Share

الفصل 6

Author: صفو السكينة
‫في تلك الليلة، لم يعد مالك إلى الغرفة.‬

‫وفي منتصف الليل، استيقظت نور على تشنج مفاجئ في فخذها.‬

‫تحملت الألم ونهضت بصعوبة، عازمة على البحث عن مالك.‬

‫خرجت من الغرفة بشق الأنفس، ولم تصل إلى غرفة ريم إلا بعد جهد كبير.‬

‫رفعت يدها لتطرق الباب، ونادت:‬

‫"مالك، تشنجت عضلة فخذي، هل يمكنك أن..."‬

‫وقبل أن تكمل كلامها، سمعت من داخل الغرفة أنفاس امرأة لاهثة.‬

‫"مالك..."‬

‫"شش، ريم، اخفضي صوتك كي لا توقظي الطفل."‬

‫تجمدت نور في مكانها، فيما ظل الألم ينتشر في فخذها على شكل نوبات متلاحقة.‬

‫لكن ألم قلبها كان أشد بكثير من ألم جسدها.‬

‫ومن خلف الباب الخشبي، كانت تكاد تسمع كل صوت يأتي من الجهة الأخرى.‬

‫توالت الأصوات واحدًا تلو الآخر، كأنها مطارق ثقيلة تهوي على قلبها بلا رحمة.‬

‫حدقت نور في السقف، وفجأة عادت بذاكرتها إلى بداية حملها.‬

‫كان جسدها ضعيفًا، وفي الأشهر الأولى كانت تتقيأ كل يوم تقريبًا. ولم تكن تستطيع النوم ليلًا، فكثيرًا ما كانت تضطر إلى النهوض والخروج لتتقيأ.‬

‫في كل مرة، كان مالك ينهض فورًا ويلحق بها، ويربت على ظهرها برفق وهو يواسيها بحنان قائلًا:‬

‫"نور، لو كنت أعلم أن الحمل سيكون بهذه المشقة، لفضلت ألا ننجب أطفالًا طوال حياتنا!"‬

‫وفي أواخر حملها، كانت التشنجات توقظها كثيرًا في منتصف الليل، فيجلس مالك إلى جوارها ويدلك موضع الألم بصبر حتى يخف عنها.‬

‫ثمانية أشهر كاملة، ظل يعتني بها على هذا النحو ليلًا ونهارًا، من دون أن يكل.‬

‫أما الآن، فلم يكن إلى جوارها، بل كان في غرفة امرأة أخرى، يخونها معها في الفراش.‬

‫"مالك، أنا سعيدة حقًا! أخيرًا سأتمكن من الزواج منك. حتى لو لم أكن زوجتك إلا شهرًا واحدًا، فسأكون راضية تمامًا."‬

‫"أنا آسف لأنني ظلمتك وجعلتك تتحملين كل هذا. اطمئني، سأحسن معاملتك أنت والطفل من الآن فصاعدًا."‬

‫"مالك، أحبك! أحبك!"‬

‫استمرت الأصوات، بينما أخذ ألم ساق نور يهدأ تدريجيًا.‬

‫ثم خارت قواها تمامًا، فسقطت على الأرض ولم تعد تملك طاقة للنهوض.‬

‫اعترفت في قرارة نفسها بأنها خسرت، وخسرت تمامًا.‬

‫لكنها، رغم ذلك، كانت ممتنة لأنها أدركت الحقيقة في الوقت المناسب واستطاعت أن تنسحب قبل فوات الأوان.‬

‫وفي الأيام التالية، ازداد مالك وريم جرأة، وتماديا في هذا المنزل بلا أدنى تحفظ.‬

‫عند الطعام، كان مالك يضع لريم الطعام في طبقها.‬

‫وفي أوقات الراحة، كانا يجلسان في الفناء تحت الشمس، يتبادلان الأحاديث والضحكات.‬

‫وفي الليل، كانت تنبعث من غرفة ريم أصوات حميمية بين الحين والآخر.‬

‫لكن نور تجاهلت كل ذلك، وراحت تجمع أغراضها في صمت. تواصلت مع والديها المقيمين بعيدًا في الجنوب، وحجزت تذكرة القطار استعدادًا للرحيل.‬

‫وظنت أن بإمكانها قضاء الأيام المتبقية بسلام، ثم تغادر يوم إتمام الطلاق.‬

‫لكن من الواضح أن ريم لم تكن مستعدة لترك الأمور تمر بهذه السهولة.‬

‫عند الغروب، جلست نور على مقعد صغير قرب البركة، تحيك سترة صوفية لطفلها الذي لم يولد بعد.‬

‫كانت في مزاج رائع، فغدًا ستتسلم وثيقة طلاقها.‬

‫كان ذلك آخر يوم لها في بيت عائلة المنصور.‬

‫لكن يبدو أنها لن تنعم بالهدوء حتى في يومها الأخير.‬

‫ظهرت ريم فجأة أمامها وهي تحمل ابنها بين ذراعيها، وقالت:‬

‫"يبدو أنك مرتاحة البال يا نور! ستطلقين القائد مالك قريبًا، ومع ذلك ما زلت تعيشين بكل هذه الطمأنينة؟"‬

‫"في الحقيقة، كنت أعرف أنك واقفة خارج الغرفة تلك الليلة. أردت فقط أن تعرفي مدى روعة علاقتنا الآن! أنا أحبه، وهو يحبني! حتى إنه قال إنه لا يشبع مني في الفراش. أما أنت، فقال إنك شديدة التحفظ ومملة، وإنه لا يحبك إطلاقًا!"‬

‫"وبالمناسبة، غدًا نقيم احتفال مرور شهر على ولادة ابني. ستأتين للاحتفال معنا، أليس كذلك؟ فأنت في النهاية بمنزلة عمته الكبرى!"‬

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 23

    ‫"نور..."‬‫كان مالك يعرف أن أي كلام يقوله لن يكفي للتعبير عن ندمه.‬‫لذلك جثا أمام نور على ركبتيه، ونظر إليها بعينين دامعتين وقال:‬‫"أعرف أن كلامي لن يغير شيئًا، لكن أيهون عليك أن تري طفلتنا الصغيرة تكبر من دون أب؟"‬‫"ومن قال إنها بلا أب؟"‬‫رفعت نور أحد حاجبيها وقالت:‬‫"سألتقي في المستقبل رجلًا أفضل منك، وسيكون لها أب. وحتى إن لم يحدث ذلك، فلن تقبل حثالة مثلك أبًا لها! يا مالك، إن بقي فيك ذرة من الضمير، فعد من حيث أتيت الآن، ولا تظهر أمامي أنا وابنتي مرة أخرى أبدًا! وإلا أخذت ابنتي وانتقلت إلى مكان لن تتمكن من العثور علينا فيه أبدًا!"‬‫"ألا بد أن يصل الأمر إلى هذا الحد؟"‬‫انهمرت دموع مالك؛ ففي تلك اللحظة شعر بالألم حقًا.‬‫"لماذا لا تمنحينني فرصة أخيرة كما فعلت قبل ثلاث سنوات؟ فرصة واحدة فقط، أرجوك."‬‫"لن تكون هناك أي فرصة أخرى يا مالك."‬‫هزت نور رأسها، ثم قالت ببطء ووضوح:‬‫"قبل ثلاث سنوات، أعطيتك فرصة، لكنك أضعتها بنفسك. خسارتك لزوجتك وابنتك ليست إلا نتيجة أفعالك. لا تلُم أحدًا."‬‫"سأقولها لك بوضوح للمرة الأخيرة: إن كنت لا تريد لابنتك أن تقضي طفولتها متنقلة من مكان إلى آخر،

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 22

    ‫"نور، الطفلة لم تمت، صحيح؟ ابنتنا... لم تمت، صحيح؟"‬‫"نور، اخرجي وقابليني! أريد أن أرى طفلتنا! لماذا خدعتني؟ لماذا أخبرتني أنها ماتت وهي ما زالت حية؟"‬‫راح يهز البوابة الحديدية بجنون وهو يصرخ، فتجمع الجيران من حوله لمشاهدة ما يجري.‬‫كانت نور في الداخل تداعب طفلتها بين ذراعيها. وما إن سمعت صوت مالك حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة.‬‫كيف يجرؤ على سؤالها عن السبب؟‬‫فلولا أن رجاله رقوا لحالها ذلك اليوم ونقلوها إلى المستوصف، لما نجت طفلتها، وربما لما نجت هي أيضًا.‬‫لقد كادت نور تدفع حياتها ثمنًا لنجاة هذه الطفلة، ولم يعد لمالك بها أي صلة.‬‫"مالك اللعين! سأذهب وألقنه درسًا حتى يعود إلى رشده!"‬‫قال والد نور ذلك وهم بالخروج. ‬‫لكن نور ألقت نظرة على مالك الذي كان محاطًا بالجيران، وفي النهاية قررت أن تخرج وتتحدث معه بنفسها.‬‫"يا أبي، دعني أذهب. إن لم أحسم الأمر مع مالك بوضوح، فسيواصل ملاحقتي طوال حياتي. لقد تعبت حقًا، ولم أعد أريد أن أبقى عالقة معه في هذه الدوامة."‬‫"حسنًا، أعطيني الطفلة إذن..."‬‫مدت والدة نور يديها لتأخذ الطفلة منها، لكن نور لم تتحرك.‬‫"لا داعي. سأصطحب الطفلة ل

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 21

    ‫"ما الذي يريده مالك بالضبط؟"‬‫ما إن علم والد نور بما فعله مالك حتى راح يصيح بأنه سيذهب إلى المنزل المقابل لمحاسبته.‬‫ولم يكن بوسع نور سوى أن تطلب منه أن يهدأ.‬‫كان مالك يوجه الخدم إلى إدخال الأثاث الجديد وترتيبه في المنزل، وحين استدار، رأى والد نور واقفًا خلفه.‬‫"أبي! أخيرًا رضيت أن تأتي لرؤيتي."‬‫"تمهل. من الأفضل أن تنتبه إلى طريقة مناداتك لي، أيها القائد مالك. لقد طلقت ابنتي، ولست أباك، ولن أكون أباك بعد اليوم."‬‫قاطعه والد نور وقال بصوت صارم:‬‫"أخبرني، ما الذي تريده بالضبط من شرائك هذا المنزل؟"‬‫"أبي، أعرف أنني أخطأت. جئت هذه المرة لأطلب من نور أن تسامحني."‬‫قال مالك بصوت منخفض ومليء بالندم:‬‫"إن لم تسامحني نور، فسأعيش هنا ما بقي من عمري، حتى تسامحني."‬‫"يا لك من وقح!"‬‫لم يستطع والد نور كظم غضبه في النهاية، فأشار إليه وراح يوبخه:‬‫"أما زلت تذكر ما قلته قبل ثلاث سنوات؟ قلت الكلام نفسه حينها. قلت إنك عرفت خطأك، وإنك لن ترى تلك المرأة مجددًا ولن تخون نور أبدًا. وماذا كانت النتيجة؟ لم تقطع علاقتك بها، بل واصلت خيانة ابنتي معها طوال ثلاث سنوات من وراء ظهرها. والآن، بعد أن

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 20

    ‫في منزل عائلة السالمي.‬‫حين وصل مالك، كان الوقت قد تجاوز الظهر.‬‫أمضى يومًا كاملًا في القطار، حتى أنهكه التعب.‬‫ومع ذلك، لم يتوقف ليستريح، بل توجه إلى منزل عائلة السالمي فور وصوله.‬‫قبل ثلاث سنوات، كان قد جاء إلى هذا المنزل أيضًا ليأخذ نور معه.‬‫وآنذاك، وعدها أمام والديها بأنه لن يخذلها مرة أخرى ما دام حيًا.‬‫لكن لم تمض سوى ثلاث سنوات حتى أخطأ مجددًا.‬‫بل كان خطؤه هذه المرة أفدح مما ارتكبه قبل ثلاث سنوات.‬‫كان يخجل من مواجهة نور، بل لم يكن يملك حتى وجهًا يقابل به والديها.‬‫"عفوًا يا سيدي، من تريد؟"‬‫لاحظت خادمة عائلة السالمي وجود رجل غريب عند الباب، فسألته بحذر:‬‫"إن لم يكن لديك شأن هنا، فالرجاء أن تغادر، وإلا فسأتصل بالشرطة."‬‫كانت الخادمة جديدةً، لذلك لم تكن تعرف مالك.‬‫"أنا زوج نور، وقد جئت لرؤيتها."‬‫"أأنت طليق الآنسة نور؟"‬‫كان جميع أفراد عائلة السالمي يعرفون ما مرت به نور.‬‫وما إن عرفت الخادمة من يكون حتى شعرت بنفور شديد منه.‬‫"عذرًا، الآنسة نور ما زالت في فترة النفاس، وليس لديها وقت لمقابلتك. ارحل من هنا فورًا!"‬‫وبعد أن قالت ذلك، استدارت وعادت إلى الداخل.‬‫ل

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 19

    ‫"هاهاها..."‬‫ضحك مالك فجأة.‬‫لقد استحق أن تصل به الأمور إلى هذا الحد. نعم، كان يستحق ذلك!‬‫"مالك، اسمعني أرجوك. لقد سمعتني خطأ حقًا، الطفل ابنك!"‬‫استجمعت ريم شجاعتها ونزلت من السرير، ثم اقتربت منه محاولة إسناده، لكنه دفعها بعيدًا بعنف.‬‫"لا تلمسيني أيتها الحقيرة! سأمنحك فرصة أخيرة. أخبريني، هل ذلك الطفل ابني أم لا؟"‬‫"لا تنتظري حتى أجري فحص الأبوة، فحين تظهر النتيجة لن ينفعك الندم."‬‫"مالك!"‬‫وما إن قال ذلك حتى جثت ريم أمامه وانفجرت في بكاء مرير:‬‫"ما حدث كان مجرد خطأ! في ذلك اليوم اتصلت بك وطلبت منك أن تأتي إلى منزلي، لكنك رفضت. غضبت وخرجت لأشرب، وحين استيقظت في اليوم التالي، كنت قد... أقسم إن ما حدث لم يكن مقصودًا! أنا لا أعرف ذلك الرجل أصلًا، ولم أتواصل معه مرةً أخرى بعد ذلك!"‬‫"صدقني، حتى لو لم يكن الطفل من صلبك، يمكنه أن يناديك أبي، وأن يرعاك في شيخوختك. لن تخسر شيئًا، أليس كذلك؟"‬‫"اخرسي!"‬‫ارتجف مالك من شدة الغضب، ثم رفع يده وصفعها بقوة على وجهها.‬‫"رائع يا ريم! لقد تلاعبت بي وجعلتني أضحوكة طوال هذا الوقت!"‬‫"ومن أجل امرأة مثلك، آذيت نور مرة تلو الأخرى!"‬‫"أتضرب

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 18

    ‫كان مالك في السيارة حين سمع ما قاله رجاله، فاشتد توتره إلى أقصى حد.‬‫باتت محطة القطار أمام عينيه، ولم يعد يفصلهم عن موعد انطلاق القطار سوى وقت قصير.‬‫لكن ريم اختارت هذا الوقت بالذات لتهدد بالانتحار!‬‫لو أرادت أن تموت وحدها، فليكن، لكنها أرادت أن تأخذ الطفل معها أيضًا.‬‫لقد فقدت عقلها حقًا!‬‫"ماذا نفعل، أيها القائد مالك؟ هل نواصل طريقنا إلى المحطة؟"‬‫"ريم مجنونة، وهي قادرة على فعل أي شيء. إن غادرت حقًا، فأخشى أن تأخذ الطفل معها وتنتحر."‬‫صرف مالك نظره عن محطة القطار، وقال بصوت مرتجف:‬‫"عد بنا."‬‫"حاضر!"‬‫وقبل أن تصل السيارة إلى البيت بقليل، تلقى مالك اتصالًا آخر من أحد رجاله يخبره بأن ريم فقدت قدرًا كبيرًا من الدم ونقلت إلى المستوصف، بينما لم يصب الطفل بأذى.‬‫كان موعد القطار قد فات بالفعل، فلم يجد مالك بدًا من التوجه إلى المستوصف.‬‫وما إن وصل إلى باب الغرفة حتى سمع الحوار الدائر في الداخل.‬‫"ريم، هل فقدت عقلك؟ هل حاولت الانتحار فعلًا؟"‬‫"لقد كدت تموتين، هل تدركين ذلك؟"‬‫"أحقًا كنت مستعدةً للتضحية بحياتك من أجل مالك؟ وأنت لا تعانين من الاكتئاب أصلًا... انظري إلى ما فعلته

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status