.”
لبنى رفعت رأسها.
نظرت إلى الرقم.
ثم همست:
“نفس ورقة أبي.”
اقترب الضابط.
“يعني إيه؟”
قالت:
“هذه الجريمة ليست فقط عن حسن.”
أشارت إلى الورقة.
“هي رسالة.”
كانت هناك كاميرا مراقبة في الشارع المقابل.
طلبت لبنى التسجيل.
شاهدا الساعات الأخيرة.
سيارات كثيرة.
مارة.
ثم سيارة سوداء.
توقفت أمام المبنى.
نزل منها رجل.
وجهه لم يظهر.
دخل.
بعد سبع دقائق خرج.
قال يوسف:
“هو.”
لبنى هزت رأسها.
“لا.”
“ليه؟”
“شوف مشيته.”
“مالها؟”
“الرجل في الصورة أعرج قليلًا.”
أعاد يوسف المقطع.
ثم قال:
“صحيح.”
“لكن آثار موقع الجريمة لا تشير إلى أن القاتل كان يعرج.”
“يعني؟”
“يعني الشخص في التسجيل كان يريدنا أن نظنه القاتل.”
يوسف تنفس ببطء.
“إذن كم شخصًا يلعب اللعبة؟”
لبنى قالت:
“لا أعرف.”
ثم نظرت إلى السيارة السوداء.
لوحة الأرقام كانت واضحة.
طلبت البحث عنها.
بعد دقائق جاء الرد:
السيارة مسجلة باسم…
مؤسسة النور للتجارة.
قال يوسف:
“راجو.”
لبنى لم تجبه.
لكن في داخلها بدأت قطعة جديدة تتصل باللغز.
راجو.
باسم.
سامر.
والدها.
والبطاقات.
وصلت لبنى إلى راجو بعد ساعات.
كان في غرفة واسعة تحيط بها مجموعة من رجاله.
قال:
“كنت عارف إنك هتيجي.”
“السيارة.”
“أي سيارة؟”
أعطته صورة.
تغير وجهه.
“دي مش بتاعتي.”
“مسجلة باسم شركتك.”
“الشركات عندي كتير.”
“وأنت تعرف القتيل.”
“معرفوش.”
“كذاب.”
ضحك.
“إنتِ عايزة تتخانقي؟”
اقتربت منه.
“أنا جاية أسأل.”
“وأنا جاوبت.”
وضعت صورة الضحية أمامه.
“ده كان بيشتغل معك.”
راجو لم يرد.
“كان بيغسل لك أموال؟”
ظل صامتًا.
ثم قال:
“كان بيشتغل مع ناس أكبر مني.”
“مين؟”
“مش عارف.”
لبنى حدقت في عينيه.
“أنت خايف.”
ضحك.
“من مين؟”
قالت:
“من باجوميت؟”
اختفت ابتسامته.
ساد الصمت.
ثم قال:
“أخرجوا.”
غادر رجاله.
نظر إليها.
“أنتِ مش فاهمة حاجة.”
“فهمني.”
قال:
“الرجل اللي بتدوري عليه مش بيقتل اللي يكرهه.”
“إذن؟”
“يقتل اللي يفتكره.”
“إيه الفرق؟”
قال راجو:
“إن الكراهية تنتهي.”
ثم اقترب منها.
“لكن الذكرى ما بتموتش.”
خرجت لبنى من المكان.
لكن قبل أن تصل إلى سيارتها…
وجدت ظرفًا تحت الزجاج الأمامي.
فتحته.
كان فيه صورة قديمة.
والدها يقف أمام مبنى.
وبجواره رجل.
لم تستطع رؤية وجهه بالكامل.
لكنها عرفته.
باسم.
رفعت عينيها.
ثم نظرت إلى صورة والدها.
همست:
“مستحيل.”
كانت الصورة هي الدليل الوحيد الذي جعل لبنى تفقد هدوءها.
لم تكن مجرد صورة.
كانت دليلًا على أن باسم كان يعرف والدها منذ خمسة عشر عامًا.
لكن كيف؟
كان باسم يبدو في أواخر العشرينيات.
وفي الصورة…
كان أصغر بكثير.
ربما سبعة عشر عامًا.
أو ثمانية عشر.
عادت إلى الإدارة.
وضعت الصورة أمام يوسف.
قال:
“ده باسم.”
“أيوه.”
“مستحيل.”
“أنا عارفة.”
“لازم نواجهه.”
“مش دلوقتي.”
“ليه؟”
“لأن اللي بعتلي الصورة عايزني أواجهه.”
يوسف سكت.
قالت:
“أنا مش هتحرك بالشكل اللي هو يريده.”
في تلك اللحظة جاء اتصال من كامل.
“لبنى.”
“نعم؟”
“تعالي.”
ذهبت إليه.
وجدته يحمل ملفًا.
قال:
“لقيت شيئًا عن حسن مراد.”
“ماذا؟”
“كان أحد أعضاء الشبكة.”
“شبكة كارت الموت؟”
أومأ.
“لكن المفاجأة…”
فتح الملف.
كانت هناك ورقة.
اسم واحد:
سامر.
“حسن كان يتواصل معه.”
لبنى قالت:
“إذن سامر حي.”
كامل لم يجب.
قالت:
“أنا عايزة أعرف الحقيقة.”
قال:
“يمكنك معرفة الحقيقة.”
“إذن؟”
أخرج صورة.
صورة لشاب.
“هذا سامر.”
لبنى نظرت إليها.
ثم تجمدت.
الرجل في الصورة لم يكن باسم.
ولا الرجل الذي رأته في الصورة مع والدها.
بل شخص آخر.
شعر أسود.
عينان حادتان.
وعمر يقارب الثلاثين.
قالت:
“مين ده؟”
“سامر.”
قال يوسف:
“إذن باسم مين؟”
كامل لم يجب.
لكن لبنى فهمت.
هناك شيء خاطئ تمامًا.
في تلك الليلة، عادت إلى المنزل.
وجدت أنجي في غرفتها.
قالت:
“أختي.”
“نعم؟”
“عايزة أسألك سؤال.”
“اسألي.”
“فاكرة حادث ماما وبابا؟”
أنجي سكتت.
“أيوه.”
“فاكرة أي حاجة من اليوم ده؟”
فكرت.
“كنت صغيرة.”
“لكن حاولِي.”
قالت أنجي:
“فاكرة مطر.”
“مطر؟”
“أيوه.”
“وبعدين؟”
“العربية.”
“مين كان بيسوق؟”
صمتت أنجي.
ثم قالت:
“بابا.”
لبنى شعرت بشيء يضغط على صدرها.
“وبعدها؟”
قالت أنجي:
“في عربية تانية.”
“لونها؟”
“سوداء.”
“شفتي حد؟”
أنجي وضعت يدها على رأسها.
“فاكرة شخص واقف جنب العربية.”
“رجل؟”
“أيوه.”
“شكله؟”
أغلقت أنجي عينيها.
ثم قالت:
“كان صغير.”
“صغير إزاي؟”
“شاب.”
“فاكرة وجهه؟”
هزت رأسها.
“كان…”
ترددت.
“لابس أسود.”
سكتت.
ثم قالت:
“وكان ماسك حاجة.”
“إيه؟”
قالت أنجي:
“بطاقة.”
لبنى لم تتنفس.
“بطاقة سوداء.”
وجدت لبنى عنوانًا قديمًا.مبنى مهجور.دخلته مع يوسف.وجدت غرفة فيها ألعاب أطفال قديمة.على الحائط رسومات.واحدة منها تحمل ثلاثة أسماء:**آدم****ياسر****لبنى**قال يوسف:"لبنى..."قالت:"هو كان يعرفني."ثم وجدت ورقة:**"من بين الثلاثة، واحد فقط سيتذكر."**وفجأة اشتغل التسجيل.صوت طفل."أنا ياسر."ثم صوت آخر.آدم."لو سمعتي ده، متخافيش."ثم ضحكة طفولية."إحنا هنرجع."انقطع التسجيل.بقيت لبنى واقفة.قال يوسف:"مين سجل ده؟"قالت:"أبي."---فجأة سمعا خطوات.أحدهما يقترب.أمسكت لبنى سلاحها.ظهر رجل.لم يكن قاتلًا.كان رجلًا عجوزًا.قال:"كنت أعرف إنك هتيجي.""مين أنت؟""كنت أعمل مع والدك.""اسمك؟""حسن.""فين ياسر؟"الرجل تردد.ثم قال:"مات.""أين؟""في نفس المكان الذي مات فيه والدك."لبنى صمتت.قال:"لكن ياسر لم يكن هو الضحية.""أمال مين؟"قال:"الرجل الذي كان معه.""آدم؟"هز رأسه."لا."ثم قال:"سامح."لبنى تذكرت الاسم القديم."سامح؟"قال:"هو الذي بدأ كل شيء."ظهر القاتل الجديد ليلًا.قتل ضحية جديدة.لكن هذه المرة...ترك بطاقة مكتوبًا عليها:**BAJOMIT**لبنى وصلت إلى المكان.نظرت إلى
لبنى قالت:"إنت ليه بتساعدني؟"باجوميت قال:"لأنك أختي.""بعد كل اللي حصل؟""أنتِ ما كنتيش جزء من كل اللي حصل.""لكن أنت كنت."خفض عينيه."عارف.""قتلت ناس.""عارف.""وأنا قضيت شهور بدور عليك.""عارف."صرخت:"إذن لماذا لم ترجع؟!"صمت طويل.ثم قال:"لأنني كنت أخاف أن تراني كما أرى نفسي."توقفت.كان أول مرة يتحدث بهذه الصراحة.قال:"أنا مش خايف من الشرطة."ثم أضاف:"أنا خايف منك."نظرت إليه."ليه؟""لأنك آخر شخص في الدنيا ما زال يراني كآدم."جلست على الأرض.لم تستطع الرد.بعد لحظات قال:"لكن لازم ترجعي."رفعت رأسها."ليه؟""لأنهم جايين لكِ.""مين؟""كلهم."---فجأة انطفأت الأنوار.صوت رصاصة.اصطدمت بالجدار.باجوميت جذب لبنى إلى الأرض.رصاصة ثانية.ثم ثالثة.قال:"خليكِ هنا.""ومين يضرب؟""الشخص الذي كنت أبحث عنه."خرج من الظلام.بدأت مطاردة عنيفة داخل المبنى.لبنى سحبت سلاحها.تبعت آدم.رجل ملثم ظهر في آخر الممر.أطلق النار.باجوميت رد.اختفى الرجل.لكن ترك خلفه بطاقة.**43**قالت لبنى:"هو كان يريدنا نلاقيها."آدم قال:"لا."ثم قلب البطاقة.في الخلف صورة.صورة لبنى وأخيها وهما طفلان.ق
في الليل، جلست لبنى في منزلها.لم تخبر أنجي بكل التفاصيل.قالت لها فقط:"اقفلي الباب.""ليه؟""احتياطي."أنجي نظرت إليها."رجع؟"لبنى صمتت."باجوميت؟"قالت:"مش متأكدة.""بس أنتِ عايزة تصدقي إنه هو."لبنى نظرت إليها."يمكن."أنجي اقتربت منها."أنتِ لسه بتحبيه كأخ.""هو أخويا.""رغم كل اللي عمله؟"سكتت.ثم قالت:"أنا مش هنسى اللي عمله.""لكن؟""مش عارفة."جلست أنجي بجوارها.قالت:"يمكن هو كمان مش عارف يعيش."لم تجب لبنى.رن الهاتف.فتحت.رسالة:**"أنتِ تبحثين عن الشخص الخطأ."**بعدها صورة.لبنى في مكتبها.ثم صورة أخرى.لبنى في منزلها.ثم ثالثة.لبنى وهي نائمة.اتسعت عيناها.قالت أنجي:"إيه؟"أغلقت لبنى الهاتف."ولا حاجة."لكنها لم تكن بخير.لأن الصور الثلاث كانت حديثة جدًا.يعني أن الشخص الذي التقطها...كان قريبًا.قريبًا جدًا.---ذهبت لبنى إلى غرفة النوم.فتشت النافذة.ثم الباب.ثم الشرفة.لا شيء.لكن عندما عادت إلى الصالة...وجدت أنجي واقفة أمام الطاولة.تمسك شيئًا.قالت:"لبنى..."اقتربت.كانت بطاقة سوداء.مكتوب عليها:**A**"لقيتها هنا."لبنى أخذتها.كانت البطاقة باردة.وعليها جمل
مرّت ثلاثة أسابيع منذ اليوم الذي أعلنت فيه الشرطة إغلاق ملف سفاح كارت الموت.ثلاثة أسابيع فقط.لكن بالنسبة إلى لبنى، كان الزمن قد فقد معناه.كل شيء في المدينة بدا طبيعيًا من الخارج.المحال فتحت أبوابها.السيارات عادت إلى الشوارع.الناس توقفوا عن الحديث عن الجثث.الصحف وجدت قضايا جديدة تشغل عناوينها.حتى اسم باجوميت بدأ يختفي شيئًا فشيئًا.لكن لبنى لم تستطع أن تنساه.كلما أغمضت عينيها كانت ترى البطاقات السوداء.أسماء الضحايا.صوت الرجل الذي كان يختبئ خلفها.والأهم...الجملة التي تركها في آخر مرة:**الموت ليس النهاية.**جلست لبنى في مكتبها وحدها.أمامها ملف مغلق.على الغلاف:**قضية كارت الموت — مغلقة.**وضعت يدها فوقه.ثم سحبتها.لم تعد تريد التفكير.أرادت لحياتها أن تعود.حاولت.لكن هاتفها اهتز.رسالة من رقم مجهول.فتحتها.لم تكن هناك كلمات.فقط صورة.صورة لشارع مظلم.وفي منتصفه سيارة سوداء.أسفل الصورة وقت واحد:**03:17**تجمدت لبنى.هذا الرقم لم يكن عشوائيًا.كان من الأرقام التي ظهرت طوال القضية القديمة.فتحت الرسالة مرة أخرى.وصلت صورة ثانية.هذه المرة كانت لوجه رجل.رجل لا تعرفه.و
وصلوا إلى مبنى مهجور.كان سليم هناك.وراءه شاشة كبيرة تعرض صور الجميع.لبنى.أنجي.يوسف.كامل.باسم.حتى فؤاد.قال:"أهلًا بالبطلة."لبنى رفعت السلاح."انتهى كل شيء."ضحك."أنتِ لا تفهمين.""افهمني.""أبوكِ حاول أن يكون بطلًا.""وكان.""فشل.""لكنني لم أفشل."قال:"ستفشلين."باجوميت ظهر.سليم نظر إليه."جئت لتنتقم؟"قال:"لا.""إذن لماذا؟""لأنني أريد أن أنهي ما بدأته."رفع سليم سلاحه.وانطلقت المواجهة.تحولت الغرفة إلى فوضى.رجال سليم ظهروا من كل جانب.اشتد الاشتباك.يوسف يقاتل للدفاع عن لبنى.كامل يقود القوة.منال تحاول إخراج أنجي من مكان آمن.باسم يواجه رجال الشبكة.أما لبنى...فكانت تبحث عن سليم.وجدته في الغرفة الأخيرة.قال:"كنت أنتظرك."قالت:"أنت قتلت والدي.""لا.""كذبت.""أنا لم أقتله."توقفت."مين؟"سليم ابتسم.ثم قال:"أبوك مات بسبب فؤاد."تجمدت."فؤاد؟""فؤاد هو الذي قاد السيارة الأخرى."لبنى شعرت أن عالمها ينهار."لكن لماذا؟""لأنه خاف.""من ماذا؟"قال:"من أبيك."واجهت لبنى فؤاد بعد القبض عليه.قالت:"أنت قتلت أبي."بكى."أنا لم أقصد.""لكن فعلت.""كان الحادث سيحدث على
انتشرت الشائعة.**الشرطة وجدت الملف النهائي للقضية 1749.**في السجلات...وضعت لبنى ملفًا مزيفًا.ثم اختبأت مع يوسف.منتصف الليل.فتح الباب.رجل دخل.لم يكن باسم.كان فؤاد.تبعه شخص آخر.سليم.أدركت لبنى الحقيقة.فؤاد لم يكن العقل الأكبر.بل سليم.قال سليم:"لماذا أبقيت الملف؟"فؤاد قال:"كنت أحتاجه."قال سليم:"والفتاة؟"فؤاد:"لبنى."سليم ابتسم."إذن هي هنا."خرجت لبنى من الظلام."أيوه."أدار الاثنان وجهيهما.رفعت السلاح."انتهت اللعبة."سليم ضحك."لا."ثم أغلق باب الغرفة.اشتعلت النيران في جزء من الأرشيف.دخان.صراخ.فوضى.حاول يوسف إخماد النار.لبنى ركضت خلف سليم.كان يحمل ملفًا.أمسكت بذراعه.تشاجرا.سقط الملف.ثم دخل باجوميت.ألقى نظرة على سليم.قال:"أنت."سليم ابتسم."أخيرًا."باجوميت قال:"أنت قتلت أختي.""لا.""أنت أعطيت الأمر.""وهذا الفرق."انقض عليه.لكن لبنى صرخت:"توقف!"توقف.سليم استغل اللحظة وهرب.فؤاد سقط وسط الدخان.ألقت الشرطة القبض عليه.لكن سليم اختفى.بعد القبض على فؤاد، كانت لبنى متأكدة أن باسم سيهرب.وبالفعل...اختفى.لم يجدوا منزله.ولا أوراقه.ولا عنوانًا حق







