بيت / الرومانسية / لأنك عشقت ظلى / ​أثرُ الليلةِ الأولى

مشاركة

​أثرُ الليلةِ الأولى

last update تاريخ النشر: 2026-08-08 00:14:53

استيقظت سديم مع أول شعاع شمس يتسلل مخادعاً من بين ثنايا الستائر المسدولة. استغرقت بضع ثوانٍ لتستوعب الخفة الغريبة التي تجتاح جسدها؛ فلأول مرة منذ أشهر طويلة، تستيقظ دون أن يطاردها ذاك الثقل المعهود في صدرها، ودون أن تفزع من شوائب كابوس يقطع أنفاسها. لقد نامت عميقاً.. نومة هادئة وجداول مسالمة خالية تماماً من صور الدماء والركض في الممرات المظلمة.

​التفتت بجسدها ببطء حذر على الفراش الناعم، لتلتقي عيناها به.

​كان كايل يرقد بجانبها، غارقاً في نوم عميق، ويده الصلبة لا تزال تستقر بتملك هادئ حول خصرها، وكأنه يرفض الفكاك منها حتى وهو في أقصى درجات استرخائه. كان وجهه في حالة السكون هذه يفيض بملامح حادة وجذابة تتجرد مؤقتاً من تلك الهالة المظلمة والنظرات المهووسة التي يطوقها بها دائماً. تناثرت خصلات شعره على جبهته، وتنفسه المنتظم يخرج بدفء يلامس كتفها العاري.

​تأملته سديم لثوانٍ طويلة، وبدأت مشاعر متضاربة تجتاح روحها. شعور بالدفء والراحة المطلقة لقربه، يتقاطع مع خيط بارد من الشك يتسلل مجدداً إلى ذهنها: كيف لرجل يُشعرها بكل هذا الأمان الحنون في فراشها.. ؟

​رفعت كفها المرتعش ببطء حارق، ومررت أطراف أصابعها على امتداد فكه الحاد ودون أن توقظه، وهي تتساءل في سرها عن السر الدفين الذي يخبئه هذا الرجل خلف ملاخزه الهادئة.

تحركت سديم بحذر شديد محاولةً الانسحاب من تحت ذراعه الثقيلة كي لا توقظه، ونزلت أقدامها على الأرضية الباردة بهدوء. خطت خطوة واحدة باتجاه المطبخ لإعداد الفطور، لكن في اللحظة التي حاولت فيها الوقوف باعتدال، داهمتها موجة مفاجئة من الألم الحاد والمباغت أسفل ظهرها وفي سائر جسدها.

​تجمّدت مكانها، وأطلقت أوهة خافتة لا إرادية وهي تقبض بيدها على خاصرتها. وفي تلك اللحظة بالذات، تدفقت ذكريات ليلة البارحة إلى ذهنها كدفعة حارقة: لمساته المهووسة، القبلات المشتعلة، واستسلامها الكامل لسلطته في الظلام.

​خلال ثوانٍ، صعدت الحرارة إلى وجنتيها ليتلون وجهها بأكمله باللون الأحمر القاني من شدة الخجل والارتباك.

​أنّت سديم بصوت مكتوم وهي تحاول استعادة توازنها، لكن ذلك الصوت الخافت كان كافياً لإيقاظ كايل. فتح عينيه المظلمتين فوراً بمهارة حارس لا ينام عميقاً أبداً، واستدار على السرير ليرى جثوها المرتبك وجسدها المرتجف من الخجل والألم.

​ارتسمت على شفتيه ابتسامة كسولة، مظلمة ومغوية، وهو يسند رأسه على ذراعه متأملاً احمرار وجهها بتمهل واستكشاف، قبل أن ينسلّ من تحت الأغطية ببطء ويقترب منها بنبرة خفيضة دافئة:

​— «إلى أين تهربين بهذه السرعة.. وجسدكِ لا يزال يحمل أثري؟»

ارتبكت سديم وحاولت تغطية وجهها المشتعل بيديها، مستندةً بالحائط لتسند ظهرها المجهد، وهتفت بنبرة متقطعة يغلب عليها الإحراج الشديد:

— «أنا.. لم أكن أهرب! أردت فقط إعداد الفطور.. لكن جسدي يُشعرني وكأنه حُطم بالكامل!»

​نهض كايل من السرير ببطء وثقة، وعيناه الناتئتان بالغموض تتأملان حمرتها الخجولة برضا حارق. خَطا خطوات هادئة نحوها حتى حاصرها مجدداً بين جسده الصلب والجدار، ثم مدّ يده ليزيح كفيها عن وجهها برفقٍ متملك، رافعاً ذقنها لتلتقي عيناهما.

​— «الفطور؟» همس بها بتهكم مغوٍ، وهو يمرر إبهامه على شفتها السفلى ببطء جعل أنفاسها تتضارب مجدداً، «وهل تظنين أنني سأسمح لكِ بالوقوف في المطبخ وأنتِ بهذه الحالة؟ ألم أُخبركِ البارحة أنكِ ملكي، وأن مسؤولية راحتكِ تقع عليّ أنا فقط؟»

​أنزلت سديم عينيها باضطراب، ونبضات قلبها تطرق صدرها بقوة، وقالت بنبرة حاولت جعلها حازمة لكنها خرجت مبحوحة وخافتة:

— «كايل.. رجاءً، التوقف عن النظر إليّ بهذه الطريقة! أنت تجعل الأمر أكثر إحراجاً.. وما حدث البارحة كان.. كان جنوناً غير متوقع.»

​ابتسم ابتسامة مظلمة أظهرت جانب الهوس العميق لديه، وانحنى قليلاً ليلثم أسفل أذنها بقبلة حارقة جعلتها ترتجف، ثم همس أمام بشرتها الناعمة:

— «جنون؟ بل كان البداية فحسب يا سديم. وما تشعرين به الآن في جسدكِ ليس ألم ليلة عابرة.. بل هو تذكير دائم بأنكِ لي، وبأن خوفكِ وكوابيسكِ لن تجد لها مكاناً بعد اليوم طالما أنا هنا.»

​رفعت سديم عينيها إليه، وبدأ الشك يتسلل مجدداً عبر ثنايا خجلها، لفتت نظرها حدة كلماته وتملكه المفرط، فسألت بنبرة يمتزج فيها الشغف بالريبة:

— «ولماذا أنت واثق هكذا؟ كأنك تعلم يقيناً أن الكوابيس لن تعود لمجرد وجودك.. ماذا تخفي عني يا كايل؟»

​تجمّدت نظرات كايل لكسر من الثانية، وساد صمت ثقيل في الغرفة. ثم إنفجر ضاحكا !لكنه سرعان ما توقف عن الضحم حتى لا يزعجها بابتسامة ساحرة هادئة، وأمسكها من خصرها ببطء ليحملها خفيفاً ويعيدها إلى الفراش، مخففاً عن ظهرها الثقل.

​جثا بجانبها على السرير، وربد على شعرها الأحمر بحنان دافئ متملك، قائلًا بصوت خفيض:

— «أنا لا أخفي شيئاً سوى أنني سمعتك وأنت تحدثين مع نفسك بصوت عالى .»

​استلقى بجوارها لحظة وأسند رأسه قريباً من كتفها، تاركاً سديم تغرق في بحر من الخجل الممزوج بحيرة ؛ يداعبها الدفء الذي تحتاجه!

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • لأنك عشقت ظلى    أغلال العشق

    ارتجفت أنفاسها وهي تقرأ تصريحات آدم—المحقق الذي قابلته من قبل وتعرف جديته وصرامته—وهو يؤكد للصحافة أن هناك خيوطاً تشير إلى احتجاز سديم قسراً لإبعادها عن مجريات التحقيق!​تذكرت فوراً الرسالة التي لمحتها سابقاً على هاتف كايل باسم "آدم". هل كايل يحتجزها في هذه الشقة ليحميها من خطر خارجي فعلاً؟ أم أنه يخدعها وهو الخاطف الذي يبحث عنه آدم؟ ولماذا يتواصل آدم مع كايل بالأساس؟​سمعت صوت مفتاح يدور في قفل باب الشقة.​دخل كايل يحمل أكياس الطعام، لكن خطواته تباطأت فور أن رأى ملامحها الشاحبة ونظرتها المصدومة الموجهة نحو شاشة الحاسوب.​لم يرتبك، ولم تظهر على وجهه أي علامات ذنب. وضع الأكياس جانباً ببرود، وتقدم نحو الطاولة بخطوات واثقة، ثم أغلق شاشة الحاسوب بلمسة واحدة هادئة، يتأمل وجهها المجهد بعينين مظلمتين.​اقترب منها حتى أصبحت أنفاسه تلامس جبينها، وجذبها من خصرها ليلصق جسدها بجسده في عناقٍ حامٍ ومطلق، ثم همس أمام شفتيها بقسمٍ مرعب يرتجف له الوجدان:— «دعيهم يبحثون عنكِ في كل شبر يا سديم.. دعيهم يكتبون ما يشاؤون. لن يجدوكِ أبداً، لأنكِ تختبئين في المكان الوحيد الذي لا يجرؤ أحد على مساسه.. معي هنا

  • لأنك عشقت ظلى    أسرار مدفونه

    تراجع الصقيع الذي كان يُغلّف أركان الغرفة المعتمة، ليحل محله سكونٌ ثقيل، أشد خطرًا من البرود نفسه. ​سقط قيد السلسلة الثقيل على الأرضية الخشبية برنين معدني جاف، أعلن ختام ليلةٍ خنقها الرعب والشك. سحبت سديم قدمها المحررة ببطء، وتنفست براحةٍ مشوبة بالحذر، تراقب سائل المعدن البارد وهو يرتاح أخيرًا بعيدًا عن جلدها المقيد. اعتدلت في جلستها، ونظرت إلى كايل؛ كان يفرك جبينه بكفه الشاحبة، ومزيجٌ من الامتنان والانكشاف المظلم يفيض من حدقتيه الزجاجيتين. ​وقبل أن تطأ قدم سديم الأرض لتنهض وتكسر هذا الحصار الحسي المطبّق... ​ارتجت الأرضية تحت حافة السرير بصوت اهتزازٍ مكتوم، يرافقه وميضُ ضوءٍ خافت ينبعث من عتمة أسفل الفراش. ​تجمّد كايل في مكانه، وتغيرت ملامحه فوراً ليحل محلها شحوبٌ مفاجئ أشد قسوة من شحوب إغمائه قبل قليل. كان الصوت صادراً من هاتفٍ آخر مخفي، هاتفٍ لم تره سديم من قبل، سقط من جيب معطفه الداخلي حين ترنح وسقط أرضاً. ​انعكست اللمعة الفضية للوميض في حَدَقة سديم، وفي كسرٍ من الثانية، تحركت غريزة الفضول والارتياب داخلها. مالت بجسدها بعفوية، وشخصت بأبصارها مسترقة النظر نحو الأسفل، تحاول

  • لأنك عشقت ظلى    سم الحب

    فتح كايل عينيه ببطء شديد، ليصطدم بالسقف الخافت والستائر المنسدلة التي تحجب ضوء النهار. في كسرٍ من الثانية، تدفق وعيه كاملاً؛ تذكر سقوطه المباغت، غيابه عن الوعي، وانقطاع الأنفاس الذي هاجمه.​قفز الرعب في صدره كالصاعقة. تحركت يداه بهلع يفتش المساحة الخالية على الفراش؛ هل هربت؟ هل استغلت غيبوبته لتفلت من السلسلة وتختفي كما يُملي عليه كابوسه المستمر؟​لكن حركته تجمدت فوراً، وانعقد حَاجِبَاه في صمتٍ مذهول.​كانت سديم نائمة بجانبه مباشرة على حافة السرير.​رأسها يميل بقرب كتفه، وملامح وجهها المجهدة غارقة في سكون تام. أدرك من وضعية معطفه وجسده الثقيل الممدد بعناية أنها لم تكتفِ بالبقاء، بل بذلت مجهوداً مضنياً—وهي مقيدة القدم—لتُرفعه من الأرضية الباردة وتثبته فوق الفراش، قبل أن ينهكها التعب فتغفو إلى جواره.​تأمل وجهها الصامت، وتداخلت في جوفه لوعة الندم مع تملكٍ يعصر قلبه. مدّ أصابعه بتردد، ولمس خصلة من شعرها المنسدل على وجهها برفقٍ غير معهود.​تحركت سديم، وفتحت عينيها ببطء. واجهت نظراته الثابتة والمشحونة، ولم تبتعد. ساد بينهما صمتٌ طويل، صمتٌ يزن كل الخوف والغضب الذي أثقل الغرفة طوال الساعات

  • لأنك عشقت ظلى    ألم الحب

    خطى كايل داخل الغرفة بخطوات متزنة، وضع صينية الماء الصغيرة على الطاولة الجانبية بهدوء يناقض تماماً الثقل المحبوس في الصدر. كانت عيناه ثابتين على السلسلة البراقة المتصلة بكاحلها، ثم ارتفعتا ببطء نحو وجهها. ​لم تصرخ سديم. لم تندفع في صخب مائع، بل اتسعت حدقتاها بسكون مرعب، سكون يشبه التجمّد قبل الانكسار. رفعت نظراتها من المعدن البارد الملتف حول جلدها، وثبتتها في عينيه. كان الصمت بينهما مشدوداً كوترٍ على وشك التمزق، يحمل وزناً أثقل من أي صراخ. ​سحبت أنفاسها ببطء، وجاء صوتها خافتاً، مبحوحاً، لكنه محمل بصقيع يقطع الهواء: — «إلى هذا الحد يا كايل؟» ​لم يتزحزح من موقفه، لكن ابتسامته الباهتة تلاشت تدريجياً. انحنى ليضع كوب الماء على مقربة منها، وقال بنبرة حاول أن يجعلها متماسكة: — «اشربي يا سديم. لم نصل إلى أي مكان بالغياب أو التهديد.» ​نظرت إلى الكوب، ثم رفعت يدها ببطء شديد، وبحركة واحدة قاطعة ودون أن ترمُش لها عين، دفعت الصينية بكاملها جانباً. ارتطم الكوب بالأرضية الخشبية ليتناثر الزجاج والماء في كل اتجاه. ​هنا.. لم يعد كايل ذلك الرجل الصقيعي الذي يمسك بزمام كل شيء. ​انكسر ثباته

  • لأنك عشقت ظلى    ​«أغلالُ التملُّك»

    انطلقت السيارة كالسهم المارق في عتمة الليل الشديدة، يلتف حولها صمتٌ ثقيل داخل الكابينة، صمتٌ يُطاق بصعوبة بالغة ويحبس الأنفاس. كانت قبضة كايل على عجلة القيادة صلبة كالصخر، ومفاصل أصابعه قد أبيضّت من شدة الضغط، بينما ظل وجهه جماداً كمنحوتة رخامية، وعيناه المظلمتان تركّزان على الأسفلت الممتد أمامه ببرودٍ مرعب، كمن اتخذ قراراً أخيرًا لا رجعة فيه ولا مضمار للتراجع عنه.​توقفت السيارة أسفل البناية بفرملة حادة أحدثت احتكاكاً صريحاً بالأرض. وقبل أن تستوعب سديم الموقف أو تجد متسعاً لالتقاط أنفاسها، قفز كايل من مقعده ودار ليفاجئها بفتح بابها، ممتداً بيده القوية ليجذبها بقوة للخارج. وحين حاولت التراجع والدفع بكفيها المرتجفتين ضد صدره، انحنى بجسده الفارع، وأحاط خاصرتها بذراعه الصلبة، ثم حملها بين ذراعيه دفعة واحدة كالريشة.​تعالت أنفاس سديم المذعورة، وشعرت بدوارٍ حاد يداهم رأسها فور فقدان قدميها للاتصال بالأرض. ولما أحست أنها على وشك السقوط والارتطام، انقبضت كفاها بعفوية وغريزة بقاء خالصتين على كتفيه، متمسكة بياقة معطفه الأسود بكل ما أوتيت من قوة.​استغل كايل حركتها التلقائية تلك ليضمها أكثر إلى

  • لأنك عشقت ظلى    «تآكلُ السيطرة»

    جلس كايل في ظلال صالته المغلقة، يسند رأسه إلى الخلف وعيناه معلقتان بالسقف. كان الهدوء يلتف حوله كغطاءٍ أملس، وثقته النرجسية تطمئنه بثبات؛ سديم لن تبتعد كثيراً. يعلم أنها متخبطة، مشتعلة بالغيرة، ومكبلة بأغلال الخوف والفضول نحو الرقم (567).. يعلم أنها لا تستطيع العيش في عالمها البارد دونه، وأنها ستطرق بابه مجدداً فور أن يهدأ غضبها.​لكن مرت ساعة.. ثم ساعتان.​بدأت عقارب الساعة الكلاسيكية تتحرك ببطء قاتل، وتلاشت الثقة الصقيعية من ملامحه تدريجياً، ليحل محلها توتر حاد ينهك صدره. نهض من مكانه بحركة مباغتة، والتقط معطفه وهو يشعر بخطوط السيطرة وهي تفلت من بين أصابعه لأول مرة.​اندفع نحو شقتها، يدفعه جنون مكتوم ورغبة عارمة في انتزاعها من أي مكان تخبأت فيه. اقتحم شقتها الغارقة في فوضى الأمس، ونادى باسمها بنبرة حادة ارتجفت فيها هيبته.. لكن الصمت كان الرد الوحيد.​طاف بالغرف كوحشٍ جريح، يقلّب الأشياء بعنف؛ ليست هنا.​وقف في منتصف صالتها، والأنفاس الثقيلة تصعد وتهبط من صدره بغضب جارف. انقبضت قبضتاه حتى أبيضّت مفاصِله، واستوعب الصفعة المرة: سديم لم تكن تمثل، وجرح كبريائها هذه المرة كان أعمق مما توه

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status