Share

كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره
كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره
Author: التاسع

الفصل 1

Author: التاسع
تعافى دياب السيوفي، وريث إحدى أبرز العائلات النافذة في العاصمة، أخيرًا بعد ثلاث سنوات من الشلل، فأقام له أصدقاؤه المقربون حفلًا احتفاليًا في ملهى خاص.

بينما وقفت مايا محمود عند مدخل الملهى، تحمل بين يديها هدية أعدّتها بعناية، وما إن همّت بدفع الباب حتى سمعت صوت دياب وهو يتحدث مع أصدقائه في الداخل.

"دياب، لا يمكن لأحد أن ينكر ما فعلته مايا من أجلك، فلولاها خلال هذه السنوات الثلاث، لما تعافيت بهذا الشكل."

"صحيح، فتاة بمفردها كانت تدلك جسدك كل يوم، وترافقك في جلسات إعادة التأهيل، ولم تكن تجرؤ حتى على النوم بعمق، خوفًا من أن تنهار نفسيًا في منتصف الليل... هذا الجميل يجب أن تظل تتذكره طوال حياتك."

"إنها حقًا إنسانة رائعة." قال دياب بصوت هادئ وعميق.

ارتجفت أطراف أصابع مايا قليلًا، وشعرت بدفء يغمرها.

لكن في اللحظة التالية، سمعت أحدهم يسأل: "إذًا متى تنوي الزواج منها؟"

ساد الصمت في أرجاء الغرفة الخاصة بصورة مخيفة.

تجمدت يد مايا في الهواء، وتسارع نبض قلبها دون وعي. حبست أنفاسها، وكأنها تنتظر صدور حكم نهائي.

وبعد صمتٍ طويل، قال دياب بهدوء: "أنا أعتبرها أختي الصغيرة."

"أختك الصغيرة؟!" ارتفعت أصوات أصدقائه بدهشة: "لقد رافقتك ثلاث سنوات كاملة، وفي النهاية لا تراها إلا كأختٍ صغيرة؟ دياب، لا تقل إنك ما زلت تفكر في منار جاد! عندما تعرضت للحادث، لم تكلف نفسها حتى عناء السؤال عنك، بل هربت فورًا. والآن بعدما تعافيت عادت من جديد. حتى لو أحببت فتاةً أخرى، فلا ينبغي أن تكون هي!"

لم يقل دياب شيئًا.

وقفت مايا خارج الباب، وكأن يدًا تعتصر قلبها بقوة.

فالصمت بحد ذاته كان أبلغ جواب.

كانت تظن أنها ستفوز بقلبه بعد ثلاث سنوات من مرافقته ليلًا ونهارًا، لكنها أدركت أن قلبه لم يسكنه سوى تلك التي تخلت عنه يومًا.

قبل ثلاث سنوات، كان دياب لا يزال ذلك الشاب المدلل الذي يعيش في عالمه الخاص.

تخرج من جامعة مرموقة، وكان وريثًا لإمبراطورية عائلته، يتقن التزلج وركوب الخيل، وحتى ملامحه بدت وكأنها تحفة فنية نحتتها يد الخالق بعناية.

أما مايا، فلم تكن سوى طالبة فقيرة تتكفل عائلة السيوفي بمصاريف دراستها.

رأته للمرة الأولى في حفل تكريم داخل الجامعة.

كان واقفًا على منصة التتويج بملامح باردة، وقامته منتصبة كشجرة أرز شامخة.

أما هي، فكانت تجلس في الصف الأخير، تشد بيديها ظرف المنحة الدراسية، ولم تجرؤ حتى على التصفيق بقوة.

في ذلك الوقت، كانت تقف إلى جانبه منار، الحسناء الأشهر في الجامعة، من عائلة ثرية مماثلة وذات جمال آسر.

وكان الجميع يقول إنهما يبدوان كالأمير والأميرة في القصص الخيالية.

إلى أن وقع حادث السيارة.

أُصيب دياب بإصابة في العمود الفقري، وأعلن الأطباء أنه قد لا يتمكن من الوقوف على قدميه طوال حياته.

لم تدخل منار حتى غرفة المستشفى؛ بل أرسلت رسالة نصية تنهي علاقتهما واختفت دون أثر.

ذلك الابن الأكبر لعائلة السيوفي، الذي كان محط أنظار الجميع، سقط بين ليلة وضحاها إلى قاع اليأس.

أصبح عصبيًا، كئيبًا، بل وحاول الانتحار.

كان والداه يغرقان في الدموع كل يوم، لكنهما لم يجدا أي حل.

حينها، كانت مايا هي من تقدمت.

جثت أمام كرسيه المتحرك وقالت برقة: "دياب، كل شيء سيتحسن. وأنا سأبقى إلى جانبك."

وخلال السنوات الثلاث التالية، تعلمت شتى أساليب التدليك، ولم تكن تنام سوى ساعتين في اليوم، خوفًا من أن تساوره أفكار يائسة في منتصف الليل.

وحين فقد أعصابه ذات مرة وضرب ساقيه بكرسي، وقفت أمامه دون تردد، وتلقت الضربة بدلًا منه.

رافقته عامًا بعد عام، حتى أصبحت أهم شخص في حياته.

وكان الجميع يقول إن دياب لا يستطيع النوم إلا إذا رأى مايا.

والآن، بعد أن تعافى، ظن الجميع أنه سيتزوجها.

حتى مايا نفسها حلمت بذلك.

لكن الآن، كيف لها ألا تفهم ما يقصده؟

لقد تعافى، وعادت منار، أما هي تلك "الأخت الصغيرة"، فقد حان وقت انسحابها من المشهد.

أخذت نفسًا عميقًا ثم دفعت الباب ودخلت.

توقفت الضحكات والأحاديث في الغرفة الخاصة فجأة، والتفت الجميع إليها، بينما ارتسم الارتباك على وجوه أصدقائه.

"مايا؟ أنتِ... متى وصلتِ؟" سألها أحدهم بتردد.

"لقد وصلت للتو." ابتسمت مايا وكأنها لم تسمع شيئًا، ثم قدمت الهدية إلى دياب وقالت: "تهانينا على تعافيك."

وما إن هم دياب بأخذها، حتى فُتح الباب مرة أخرى ——

وقفت منار عند الباب وعيناها محمرتان، وقالت: "دياب، سمعت أنك تعافيت، فجئت لأهنئك."

وتجمدت أجواء الغرفة في لحظة.

"ما الذي جاء بكِ؟" قال أصدقاء دياب بوجوه متجهمة: "عندما تعرض دياب للحادث، كنتِ أول من هرب، والآن لا يزال لديكِ الجرأة على العودة؟"

احمرّ وجه منار خجلًا، وزادت حمرة عينيها، ثم دفعت الهدية في يد دياب واستدارت لتغادر مسرعة.

لكن دياب أمسك بمعصمها فجأة قائلًا: "بما أنكِ أتيتِ، فابقي."

تجمد الجميع في أماكنهم، والتفتوا في الوقت نفسه نحو مايا.

وقفت مايا هناك، ولم تتغير ابتسامتها قيد أنملة، بينما كانت أظافرها تنغرس بعمق في راحة يدها.

اتضح أن مرافقته لثلاث سنوات، لم تستطع في النهاية أن تتغلب على دمعة واحدة من منار.

أما بقية الحفل، فقد خيم عليه جو غريب خانق.

تعمد أصدقاء دياب تجاهل منار، وأخذوا يمازحون مايا ودياب بلا توقف.

"مايا، عندما كان دياب يخضع لإعادة التأهيل، هل كنتِ تدلكينه يوميًا؟"

"بالتأكيد! أسلوبها احترافي للغاية. ودياب لم يكن يقبل إلا أن تعالجه هي، أما إذا لمسه غيرها فكان يفقد أعصابه."

أطرقت مايا برأسها، متظاهرة بأنها لم ترَ نظرات الحقد والغيرة التي كانت منار ترمقها بها.

وعلى الرغم من أن دياب التزم الصمت ظاهريًا، إلا أنها شعرت بأن انتباهه منصب بالكامل على منار.

وفي منتصف السهرة، اقترح أحدهم لعبة، وكانت منار أول من خسر، وكانت عقوبتها أن تطلب رقم أحد الرجال.

فنظرت إليه غريزيًا، وفي عينيها استغاثة صامتة.

لكن دياب خفض رأسه وانشغل بهاتفه، متظاهرًا بأنه لم يلحظ شيئًا.

عضّت منار شفتيها، ثم نهضت بعناد وقالت: "حسنًا، سأذهب."

راقبتها مايا وهي تتجه إلى الطاولة المجاورة، وسرعان ما أحاط بها عدة رجال.

أمسك أحدهم، وكان ثملًا، بمعصمها وقال: "يا جميلة، يمكنني أن أعطيكِ رقمي، لكن هل تسمحين لي بلمسكِ أيضًا؟"

صرخت منار فجأة: "اتركني!"

رفع دياب رأسه فجأة، وفي اللحظة التالية كان يندفع نحو الرجل، ويوجه له لكمة في وجهه قائلًا: "أتبحث عن الموت؟"

وفي لحظة، عمّت الفوضى في المكان.

"دياب! توقف عن القتال!" أسرع أصدقاؤه للفصل بينهما.

وخوفًا على جسده الذي تعافى للتو، اندفعت مايا هي الأخرى لتوقفه: "دياب، لا..."

لكن قبل أن تكمل كلامها، دفعها دياب بيده وهو يصيح: "ابتعدي!"

"بانغ ——"

لم تكن مايا مستعدة لذلك، فانزلقت قدماها، وتدحرج جسدها كله على الدرج، وارتطمت مؤخرة رأسها بالأرض بقوة.

أظلمت الدنيا أمام عينيها، وسال الدم الدافئ من جانب جبينها، حتى صبغ رؤيتها باللون الأحمر.

نهضت بصعوبة بالغة، لكنها لم ترَ سوى ظهر دياب وهو يحمل منار ويرحل.

بل إنه لم يلتفت إليها ولو لمرة واحدة.

شعرت وكأن قلبها قد تمزق، وكاد الألم يخنقها.

وفجأة، عادت بها الذاكرة إلى الماضي ——

في ذلك الوقت، حين كان مشلول الساقين، وأراد ضربهما بالكرسي يائسًا، اندفعت لتمنعه، لكن ضربته الجامحة كسرت ثلاثة من أضلاعها.

فصرخ بعينين محمرتين: "لقد أصبحت ساقاي عديمتي الفائدة! لا يهم إن كسرتهما! هل تريدين أن تموتي؟ ألا تدركين ما هو المهم؟!"

ورغم أن الألم أغرقها بالعرق البارد، أصرّت على احتضان ساقيه وهمست: "بلى، أدرك جيدًا."

"ولأن ساقيك مهمتان بالنسبة لي، كان عليّ أن أمنعك."

"لأنني سأجعلك تقف على قدميك من جديد يومًا ما."

في تلك اللحظة، ارتجف دياب المعروف بكبريائه، وهو يضمها إلى صدره، واختنق صوته بالعاطفة: "مايا، لا تتركيني..."

كان الجميع يقول إن عودة دياب إلى الوقوف مجددًا معجزة.

لكنهما وحدهما كانا يعلمان أنه لم تكن هناك أي معجزة.

كل ما في الأمر أنها خاطرت بكل شيء، وانتشلته من هاوية اليأس خطوةً بعد أخرى.

والآن...

لقد خرج من تلك الهاوية، لكنه لم يعد بحاجة إليها.

وفي تلك اللحظة، رنّ هاتف مايا فجأة.

أخرجت هاتفها بيد مرتجفة، وكان اسم "السيدة ماجدة" على الشاشة يؤلم عينيها كالوخز.

كانت تعرف جيدًا معنى هذه المكالمة.

وكما توقعت، ما إن أجابت حتى جاءها صوت والدة دياب الهادئ والمتحفظ.

"مايا، دياب الآن رئيس تنفيذي لمجموعة مدرجة في البورصة، وزوجته لا يمكن أن تكون فتاة بلا مكانة اجتماعية أو خلفية عائلية، ولا تستطيع أن تقدم له أي دعم..."

"أنا ممتنة جدًا لرعايتكِ الدؤوبة له خلال السنوات الثلاث الماضية. لكن عليكِ أن تفهمي، لولا الدعم المالي من عائلة السيوفي، لما تمكنتِ حتى من دخول الجامعة. فلنعتبر أن هذه الديون والجميل قد سُددت بالكامل، حسنًا؟"

ساد صمت قصير على الطرف الآخر، وكأنها كانت تنتظر منها صراخًا غاضبًا أو توسلات مُذلة.

لكن مايا رفعت عينيها نحو الاتجاه الذي غادر منه دياب، وكان الممر الخالي يبدو وكأنه يسخر من حبها من طرف واحد والذي دام لثلاث سنوات.

"حسنًا." سمعت صوتها يخرج هادئًا إلى حد مخيف: "سأرحل، ولن أظهر أمامه مرة أخرى."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 23

    رحلت مايا دون تردد، كما توقع الجميع.حتى هاني والآخرون تنفسوا الصعداء عند رؤيتها تغادر.كانوا جميعًا يدركون أنه لو بقيت مايا فعلًا، لربما أصبحت كل أيامها القادمة شبيهة بهذا اليوم؛ مُجبرة على تقبل حب دياب، لكنها لن تنال السعادة الحقيقية أبدًا.لعل هذا هو معنى أن يجمع القدر بين شخصين دون أن يكتمل نصيبهما؛ لقد أحب كل منهما الآخر، لكن لسوء الحظ، لم يكونا متوافقين أبدًا.عندما كانت تحبه أكثر من أي وقت مضى، لم يكن يهتم إلا بكبريائه، حتى أنه فضل تركيز كل اهتمامه على من هجرته، بدلًا من أن يخصص أي اهتمام لمن كانت تستحقه حقًا وكانت إلى جواره طوال الوقت.لكن ما إن رحلت مايا، حتى اجتاحه الندم وأراد استعادتها، لكن لا أحد في هذا العالم ينتظر إلى الأبد.وبعد أسبوع، أُقيم حفل الزفاف كما هو مقرر.لم تدعُ مايا والديها، لذا حلّ والد وائل محل والدها في ذلك المشهد.تشبثت بذراع والد وائل، فيما انسدل ذيل فستانها المنفوش على الأرض، ومن بعيد بدت كأميرة حقيقية.ورغم أن عائلة خيري هي التي تستقبل كنتها، إلا أن والد وائل شعر وهو يسير بها نحو المنصة وكأنه يزف ابنته، فمسح دموعه وقال محذرًا وائل: "أيها الشقي، إن تجرأ

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 22

    "مايا، عيد ميلاد سعيد."أعادها صوت دياب من شرودها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة، وأطرقت تخفي كل ما في عينيها من مشاعر، ثم قالت بصوتٍ هادئ: "شكرًا لك."وبينما كانت غارقة في أفكارها، امتدت أمامها قطعة من الكعكة. رفعت رأسها، فرأت وجه دياب يفيض بالابتسام."مايا، لا داعي للشكر بيننا. هذه المرة كانت التحضيرات على عجل، لكن في العام المقبل، سأقيم لكِ بالتأكيد حفلة عيد ميلاد أجمل وأفخم، ما رأيكِ؟"لم تتكلم مايا، بل أخذت قضمة من الكعكة. كان قوام الكريمة الفاخرة ناعمًا للغاية وحلاوتها معتدلة، لكنها شعرت أنها بلا أي طعم.قبضت لا شعوريًا على سوار الجمشت الذي في يدها، فصدر عنه صوت خافت مع احتكاك حباته ببعضها.في الحقيقة، لم يعجبها أي من تلك الهدايا، فما كانت تتمناه حقًا هو أن تغادر هذا المكان وتعود إلى وائل. ليته كان هنا.لقد اشتاقت إليه وتساءلت إن كان قد اكتشف مكانها الآن، أم أنه لا يزال يبحث عنها بقلق.وعندما تعود إلى المنزل، ستبقى فيه مطيعة، وأينما ذهبت ستصطحبه معها دائمًا.ربما كان هذا أول عيد ميلاد تقضيه مايا دون أي ترقب منذ لقائها بوائل.وبعد أن انتهت من تناول الكعكة وعادت إلى غرفتها، وقع

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 21

    وبعد يومين، كان عيد ميلاد مايا.ألغى دياب جميع أعماله خصيصًا لهذه المناسبة، لكنه عندما بدأ يجهز كعكة عيد الميلاد، أدرك أنه لا يعرف عنها إلا القليل.حتى إنه لم يكن يعلم أي نكهة كعك تفضل، فلم يجد حلًا سوى شراء جميع النكهات والأنواع.وعند التفكير في الأمر، كان هذا أول عيد ميلاد يحتفل به معها بصورة حقيقية.فقبل إصابته بالشلل، كان ذلك الشاب المدلل الذي اعتاد التفوق لا يلتفت أصلًا إلى عيد ميلاد الطالبة الفقيرة التي تكفلت عائلته بمصاريف دراستها.وبعد أن جاءت لتعتني به، تغيرت شخصيته بسبب الشلل، ولم يعد يرى إلا مذلته التي انكشفت أمام الآخرين، فكان يفرغ غضبه كله فيها.ثم وبفضل رعايتها وتشجيعها، بدأ دياب يتعافى شيئًا فشيئًا، وتعلم أخيرًا أن يكف عن قسوته وأن يعامل من حوله بهدوء.لكن المؤسف أن مايا لم تكن من بين أولئك الذين شملهم ذلك الهدوء.فقد ظل يشعر بالضيق لأنها رأت ضعفه وانكساره بكل تفاصيلهما، ولم يكن يحافظ على هدوئه معها إلا بدافع رد الجميل.وحين أدرك أخيرًا حقيقة مشاعره، كانت مايا قد حزمت أمتعتها وغادرت حياته بهدوء.لكنه كان يواسي نفسه قائلًا: لا بأس، حتى إن كان لا يعرفها جيدًا الآن، فما يزا

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 20

    لم تكن مايا تفهم حقًا لماذا يفعل كل هذا. فمن المستحيل أن يحتجزها مدى الحياة، فهي سترحل عاجلًا أم آجلًا، فما جدوى كل هذه المحاولات التي لن تغير شيء؟أما دياب، فلم يكن يهتم بطول المدة. كان يخشى فقط أن يأتي اليوم الذي ترحل فيه عنه مرة أخرى كما فعلت سابقًا، لذلك لم يكن يريد أن يضيع أي فرصة تمكنه من البقاء معها.وعندما شاهدت مايا غروب الشمس للمرة الثالثة، عاد دياب مجددًا، وبرفقته شحنة كبيرة من زهور الأوركيد الفراشية.كانت تلك الزهور هي ما طلبته منه قبل يومين، حين سألها إن كان هناك شيء ترغب في أن يحضره لها في المرة القادمة.في الحقيقة، مناخ العاصمة لم يكن مناسبًا لزراعة الأوركيد الفراشية، لكن مع العناية الكافية وتوفير الظروف المناسبة، كان بالإمكان الحفاظ عليها وتنميتها.وفراغها الطويل منحها وقتًا كافيًا للاهتمام بهذه الزهور.غرستها بنفسها واحدة تلو الأخرى داخل البيت الزجاجي، واعتنت بها بعناية فائقة. شعر دياب بالارتياح لرؤية إعجابها الحقيقي بها."شكرًا لك." وبعد أن انتهت من كل شيء، التفتت نحو دياب، الذي كان ينتظر عند باب البيت الزجاجي، وابتسمت وهي تشكره.لوّح بيده، بينما كانت ابتسامته تكاد تف

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 19

    تمامًا كما حدث عندما أحبت دياب في الماضي؛ فبمجرد أن علمت أنه أُصيب بالشلل إثر حادث سير، وأنه غرق في اليأس، ذهبت إليه دون تردد. وحتى عندما كان سريع الغضب ومتقلب المزاج، ولا يقابلها إلا بالصراخ والإهانة، لم تفكر يومًا في التراجع.وكذلك كان وائل معها لاحقًا؛ فبرغم رفضها المتكرر وابتعادها عنه، ظل ثابتًا ومخلصًا حتى لامس قلبها بصدق مشاعره.لكن مايا لم تشعر بهذا الشعور أبدًا عندما كانت مع دياب.حتى في المراحل الأخيرة من تعافيه، حين خفّت قسوته تجاهها، لم يتغير سوى أسلوبه قليلًا، فأصبح أكثر هدوءًا لا أكثر."وماذا عن الآنسة منار؟" سألت مايا بصوت هادئ، وهي تخفض عينيها لتخفي ما فيهما من مشاعر.لم يحزن دياب بسبب برودها، بل ازداد الأمل في عينيه عندما سمع سؤالها، وقال بسرعة: "مايا، اطمئني، أستطيع أن أؤكد لكِ أنني لا أحب منار.""منذ أن عرفت أنها هي من ألقت بنفسها عن الدرج، وسممت نفسها لتلفق لكِ التهمة، جعلتها تدفع الثمن الذي تستحقه. ومنذ ذلك الحين، لم يعد لعائلة جاد أي وجود في العاصمة.""أعلم أيضًا أنني خذلتكِ في الماضي، لكنني كنت عالقًا في فكرة أنها تخلت عني في أصعب أوقاتي. ففي النهاية، كانت حبي الأ

  • كنتُ معجزته... لكنني لم أكن اختياره   الفصل 18

    وفي الجهة الأخرى، كانت مايا غافلة تمامًا عن كل هذا.في الحقيقة، كانت فكرة إقامة حفل الزفاف في الوطن من اقتراح والد وائل. فعلى الرغم من أنه استقر في الخارج منذ سنوات، فإن كبار عائلة خيري ما زالوا يعيشون في البلاد.ولأن الجد والجدة لم يريا حفيدهما منذ زمن طويل، إضافة إلى أن أصدقائهما موجودون هناك، فقد تقرر في النهاية إقامة الزفاف داخل البلاد.كان التحضير للزفاف أمرًا مرهقًا ويستهلك الكثير من الوقت، خاصةً أن موعده حُدد على عجل.وخلال تلك الفترة كان أمامهما الكثير من الأمور لإنجازها، فكانا يتنقلان يوميًا من مكان إلى آخر حتى أرهقها التعب، ولم يعد لديها أي طاقة للتفكير في أي شيء آخر، حتى إنها نسيت دياب تمامًا.لكنها لم تتوقع أنها بينما نسيته، لم ينساها هو، بل جاء إليها بنفسه.وعندما وجدت نفسها للمرة الثانية محاصرة عند باب دورة المياه، لم تشعر إلا بإرهاق شديد.كل ما في الأمر أنها خرجت وحدها هذه المرة دون وائل، فاستغل الفرصة ووصل إليها. ويبدو أنه خلال الفترة التي ستقضيها في العاصمة، لن تتمكن من الخروج بمفردها إلا عند الضرورة."هل تحتاج شيئًا؟" بعد لحظة صمت، تكلمت مايا أخيرًا.لم يُجبها دياب، ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status