LOGIN«هو لم يعشقها كما يفعل البشر.. بل امتلكها كما يمتلك الساحر تعويذته الأخيرة. في عالمٍ يُحسَب فيه كل شيء بحجم القوة والسيطرة، كان "كايل" يرى أن قلبها هو الرقعة الوحيدة التي لا يقبل فيها بالخسارة. لم تكن بالنسبة له مجرد امرأة، بل كانت هوساً مظلماً يُحمَى بالأغلال ويُغرق بالقبلات الحارقة. وبين غيرة تُحرق الصدور، وأسرارٍ تخبئها الظلال خلف أرقامٍ غامضة، وجدت "سديم" نفسها محاصرة بين رجلٍ مستعدٍ للجنود كي لا تفلت من قبصته، ومحققٍ يتربص بهما في العتمة. هي لم تكن تعرف هل تهرب من بطشه.. أم تستسلم لدفء سجنه؟ فنحن لا نختار من نعشق.. أحياناً نقع في حب السجان نفسه.»
View Moreكانت السماء تمطر بغزارة.
لم تكن سديم نائمة. كانت ترى بوضوح. رجل طويل يقف في منتصف شارع خالٍ. معطفه الأسود ثقيل ويقطر ماءً. رأسه منحني قليلاً. وفي كفه المفتوحة، قلب بشري لا يزال ينبض. نبضه بطيء وثقيل، ويتصاعد منه بخار دافئ رغم برودة المطر. المشهد كان صامتاً إلا من صوت المطر وصوت ذلك القلب. رفع الرجل وجهه ببطء. المطر يضرب ملامحه ويخفيها، لكن عينيه كانتا واضحتين تماماً. عينان داكنتان، تعرفهما سديم أكثر مما تعرف نفسها. همست دون وعي: • "كايل؟" لم يجبها. فقط ابتسم. ابتسامة لم تصل إلى عينيه. ثم فتح كفه وترك القلب يسقط على الأرض المبتلة، ليظل ينبض وحيداً، واستدار واختفى في العتمة. شهقت سديم واستيقظت. كانت في غرفتها. أنفاسها متلاحقة كأنها كانت تركض. قميصها ملتصق بظهرها من العرق. الغرفة هادئة ودافئة، لا مطر ولا قلب. فقط صوت منبه هاتفها يشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة قلبها. • "مجرد كابوس آخر." قالتها بصوت عالٍ، كأنها تريد أن تصدق نفسها. لكنها لم تصدق. منذ ثلاثة أشهر، لم تعد أحلامها مجرد أحلام. كل ما تراه ليلاً، يحدث في الصباح بعد يومين بالضبط. رأت حريقاً في مخبز الحي، فاحترق المخبز بعد يومين. رأت صديقتها تبكي بفستان ممزق، فانفصلت صديقتها عن خطيبها بعد يومين. وكوابيسها أصبحت أكثر دموية. نهضت من السرير بخطوات بطيئة. قدماها باردتان. أرضية الشقة الخشبية تصدر صوتاً خفيفاً. شقتها الصغيرة كانت مرتبة دائماً، مليئة بالزهور المجففة والكتب، لكنها الليلة بدت لها فارغة وموحشة. دخلت المطبخ وسكبت لنفسها كوب ماء. يدها كانت ترتجف لدرجة أن الماء انسكب على الطاولة. • "إنه ليس هو. مستحيل أن يكون هو." كانت تقصد كايل. كايل الذي ظهر في حياتها قبل أربعة أشهر، بلا مقدمات. رجل غامض، هادئ، يملك حضوراً يملأ المكان. لا تعرف أين يعمل، ولا أين يسكن بالضبط. يظهر ويختفي كما يشاء. لكنه الوحيد الذي يجعلها تشعر بالأمان. والوحيد الذي يخيفها أيضاً. رن هاتفها فجأة على الطاولة، فانتفض جسدها. اسم "كايل" يضيء على الشاشة. حدقت في الاسم لثوانٍ. هل ما رأته للتو كان تحذيراً؟ أجابت بصوت حاولت أن تجعله طبيعياً: • "ألو؟" جاء صوتها مبحوحاً ومرتجفاً. ضحك من الطرف الآخر. ضحكة دافئة ومألوفة. • "أخيراً استيقظتِ. كنت أعرف أنك لا تنامين." لم ترد. كانت لا تزال ترى صورة القلب النابض أمام عينيها. أكمل هو بنبرة مرحة: • "صوتك يقول إنك كنت تحلمين بي. هل كان حلماً جميلاً يا صاحبة الشعر الأحمر؟" قالت بحدة مصطنعة تخفي خوفها: • "توقف عن مناداتي هكذا. وما الذي تريده في هذا الوقت؟" • "أريد أن آتي إليك." تجمدت سديم. • "الآن؟ إنها الثانية ليلاً!" • "أعلم. لكني قريب من منزلك. والبرد قارس. ألا تدعينني أدخل؟ اطهي لي شيئاً ساخناً." وقبل أن ترفض، أغلق الخط. بقيت سديم واقفة في منتصف المطبخ، والهاتف في يدها. وضعت شريحة لحم في المقلاة بآلية، لكن يدها لم تتوقف عن الارتجاف. هي لا تخاف من أن يتحقق كابوسها. هي تخاف أن يكون الرجل الذي تحبه وأمانها الوحيد بعد وفاه أبويها و صديق طفولتها الوحيد ، هو نفسه الرجل الذي كان يحمل القلب النابض تحت المطر. ضحكت على هذه الفكره الحمقاء وذكرت نفسها انه رغم مظهره اللذي يبدو كرجل عصابات إلا أنه يخاف من أذيه نمله وفي تلك اللحظة، سمعت ثلاث طرقات هادئة على الباب.ارتجفت أنفاسها وهي تقرأ تصريحات آدم—المحقق الذي قابلته من قبل وتعرف جديته وصرامته—وهو يؤكد للصحافة أن هناك خيوطاً تشير إلى احتجاز سديم قسراً لإبعادها عن مجريات التحقيق!تذكرت فوراً الرسالة التي لمحتها سابقاً على هاتف كايل باسم "آدم". هل كايل يحتجزها في هذه الشقة ليحميها من خطر خارجي فعلاً؟ أم أنه يخدعها وهو الخاطف الذي يبحث عنه آدم؟ ولماذا يتواصل آدم مع كايل بالأساس؟سمعت صوت مفتاح يدور في قفل باب الشقة.دخل كايل يحمل أكياس الطعام، لكن خطواته تباطأت فور أن رأى ملامحها الشاحبة ونظرتها المصدومة الموجهة نحو شاشة الحاسوب.لم يرتبك، ولم تظهر على وجهه أي علامات ذنب. وضع الأكياس جانباً ببرود، وتقدم نحو الطاولة بخطوات واثقة، ثم أغلق شاشة الحاسوب بلمسة واحدة هادئة، يتأمل وجهها المجهد بعينين مظلمتين.اقترب منها حتى أصبحت أنفاسه تلامس جبينها، وجذبها من خصرها ليلصق جسدها بجسده في عناقٍ حامٍ ومطلق، ثم همس أمام شفتيها بقسمٍ مرعب يرتجف له الوجدان:— «دعيهم يبحثون عنكِ في كل شبر يا سديم.. دعيهم يكتبون ما يشاؤون. لن يجدوكِ أبداً، لأنكِ تختبئين في المكان الوحيد الذي لا يجرؤ أحد على مساسه.. معي هنا
تراجع الصقيع الذي كان يُغلّف أركان الغرفة المعتمة، ليحل محله سكونٌ ثقيل، أشد خطرًا من البرود نفسه. سقط قيد السلسلة الثقيل على الأرضية الخشبية برنين معدني جاف، أعلن ختام ليلةٍ خنقها الرعب والشك. سحبت سديم قدمها المحررة ببطء، وتنفست براحةٍ مشوبة بالحذر، تراقب سائل المعدن البارد وهو يرتاح أخيرًا بعيدًا عن جلدها المقيد. اعتدلت في جلستها، ونظرت إلى كايل؛ كان يفرك جبينه بكفه الشاحبة، ومزيجٌ من الامتنان والانكشاف المظلم يفيض من حدقتيه الزجاجيتين. وقبل أن تطأ قدم سديم الأرض لتنهض وتكسر هذا الحصار الحسي المطبّق... ارتجت الأرضية تحت حافة السرير بصوت اهتزازٍ مكتوم، يرافقه وميضُ ضوءٍ خافت ينبعث من عتمة أسفل الفراش. تجمّد كايل في مكانه، وتغيرت ملامحه فوراً ليحل محلها شحوبٌ مفاجئ أشد قسوة من شحوب إغمائه قبل قليل. كان الصوت صادراً من هاتفٍ آخر مخفي، هاتفٍ لم تره سديم من قبل، سقط من جيب معطفه الداخلي حين ترنح وسقط أرضاً. انعكست اللمعة الفضية للوميض في حَدَقة سديم، وفي كسرٍ من الثانية، تحركت غريزة الفضول والارتياب داخلها. مالت بجسدها بعفوية، وشخصت بأبصارها مسترقة النظر نحو الأسفل، تحاول
فتح كايل عينيه ببطء شديد، ليصطدم بالسقف الخافت والستائر المنسدلة التي تحجب ضوء النهار. في كسرٍ من الثانية، تدفق وعيه كاملاً؛ تذكر سقوطه المباغت، غيابه عن الوعي، وانقطاع الأنفاس الذي هاجمه.قفز الرعب في صدره كالصاعقة. تحركت يداه بهلع يفتش المساحة الخالية على الفراش؛ هل هربت؟ هل استغلت غيبوبته لتفلت من السلسلة وتختفي كما يُملي عليه كابوسه المستمر؟لكن حركته تجمدت فوراً، وانعقد حَاجِبَاه في صمتٍ مذهول.كانت سديم نائمة بجانبه مباشرة على حافة السرير.رأسها يميل بقرب كتفه، وملامح وجهها المجهدة غارقة في سكون تام. أدرك من وضعية معطفه وجسده الثقيل الممدد بعناية أنها لم تكتفِ بالبقاء، بل بذلت مجهوداً مضنياً—وهي مقيدة القدم—لتُرفعه من الأرضية الباردة وتثبته فوق الفراش، قبل أن ينهكها التعب فتغفو إلى جواره.تأمل وجهها الصامت، وتداخلت في جوفه لوعة الندم مع تملكٍ يعصر قلبه. مدّ أصابعه بتردد، ولمس خصلة من شعرها المنسدل على وجهها برفقٍ غير معهود.تحركت سديم، وفتحت عينيها ببطء. واجهت نظراته الثابتة والمشحونة، ولم تبتعد. ساد بينهما صمتٌ طويل، صمتٌ يزن كل الخوف والغضب الذي أثقل الغرفة طوال الساعات
خطى كايل داخل الغرفة بخطوات متزنة، وضع صينية الماء الصغيرة على الطاولة الجانبية بهدوء يناقض تماماً الثقل المحبوس في الصدر. كانت عيناه ثابتين على السلسلة البراقة المتصلة بكاحلها، ثم ارتفعتا ببطء نحو وجهها. لم تصرخ سديم. لم تندفع في صخب مائع، بل اتسعت حدقتاها بسكون مرعب، سكون يشبه التجمّد قبل الانكسار. رفعت نظراتها من المعدن البارد الملتف حول جلدها، وثبتتها في عينيه. كان الصمت بينهما مشدوداً كوترٍ على وشك التمزق، يحمل وزناً أثقل من أي صراخ. سحبت أنفاسها ببطء، وجاء صوتها خافتاً، مبحوحاً، لكنه محمل بصقيع يقطع الهواء: — «إلى هذا الحد يا كايل؟» لم يتزحزح من موقفه، لكن ابتسامته الباهتة تلاشت تدريجياً. انحنى ليضع كوب الماء على مقربة منها، وقال بنبرة حاول أن يجعلها متماسكة: — «اشربي يا سديم. لم نصل إلى أي مكان بالغياب أو التهديد.» نظرت إلى الكوب، ثم رفعت يدها ببطء شديد، وبحركة واحدة قاطعة ودون أن ترمُش لها عين، دفعت الصينية بكاملها جانباً. ارتطم الكوب بالأرضية الخشبية ليتناثر الزجاج والماء في كل اتجاه. هنا.. لم يعد كايل ذلك الرجل الصقيعي الذي يمسك بزمام كل شيء. انكسر ثباته





