LOGINلم تجب دوشكا فورًا.، مدت يدها وأمسكت بيد تارا، لكن دون أن تقترب منها كما فعلت قبل قليل... ابتسمت تارا ابتسامة خفيفة ثم سحبت يدها وعادت إلى مكانهاراقبتها خرقاء للحظات، قبل أن تستدير نحو والدها— علينا أن نتابع السير... لا يمكننا البقاء هنا أكثر.أومأ والدها موافقًا، ثم أشار إلى آرم وعمير بالتقدم، بينما تولى قاسم التأكد من سلامة الحبل الذي يربط أفراد المجموعة، أما تارا فقد بقيت خارج الرباط بعد أن قطعته ولم يبادر أحد إلى إعادة ربطها بهااستأنفوا طريقهم بحذر... كان الممر يضيق شيئًا فشيئًا والجدران الصخرية ترتفع على جانبيه حتى حجبت معظم السماء، اختفت الأصوات التي كانت ترافقهم منذ دخول الوادي ولم تعد تصلهم همسات أو نداءات أو أصوات تشبه أصوات أحبائهمحلّ صمت ثقيل، لم يقطعه سوى وقع أقدامهم واحتكاك أسلحتهم بأغمادهاقال عمير وهو يتكئ على آرم:— لا أعرف إن كان هذا الصمت يطمئنني أم يجعلني أتوقع كارثة أكبر.رد آرم بهدوء:— أحيانًا يكون غياب الصوت أخطر من وجوده.— كنت أتمنى لو أنك لا تجيد قول أشياء كهذه.لم يعلق آرم واكتفى بمساعدته على تجاوز نتوء صخري بارز، في الخلف كانت خرقاء تسير بالقرب من دوشكا
لم يمضِ وقت طويل قبل أن يقرر والد خرقاء استئناف السير، كان البقاء في ذلك الموضع مخاطرة لا تقل عن التقدم خصوصًا بعد عودة الأجراس إلى الرنين بين الحين والآخرأعاد الجميع ترتيب مواقعهم وأمسكوا بالحبل من جديد، بينما بقيت خرقاء قريبة من تارا أكثر مما كانت عليه سابقًاتحركت المجموعة ببطء وكان عمير لا يزال يتكئ على آرم، فيما راحت دوشكا تسير إلى جوار تارا تسألها بين حين وآخر إن كانت تشعر بأي ألم أو دوار— أنا بخير يا دوشكا، لا داعي لأن تقلقي إلى هذا الحد.قالت تارا ذلك بابتسامة هادئة، ثم أضافت:— يكفي أنني عدت إليكم.ابتسمت دوشكا، لكنها لم تترك يدهاأما خرقاء، فكانت تراقب تارا من طرف عينها وبعد مسافة قصيرة، لاحظت أمرًا غريبًا؛ لم تكن تارا تنظر إلى الطريق أمامها كما يفعل البقية، بل ترفع عينيها بين حين وآخر نحو الصخور المحيطة وكأنها تبحث عن شيء محددثم توقفت فجأة— ماذا هناك؟- سألتها دوشكا. لم تجب تارا مباشرة... ظلت تحدق في شق ضيق بين صخرتين، قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة— لا شيء... ظننت أنني رأيت شيئًا.— ماذا رأيتِ؟. التفتت إليها تارا— لا أعرف، ربما مجرد ظل.تابعت السير، لكن خرقاء لاحظت أنها
- آسر...؟تجمّد الجميع في أماكنهم... كان الصوت آتيًا من عمق الضباب، خافتًا في البداية لكنه واضح بما يكفي ليجعل قلوبهم تقفز في صدورهماستدار آسر بسرعة واتجهت أنظار الآخرين نحو الممر الذي اختفت فيه تارا، ثم ظهرت هيئة بشرية بين خيوط الضبابخطوة... ثم أخرى.... أخذت الملامح تتضح تدريجيًا، حتى خرجت تارا من العتمة تسير نحوهم بابتسامة هادئة غريبة لا تشبه تمامًا تعبير وجهها المعتادتوقفت على مسافة منهم ورفعت يدها بتحية صغيرة- لقد عدت.لم يتحرك أحد... ظل آسر يحدق فيها وكأنه يخشى أن يرمش فتختفي مجددًاأما دوشكا، فقد انتفضت من مكانها وكادت تندفع نحوها لولا أن خرقاء أمسكت بذراعها بسرعة- انتظري. التفتت دوشكا إليها بعينين مذعورتين- إنها تارا... اتركيني... - لا نعرف ذلك بعد.- ماذا تقصدين؟ إنها أمامنا. شدّت خرقاء قبضتها على ذراعها وأبقت عينيها مثبتتين على القادمة من الضباب- وهل نسيتِ ما فعله بنا هذا المكان؟ لقد سمعنا أصواتًا ورأينا وجوهًا نعرفها وكادت تلك الأوهام تبتلعنا... لا تندفعي قبل أن نتأكد.ترددت دوشكا، لكن عينيها لم تفارقا تارافي المقابل، تقدمت الأخيرة خطوة أخرى ثم ابتسمت ابتسامة أوسع
ظلّ آسر واقفًا في مكانه ويده ممدودة نحو الفراغ الذي ابتلع تارا، كأن عقله لم يستوعب بعد أنها لم تعد معهملم يتحرك أحد... كان صوت الجرس لا يزال يتردد بين الصخور، لكن رنينه لم يعد يشبه صوتًا صادرًا من مكان بعيد؛ بدا كأنه ينبعث من داخل رؤوسهم، يتسلل إلى عظامهم ويهزّ شيئًا عميقًا في صدورهمثم بدأت الأرض ترتجف، ارتجافة خفيفة أولًا، أعقبتها أخرى أقوى، حتى أخذت الحصى تقفز حول أقدامهم... ارتفع الضباب من شقوق الأرض، لا كدخان يتصاعد، بل كأيدٍ بيضاء طويلة تزحف فوق الصخور وتلتف حولها— تارا...؟. خرج صوت خرقاء مترددًا ولم تجد في نفسها الجرأة على تكرار الاسم، استدار آسر نحوهم أخيرًا وكانت ملامحه مشدودة على نحو لم يعتادوه منه— لقد ذهبت إلى هناك... رأيتم ذلك، أليس كذلك؟ لقد كانت أمامنا منذ لحظات. — نعرف ما رأيناه-قال قاسم بحدة محاولًا أن يخفي اضطرابه، لكن عينيه كانتا معلقتين بالضباب— إذن لماذا نقف؟!_ صاح آسر.اندفع خطوة إلى الأمام، إلا أن والد خرقاء أمسك بالحبل المتبقي وشدّه بقوة— لن تذهب خلفها هكذا. — اتركني. — انظر إلى ما حدث... لقد قطعَت الحبل وركضت وراء شيء لا نعرف إن كان موجودًا أصلًا...
لم يتحرك أحد بعد تحذير والد خرقاء...ظل الجميع في أماكنهم وقد اتجهت أنظارهم نحو الأعلى بحثًا عن مصدر الصوتلم تمضِ سوى لحظات حتى دوّى صوت ارتطام مفاجئ أعقبه تدحرج صخور من مكان مرتفع، التفتوا جميعًا نحو المنحدر الصخري المحاذي للممر، حيث بدأت الحصى الصغيرة تتساقط أولًا، ثم تبعتها قطع صخرية أكبر أخذت ترتطم ببعضها في طريقها إلى الأسفل ناشرةً غبارًا كثيفًا في الهواءشدّ آرم ذراعه حول عمير وأمسك الأخير بالحبل بقوة، بينما تراجعت خرقاء خطوة بحذر— ما هذا؟! هل انهار جزء من الجبل؟. قال عمير وهو يرفع رأسهلم يجبه أحد فورًا... فقد استمر صوت الصخور لبعض الوقت، قبل أن يخفت تدريجيًا ويحل محله صمت ثقيلظل والد خرقاء يراقب المنحدر بعينين متيقظتين، ثم التفت إليهم وقال بنبرة هادئة:— ربما كان ذلك تحذيرًا آخر من الوادي وربما مجرد تساقط طبيعي للصخور... لا يمكننا الجزم الآن.نظر قاسم إلى الجرس الذي بدا أنه أطلق تلك الأحداث، ثم قال:— أتظن أن الأمرين قد يكونان مرتبطين؟. أجابه والد خرقاء دون أن يصرف نظره عن الأعلى:— في هذا المكان، لا ينبغي أن نستبعد شيئًا، لكن ليس علينا أيضًا أن نعتبر كل صوت تهديدًا... علين
انتقل الوادي هذه المرة إلى آسر الذي كان يسير في مؤخرة المجموعة، حاول التركيز على الطريق أمامه متجاهلًا ما يحيط به من همسات وظلال متحركة... ومنذ دخولهم الوادي لم يُبعد عينيه تقريبًا عن ظهر تارا التي تسير أمامه وكأنه اتخذ من خطواتها الثابتة مرساةً تحميه من ألاعيب المكانظل على حاله حتى سمع ذلك الصوتصوت طفل صغير، بريء ورقيق، سبق أن سمعه في بداية دخولهم الوادي... لكنه هذه المرة بدا أوضح وأكثر قربًا... والأهم أنه كان صوت شخص يعرفه جيدًاأخاه الصغير، ليثتجمدت خطواته للحظة، ثم انحرفت عيناه تلقائيًا نحو مصدر الصوت، وهناك حدث ما كان يخشاه... تلاشى الوادي من حوله ووجد نفسه يعود ثلاثة عشر عامًا إلى الوراء، إلى يوم كان فيه طفلًا في الثامنة من عمره، يلعب مع أخيه ليث أمام كوخهما الصغير الذي يتوسط الغابةكان ليث يصغره بعامين وكان يرافقه في معظم أوقاته... وفي ذلك اليوم، كانا يركضان ويقفزان أمام الكوخ، بينما انبعث صوت والدتهما من الداخل:- آسر... لا تبتعدا كثيرًا.. التفت إليها آسر وأجابها ببراءة والابتسامة تملأ وجهه:- حاضر يا أمي. ثم عاد إلى اللعب مع أخيه ولم ينتبه الاثنان إلى أنهما ابتعدا تدريجي






