Share

الفصل 8

Author: صفو السكينة
‫"ألا تستطيع المرأة الحامل السباحة؟"‬

‫أطلق مالك ضحكة ساخرة، ثم قال:‬

‫"إنها تستغل حملها، وتستغل حبي وتدليلي لها، ولذلك لم تعد تعبأ بكلامي! ريم، هيا بنا إلى الداخل ولا شأن لنا بها! وحتى إن فقدت طفلها حقًا، فإنما تجني عاقبة أفعالها!"‬

‫ظلت نور في مياه البركة، تراقب مالك وهو يبتعد برفقة ريم، محيطًا إياها بكل اهتمامه وحمايته، وفجأة ضحكت بمرارة.‬

‫لكن دموعها انهمرت في اللحظة نفسها بلا توقف.‬

‫تذكرت اليوم الذي اكتشفت فيه حملها، وكيف بكى مالك يومها حتى احمرت عيناه.‬

‫احتضنها يومها، وظل يردد:‬

‫"نور، أخيرًا أصبح لدينا طفل! لن تتركيني أبدًا بعد اليوم! أنا مالك المنصور، أقسم لك أنني سأحميك أنت وطفلنا من أي ظلم أو أذى ما حييت."‬

‫لكن ماذا يفعل بها الآن؟ من أجل امرأة لا تكف عن الكذب، صفعها وهي حامل حتى أسقطها في البركة!‬

‫ولم يكتف بذلك، بل أجبرها على انتشال تميمة الحماية الخاصة بطفل تلك المرأة!‬

‫أشفق أحد رجال مالك عليها حين رآها، لكنه ظل يحثها قائلًا:‬

‫"سيدة نور، أسرعي بالبحث عنها. أنت في شهرك التاسع، وقد تلدين في أي لحظة. أخشى أن يصيبك مكروه."‬

‫حتى رجل لا تربطها به صلة خاف عليها، أما مالك فكان قاسيًا إلى هذا الحد.‬

‫لم تقل شيئًا. عضت شفتها، ثم خفضت رأسها وغاصت تحت الماء، وراحت تبحث عن التميمة مرة تلو أخرى.‬

‫منذ الصباح وحتى حل الظلام، أخذت مياه البركة تزداد برودة، حتى راحت نور ترتجف من شدة البرد، ومع ذلك لم تعثر على التميمة.‬

‫كانت في شهرها الثامن من الحمل، وقد أثقل الحمل جسدها وأرهقها بشدة. وفي كل مرة كانت تغوص إلى قاع البركة وتتحسس بحثًا عن التميمة، كان الألم يكاد يمزقها من الداخل.‬

‫حتى الرجال الواقفون على الضفة كادوا يعجزون عن مواصلة النظر.‬

‫"لقد بلغت الساعة العاشرة. إن استمر الأمر هكذا، فسيصيب السيدة نور مكروه."‬

‫"لكننا لا نستطيع مخالفة أوامر القائد مالك!"‬

‫بعد أربع ساعات كاملة في الماء، كانت يدا نور وقدماها قد شحبتا وانتفختا من طول بقائهما مغمورتين.‬

‫وحين أوشكت على فقدان قدرتها على الاحتمال، بدأ طفلها يتحرك بعنف في بطنها، ركلة تلو الأخرى.‬

‫اشتدت الحركة شيئًا فشيئًا، حتى تحولت إلى نوبات متلاحقة من الألم أسفل بطنها، وبلغ الألم حدًا جعل العرق البارد يتصبب منها.‬

‫ثم أحست بسائل ينساب من بين ساقيها.‬

‫وسرعان ما صاح أحد الرجال في ذعر:‬

‫"يا إلهي، إنه دم! اسحبوا السيدة نور إلى الضفة بسرعة، واتصلوا بالقائد مالك حالًا!"‬

‫جاء الرد سريعًا، لكنهم سمعوا صوت ريم على الطرف الآخر.‬

‫"قائدكم مالك مشغول الآن بابني، وليس لديه وقت ليأتي. وقد قال بنفسه إن نور لن تخرج من الماء ما لم تعثر على تميمة الحماية!"‬

‫ثم أغلقت ريم الخط. نظر الرجال إلى نور التي لم يبق فيها إلا رمق، وقالوا بقلق:‬

‫"كفى، لنسرع بنقل السيدة نور إلى المستوصف، وإلا فقد الطفل حياته أيضًا!"‬

‫وحين حملوها وأسرعوا بها خارج المنزل، التفتت نور وألقت نظرة أخيرة عليه.‬

‫كانت نوافذه تشع بضوء دافئ. لا بد أن مالك كان برفقة ريم وابنها، ينعم بدفء لمتهم العائلية.‬

‫أما هي؟‬

‫فكانت هي وطفلها على وشك الموت.‬

‫لم تصل إلى المستوصف إلا في الساعات الأولى من الفجر. كانت التقلصات تعتصر بطنها، فيما أخذ السواد يطبق على عينيها.‬

‫أسرع الممرض بإدخالها إلى غرفة العمليات وهو يصيح بقلق: ‬

‫"أسرعوا! الحامل تنزف، ويبدو أنها على وشك الولادة!"‬

‫"أنقذوا طفلي..."‬

‫"اطمئني، سنبذل أقصى ما نستطيع."‬

‫ثم سأل الممرض بقلق:‬

‫"أين أهل المريضة؟ استدعوهم فورًا!"‬

‫لم يجرؤ رجال مالك على التردد، فعادوا يتصلون به.‬

‫اتصلوا مرارًا، لكنه لم يجب على أي مكالمة.‬

‫وفي النهاية، أغلق الخط في وجوههم.‬

‫قال أحد الحراس بحرج:‬

‫"القائد مالك مشغول..."‬

‫نظر إليهم الممرض بذهول وقال:‬

‫"السيدة نور في هذه الحالة، فما الذي يشغله عنها؟ لا يجيب على الهاتف، بل ويغلق الخط في وجوهكم! ماذا سنفعل إن حدث للحامل مكروه أثناء العملية؟"‬

‫‬

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 23

    ‫"نور..."‬‫كان مالك يعرف أن أي كلام يقوله لن يكفي للتعبير عن ندمه.‬‫لذلك جثا أمام نور على ركبتيه، ونظر إليها بعينين دامعتين وقال:‬‫"أعرف أن كلامي لن يغير شيئًا، لكن أيهون عليك أن تري طفلتنا الصغيرة تكبر من دون أب؟"‬‫"ومن قال إنها بلا أب؟"‬‫رفعت نور أحد حاجبيها وقالت:‬‫"سألتقي في المستقبل رجلًا أفضل منك، وسيكون لها أب. وحتى إن لم يحدث ذلك، فلن تقبل حثالة مثلك أبًا لها! يا مالك، إن بقي فيك ذرة من الضمير، فعد من حيث أتيت الآن، ولا تظهر أمامي أنا وابنتي مرة أخرى أبدًا! وإلا أخذت ابنتي وانتقلت إلى مكان لن تتمكن من العثور علينا فيه أبدًا!"‬‫"ألا بد أن يصل الأمر إلى هذا الحد؟"‬‫انهمرت دموع مالك؛ ففي تلك اللحظة شعر بالألم حقًا.‬‫"لماذا لا تمنحينني فرصة أخيرة كما فعلت قبل ثلاث سنوات؟ فرصة واحدة فقط، أرجوك."‬‫"لن تكون هناك أي فرصة أخرى يا مالك."‬‫هزت نور رأسها، ثم قالت ببطء ووضوح:‬‫"قبل ثلاث سنوات، أعطيتك فرصة، لكنك أضعتها بنفسك. خسارتك لزوجتك وابنتك ليست إلا نتيجة أفعالك. لا تلُم أحدًا."‬‫"سأقولها لك بوضوح للمرة الأخيرة: إن كنت لا تريد لابنتك أن تقضي طفولتها متنقلة من مكان إلى آخر،

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 22

    ‫"نور، الطفلة لم تمت، صحيح؟ ابنتنا... لم تمت، صحيح؟"‬‫"نور، اخرجي وقابليني! أريد أن أرى طفلتنا! لماذا خدعتني؟ لماذا أخبرتني أنها ماتت وهي ما زالت حية؟"‬‫راح يهز البوابة الحديدية بجنون وهو يصرخ، فتجمع الجيران من حوله لمشاهدة ما يجري.‬‫كانت نور في الداخل تداعب طفلتها بين ذراعيها. وما إن سمعت صوت مالك حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة.‬‫كيف يجرؤ على سؤالها عن السبب؟‬‫فلولا أن رجاله رقوا لحالها ذلك اليوم ونقلوها إلى المستوصف، لما نجت طفلتها، وربما لما نجت هي أيضًا.‬‫لقد كادت نور تدفع حياتها ثمنًا لنجاة هذه الطفلة، ولم يعد لمالك بها أي صلة.‬‫"مالك اللعين! سأذهب وألقنه درسًا حتى يعود إلى رشده!"‬‫قال والد نور ذلك وهم بالخروج. ‬‫لكن نور ألقت نظرة على مالك الذي كان محاطًا بالجيران، وفي النهاية قررت أن تخرج وتتحدث معه بنفسها.‬‫"يا أبي، دعني أذهب. إن لم أحسم الأمر مع مالك بوضوح، فسيواصل ملاحقتي طوال حياتي. لقد تعبت حقًا، ولم أعد أريد أن أبقى عالقة معه في هذه الدوامة."‬‫"حسنًا، أعطيني الطفلة إذن..."‬‫مدت والدة نور يديها لتأخذ الطفلة منها، لكن نور لم تتحرك.‬‫"لا داعي. سأصطحب الطفلة ل

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 21

    ‫"ما الذي يريده مالك بالضبط؟"‬‫ما إن علم والد نور بما فعله مالك حتى راح يصيح بأنه سيذهب إلى المنزل المقابل لمحاسبته.‬‫ولم يكن بوسع نور سوى أن تطلب منه أن يهدأ.‬‫كان مالك يوجه الخدم إلى إدخال الأثاث الجديد وترتيبه في المنزل، وحين استدار، رأى والد نور واقفًا خلفه.‬‫"أبي! أخيرًا رضيت أن تأتي لرؤيتي."‬‫"تمهل. من الأفضل أن تنتبه إلى طريقة مناداتك لي، أيها القائد مالك. لقد طلقت ابنتي، ولست أباك، ولن أكون أباك بعد اليوم."‬‫قاطعه والد نور وقال بصوت صارم:‬‫"أخبرني، ما الذي تريده بالضبط من شرائك هذا المنزل؟"‬‫"أبي، أعرف أنني أخطأت. جئت هذه المرة لأطلب من نور أن تسامحني."‬‫قال مالك بصوت منخفض ومليء بالندم:‬‫"إن لم تسامحني نور، فسأعيش هنا ما بقي من عمري، حتى تسامحني."‬‫"يا لك من وقح!"‬‫لم يستطع والد نور كظم غضبه في النهاية، فأشار إليه وراح يوبخه:‬‫"أما زلت تذكر ما قلته قبل ثلاث سنوات؟ قلت الكلام نفسه حينها. قلت إنك عرفت خطأك، وإنك لن ترى تلك المرأة مجددًا ولن تخون نور أبدًا. وماذا كانت النتيجة؟ لم تقطع علاقتك بها، بل واصلت خيانة ابنتي معها طوال ثلاث سنوات من وراء ظهرها. والآن، بعد أن

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 20

    ‫في منزل عائلة السالمي.‬‫حين وصل مالك، كان الوقت قد تجاوز الظهر.‬‫أمضى يومًا كاملًا في القطار، حتى أنهكه التعب.‬‫ومع ذلك، لم يتوقف ليستريح، بل توجه إلى منزل عائلة السالمي فور وصوله.‬‫قبل ثلاث سنوات، كان قد جاء إلى هذا المنزل أيضًا ليأخذ نور معه.‬‫وآنذاك، وعدها أمام والديها بأنه لن يخذلها مرة أخرى ما دام حيًا.‬‫لكن لم تمض سوى ثلاث سنوات حتى أخطأ مجددًا.‬‫بل كان خطؤه هذه المرة أفدح مما ارتكبه قبل ثلاث سنوات.‬‫كان يخجل من مواجهة نور، بل لم يكن يملك حتى وجهًا يقابل به والديها.‬‫"عفوًا يا سيدي، من تريد؟"‬‫لاحظت خادمة عائلة السالمي وجود رجل غريب عند الباب، فسألته بحذر:‬‫"إن لم يكن لديك شأن هنا، فالرجاء أن تغادر، وإلا فسأتصل بالشرطة."‬‫كانت الخادمة جديدةً، لذلك لم تكن تعرف مالك.‬‫"أنا زوج نور، وقد جئت لرؤيتها."‬‫"أأنت طليق الآنسة نور؟"‬‫كان جميع أفراد عائلة السالمي يعرفون ما مرت به نور.‬‫وما إن عرفت الخادمة من يكون حتى شعرت بنفور شديد منه.‬‫"عذرًا، الآنسة نور ما زالت في فترة النفاس، وليس لديها وقت لمقابلتك. ارحل من هنا فورًا!"‬‫وبعد أن قالت ذلك، استدارت وعادت إلى الداخل.‬‫ل

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 19

    ‫"هاهاها..."‬‫ضحك مالك فجأة.‬‫لقد استحق أن تصل به الأمور إلى هذا الحد. نعم، كان يستحق ذلك!‬‫"مالك، اسمعني أرجوك. لقد سمعتني خطأ حقًا، الطفل ابنك!"‬‫استجمعت ريم شجاعتها ونزلت من السرير، ثم اقتربت منه محاولة إسناده، لكنه دفعها بعيدًا بعنف.‬‫"لا تلمسيني أيتها الحقيرة! سأمنحك فرصة أخيرة. أخبريني، هل ذلك الطفل ابني أم لا؟"‬‫"لا تنتظري حتى أجري فحص الأبوة، فحين تظهر النتيجة لن ينفعك الندم."‬‫"مالك!"‬‫وما إن قال ذلك حتى جثت ريم أمامه وانفجرت في بكاء مرير:‬‫"ما حدث كان مجرد خطأ! في ذلك اليوم اتصلت بك وطلبت منك أن تأتي إلى منزلي، لكنك رفضت. غضبت وخرجت لأشرب، وحين استيقظت في اليوم التالي، كنت قد... أقسم إن ما حدث لم يكن مقصودًا! أنا لا أعرف ذلك الرجل أصلًا، ولم أتواصل معه مرةً أخرى بعد ذلك!"‬‫"صدقني، حتى لو لم يكن الطفل من صلبك، يمكنه أن يناديك أبي، وأن يرعاك في شيخوختك. لن تخسر شيئًا، أليس كذلك؟"‬‫"اخرسي!"‬‫ارتجف مالك من شدة الغضب، ثم رفع يده وصفعها بقوة على وجهها.‬‫"رائع يا ريم! لقد تلاعبت بي وجعلتني أضحوكة طوال هذا الوقت!"‬‫"ومن أجل امرأة مثلك، آذيت نور مرة تلو الأخرى!"‬‫"أتضرب

  • لا تبدد الرياح أحلام الأمس   الفصل 18

    ‫كان مالك في السيارة حين سمع ما قاله رجاله، فاشتد توتره إلى أقصى حد.‬‫باتت محطة القطار أمام عينيه، ولم يعد يفصلهم عن موعد انطلاق القطار سوى وقت قصير.‬‫لكن ريم اختارت هذا الوقت بالذات لتهدد بالانتحار!‬‫لو أرادت أن تموت وحدها، فليكن، لكنها أرادت أن تأخذ الطفل معها أيضًا.‬‫لقد فقدت عقلها حقًا!‬‫"ماذا نفعل، أيها القائد مالك؟ هل نواصل طريقنا إلى المحطة؟"‬‫"ريم مجنونة، وهي قادرة على فعل أي شيء. إن غادرت حقًا، فأخشى أن تأخذ الطفل معها وتنتحر."‬‫صرف مالك نظره عن محطة القطار، وقال بصوت مرتجف:‬‫"عد بنا."‬‫"حاضر!"‬‫وقبل أن تصل السيارة إلى البيت بقليل، تلقى مالك اتصالًا آخر من أحد رجاله يخبره بأن ريم فقدت قدرًا كبيرًا من الدم ونقلت إلى المستوصف، بينما لم يصب الطفل بأذى.‬‫كان موعد القطار قد فات بالفعل، فلم يجد مالك بدًا من التوجه إلى المستوصف.‬‫وما إن وصل إلى باب الغرفة حتى سمع الحوار الدائر في الداخل.‬‫"ريم، هل فقدت عقلك؟ هل حاولت الانتحار فعلًا؟"‬‫"لقد كدت تموتين، هل تدركين ذلك؟"‬‫"أحقًا كنت مستعدةً للتضحية بحياتك من أجل مالك؟ وأنت لا تعانين من الاكتئاب أصلًا... انظري إلى ما فعلته

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status