LOGINعاد بعد أربع ساعات.
كانت الثالثة عصراً. المطر لم يتوقف منذ الصباح، والسماء رمادية، ثقيلة، كأنها على وشك السقوط. سديم ما زالت في السرير. لم تغير قميصه. لم تفعل ذلك طاعة له فقط، بل لأن رائحته فيه كانت الشيء الوحيد الذي يشعرها بالأمان، بعد أن أخبرها أن أحلامها ترى جرائم تحدث الآن، في الحقيقة. سمعت صوت المفتاح في الباب. لديه نسخة من مفتاح شقتها منذ الإعدادية. دخل كايل. كان مبللاً تماماً. معطفه الأسود يقطر ماءً، شعره يقطر، ووجهه شاحب من البرد. لكن عينيه... عيناه كانتا مشتعلتين بشيء لم تره من قبل. توقف في منتصف الغرفة حين رآها. لا تزال في السرير، بقميصه الواسع، شعرها الأحمر مبعثر على الوسادة البيضاء. تنفس بعمق. "لم تغيريه." قالها بصوت منخفض ومبحوح. جلست سديم بسرعة وشددت القميص حول جسدها. "قلت لي أن أبقى به." اقترب بخطوات بطيئة. خلع معطفه ورماه على الأرض دون أن ينظر. لم يكن يهتم بالفوضى. كان يهتم بها هي فقط. جلس بجانبها. مال السرير مرة أخرى تحت ثقله. كان قريباً جداً. رائحته المألوفة مختلطة الآن برائحة المطر والتراب... ورائحة أخرى، معدنية، خافتة، لم تحب أن تسأل عن مصدرها. "ماذا حدث هناك؟" سألته وهي تتأمل إرهاق وجهه. لم يجب فوراً. مد يده ولامس خدها. يده كانت باردة كالثلج. "يدك باردة!" أمسكت يده بكلتا يديها الصغيرتين، تحاول تدفئتها كعادتها. نظر إلى يديها حول يده، وابتسم للمرة الأولى منذ أن دخل. "طوال عمرك وأنتِ تدفئين يدي. منذ كنا أطفالاً في طابور المدرسة." قلب يده فجأة، فأصبح هو من يمسك يدها. ثم جذبها إليه بقوة. وجدت سديم نفسها على حافة السرير، وهو يحيطها من الخلف، ذراعاه حول خصرها، وذقنه تستقر على كتفها. نفس الوضعية التي استيقظت عليها صباحاً، لكنها الآن أكثر جرأة وأكثر تملكاً. "كايل..." "اششش." همس في أذنها، أنفاسه بدأت تدفأ. "دعيني هكذا. لدقيقة واحدة فقط. مكان الجريمة كان... بشعاً. القلب لم يكن مفقوداً فقط. كان..." توقف عن الكلام. شدها إليه أكثر، كأنه يريد إدخالها داخله. "كنت أحتاج أن أعود وأتأكد أن قلبك أنتِ لا يزال ينبض." كانت كلماته رومانسية لدرجة تخيف. وضعت سديم يدها فوق يده المستقرة على بطنها. "أنا هنا." "أعلم." دفن وجهه في عنقها. "وهذا ما يخيفني. القاتل لا يقتل فتيات عشوائيات. كل ضحاياه... شعرهن أحمر." تجمد الدم في عروقها. "ماذا؟" أدارها إليه ببطء. أصبحت الآن مواجهة له، جالسة بين ساقيه، وقميصه الواسع يكشف عن كتفها الأيسر. رفع يده ومرر أصابعه ببطء في شعرها الأحمر، كأنه يتفقده، يحصيه. "أربع ضحايا. كلهم شعرهم أحمر مثلك. طويل، وأحمر." كانت عيناه على شعرها، لكن فيها قلق وخوف وغيرة بدائية. "سديم، منذ كنا أطفالاً وأنا أقول للجميع أن هذا الشعر الأحمر يخصني وحدي. كنت أضرب أي ولد يسخر منه. والآن هناك من يقتلهن بسببه." انحنى فجأة وقبّل شعرها. قبلة طويلة، عميقة، حمائية، كأنه يختمه باسمه. ثم نزل بشفتيه إلى جبينها، إلى خدها، وتوقف عند زاوية شفتيها. توقف هناك، يتنفس بصعوبة. "كايل؟" همست اسمه. نظر في عينيها. المسافة بينهما لم تعد تتجاوز سنتيمتراً. "لو طلبت منكِ أن تقصي شعرك الآن، حتى لا يراكِ، هل تفعلين؟" سؤال مجنون. متملك. لكن سديم لم تقل لا. لأنها لم تر في عينيه هوساً، بل رأت ذلك الولد ذا الاثني عشر عاماً، الذي يخاف أن يفقد صديقته الوحيدة. وضعت يدها على خده البارد. "لن أقصه. لأنك تحبه." ابتسم. ابتسامة حارة ومظلمة. "أحبه بجنون." ولم يستطع أن يتمالك نفسه أكثر. انحنى وقبّلها. لم تكن قبلة صديق طفولة. كانت قبلة رجل انتظر خمسة عشر عاماً ليأخذ ما كان يعتبره دائماً ملكه. قبلة جائعة، طويلة، مليئة بكل الخوف والغيرة والحب الذي كتمه. وعندما ابتعد، كان كلاهما يلهث. وضع جبينه على جبينها. "من اليوم، لن تنامي إلا وقميصي عليكِ. ولن تخرجي إلا وأنا معكِ. هل هذا واضح يا رأس البطيخ؟" أغمضت عينيها، وما زال صوت أنفاسه يختلط بأنفاسها. "واضح." في الخارج، ازداد المطر غزارة، واخترق صمت الحي صوت سيارات الشرطة وهي تقترب.ارتجفت أنفاسها وهي تقرأ تصريحات آدم—المحقق الذي قابلته من قبل وتعرف جديته وصرامته—وهو يؤكد للصحافة أن هناك خيوطاً تشير إلى احتجاز سديم قسراً لإبعادها عن مجريات التحقيق!تذكرت فوراً الرسالة التي لمحتها سابقاً على هاتف كايل باسم "آدم". هل كايل يحتجزها في هذه الشقة ليحميها من خطر خارجي فعلاً؟ أم أنه يخدعها وهو الخاطف الذي يبحث عنه آدم؟ ولماذا يتواصل آدم مع كايل بالأساس؟سمعت صوت مفتاح يدور في قفل باب الشقة.دخل كايل يحمل أكياس الطعام، لكن خطواته تباطأت فور أن رأى ملامحها الشاحبة ونظرتها المصدومة الموجهة نحو شاشة الحاسوب.لم يرتبك، ولم تظهر على وجهه أي علامات ذنب. وضع الأكياس جانباً ببرود، وتقدم نحو الطاولة بخطوات واثقة، ثم أغلق شاشة الحاسوب بلمسة واحدة هادئة، يتأمل وجهها المجهد بعينين مظلمتين.اقترب منها حتى أصبحت أنفاسه تلامس جبينها، وجذبها من خصرها ليلصق جسدها بجسده في عناقٍ حامٍ ومطلق، ثم همس أمام شفتيها بقسمٍ مرعب يرتجف له الوجدان:— «دعيهم يبحثون عنكِ في كل شبر يا سديم.. دعيهم يكتبون ما يشاؤون. لن يجدوكِ أبداً، لأنكِ تختبئين في المكان الوحيد الذي لا يجرؤ أحد على مساسه.. معي هنا
تراجع الصقيع الذي كان يُغلّف أركان الغرفة المعتمة، ليحل محله سكونٌ ثقيل، أشد خطرًا من البرود نفسه. سقط قيد السلسلة الثقيل على الأرضية الخشبية برنين معدني جاف، أعلن ختام ليلةٍ خنقها الرعب والشك. سحبت سديم قدمها المحررة ببطء، وتنفست براحةٍ مشوبة بالحذر، تراقب سائل المعدن البارد وهو يرتاح أخيرًا بعيدًا عن جلدها المقيد. اعتدلت في جلستها، ونظرت إلى كايل؛ كان يفرك جبينه بكفه الشاحبة، ومزيجٌ من الامتنان والانكشاف المظلم يفيض من حدقتيه الزجاجيتين. وقبل أن تطأ قدم سديم الأرض لتنهض وتكسر هذا الحصار الحسي المطبّق... ارتجت الأرضية تحت حافة السرير بصوت اهتزازٍ مكتوم، يرافقه وميضُ ضوءٍ خافت ينبعث من عتمة أسفل الفراش. تجمّد كايل في مكانه، وتغيرت ملامحه فوراً ليحل محلها شحوبٌ مفاجئ أشد قسوة من شحوب إغمائه قبل قليل. كان الصوت صادراً من هاتفٍ آخر مخفي، هاتفٍ لم تره سديم من قبل، سقط من جيب معطفه الداخلي حين ترنح وسقط أرضاً. انعكست اللمعة الفضية للوميض في حَدَقة سديم، وفي كسرٍ من الثانية، تحركت غريزة الفضول والارتياب داخلها. مالت بجسدها بعفوية، وشخصت بأبصارها مسترقة النظر نحو الأسفل، تحاول
فتح كايل عينيه ببطء شديد، ليصطدم بالسقف الخافت والستائر المنسدلة التي تحجب ضوء النهار. في كسرٍ من الثانية، تدفق وعيه كاملاً؛ تذكر سقوطه المباغت، غيابه عن الوعي، وانقطاع الأنفاس الذي هاجمه.قفز الرعب في صدره كالصاعقة. تحركت يداه بهلع يفتش المساحة الخالية على الفراش؛ هل هربت؟ هل استغلت غيبوبته لتفلت من السلسلة وتختفي كما يُملي عليه كابوسه المستمر؟لكن حركته تجمدت فوراً، وانعقد حَاجِبَاه في صمتٍ مذهول.كانت سديم نائمة بجانبه مباشرة على حافة السرير.رأسها يميل بقرب كتفه، وملامح وجهها المجهدة غارقة في سكون تام. أدرك من وضعية معطفه وجسده الثقيل الممدد بعناية أنها لم تكتفِ بالبقاء، بل بذلت مجهوداً مضنياً—وهي مقيدة القدم—لتُرفعه من الأرضية الباردة وتثبته فوق الفراش، قبل أن ينهكها التعب فتغفو إلى جواره.تأمل وجهها الصامت، وتداخلت في جوفه لوعة الندم مع تملكٍ يعصر قلبه. مدّ أصابعه بتردد، ولمس خصلة من شعرها المنسدل على وجهها برفقٍ غير معهود.تحركت سديم، وفتحت عينيها ببطء. واجهت نظراته الثابتة والمشحونة، ولم تبتعد. ساد بينهما صمتٌ طويل، صمتٌ يزن كل الخوف والغضب الذي أثقل الغرفة طوال الساعات
خطى كايل داخل الغرفة بخطوات متزنة، وضع صينية الماء الصغيرة على الطاولة الجانبية بهدوء يناقض تماماً الثقل المحبوس في الصدر. كانت عيناه ثابتين على السلسلة البراقة المتصلة بكاحلها، ثم ارتفعتا ببطء نحو وجهها. لم تصرخ سديم. لم تندفع في صخب مائع، بل اتسعت حدقتاها بسكون مرعب، سكون يشبه التجمّد قبل الانكسار. رفعت نظراتها من المعدن البارد الملتف حول جلدها، وثبتتها في عينيه. كان الصمت بينهما مشدوداً كوترٍ على وشك التمزق، يحمل وزناً أثقل من أي صراخ. سحبت أنفاسها ببطء، وجاء صوتها خافتاً، مبحوحاً، لكنه محمل بصقيع يقطع الهواء: — «إلى هذا الحد يا كايل؟» لم يتزحزح من موقفه، لكن ابتسامته الباهتة تلاشت تدريجياً. انحنى ليضع كوب الماء على مقربة منها، وقال بنبرة حاول أن يجعلها متماسكة: — «اشربي يا سديم. لم نصل إلى أي مكان بالغياب أو التهديد.» نظرت إلى الكوب، ثم رفعت يدها ببطء شديد، وبحركة واحدة قاطعة ودون أن ترمُش لها عين، دفعت الصينية بكاملها جانباً. ارتطم الكوب بالأرضية الخشبية ليتناثر الزجاج والماء في كل اتجاه. هنا.. لم يعد كايل ذلك الرجل الصقيعي الذي يمسك بزمام كل شيء. انكسر ثباته
انطلقت السيارة كالسهم المارق في عتمة الليل الشديدة، يلتف حولها صمتٌ ثقيل داخل الكابينة، صمتٌ يُطاق بصعوبة بالغة ويحبس الأنفاس. كانت قبضة كايل على عجلة القيادة صلبة كالصخر، ومفاصل أصابعه قد أبيضّت من شدة الضغط، بينما ظل وجهه جماداً كمنحوتة رخامية، وعيناه المظلمتان تركّزان على الأسفلت الممتد أمامه ببرودٍ مرعب، كمن اتخذ قراراً أخيرًا لا رجعة فيه ولا مضمار للتراجع عنه.توقفت السيارة أسفل البناية بفرملة حادة أحدثت احتكاكاً صريحاً بالأرض. وقبل أن تستوعب سديم الموقف أو تجد متسعاً لالتقاط أنفاسها، قفز كايل من مقعده ودار ليفاجئها بفتح بابها، ممتداً بيده القوية ليجذبها بقوة للخارج. وحين حاولت التراجع والدفع بكفيها المرتجفتين ضد صدره، انحنى بجسده الفارع، وأحاط خاصرتها بذراعه الصلبة، ثم حملها بين ذراعيه دفعة واحدة كالريشة.تعالت أنفاس سديم المذعورة، وشعرت بدوارٍ حاد يداهم رأسها فور فقدان قدميها للاتصال بالأرض. ولما أحست أنها على وشك السقوط والارتطام، انقبضت كفاها بعفوية وغريزة بقاء خالصتين على كتفيه، متمسكة بياقة معطفه الأسود بكل ما أوتيت من قوة.استغل كايل حركتها التلقائية تلك ليضمها أكثر إلى
جلس كايل في ظلال صالته المغلقة، يسند رأسه إلى الخلف وعيناه معلقتان بالسقف. كان الهدوء يلتف حوله كغطاءٍ أملس، وثقته النرجسية تطمئنه بثبات؛ سديم لن تبتعد كثيراً. يعلم أنها متخبطة، مشتعلة بالغيرة، ومكبلة بأغلال الخوف والفضول نحو الرقم (567).. يعلم أنها لا تستطيع العيش في عالمها البارد دونه، وأنها ستطرق بابه مجدداً فور أن يهدأ غضبها.لكن مرت ساعة.. ثم ساعتان.بدأت عقارب الساعة الكلاسيكية تتحرك ببطء قاتل، وتلاشت الثقة الصقيعية من ملامحه تدريجياً، ليحل محلها توتر حاد ينهك صدره. نهض من مكانه بحركة مباغتة، والتقط معطفه وهو يشعر بخطوط السيطرة وهي تفلت من بين أصابعه لأول مرة.اندفع نحو شقتها، يدفعه جنون مكتوم ورغبة عارمة في انتزاعها من أي مكان تخبأت فيه. اقتحم شقتها الغارقة في فوضى الأمس، ونادى باسمها بنبرة حادة ارتجفت فيها هيبته.. لكن الصمت كان الرد الوحيد.طاف بالغرف كوحشٍ جريح، يقلّب الأشياء بعنف؛ ليست هنا.وقف في منتصف صالتها، والأنفاس الثقيلة تصعد وتهبط من صدره بغضب جارف. انقبضت قبضتاه حتى أبيضّت مفاصِله، واستوعب الصفعة المرة: سديم لم تكن تمثل، وجرح كبريائها هذه المرة كان أعمق مما توه







