LOGINجلس أحمد في المقعد المعتاد في عيادة الدكتور رأفت، ذلك المقعد الجلدي الذي بدأ يشعر تجاهه بألفة غريبة، وكأن جسده تعلّم كيف يرتاح فيه بمرور الجلسات. كانت هذه الجلسة الخامسة، وشعر أن شيئاً في طريقة دخوله للعيادة تغيّر: لم يعد يأتي بذلك الثقل الذي كان يجرّه خلفه في الجلسات الأولى. "كيف كان أسبوعك؟" سأل الدكتور رأفت، كعادته في بداية كل جلسة. "جيد، فعلياً. أنهيت مرحلة من المشروع في العمل، وتناولت العشاء مع أبي وكريم معاً، المرة الأولى التي نجلس فيها نحن الثلاثة دون مناسبة رسمية." توقف الدكتور رأفت عن الكتابة للحظة ونظر إليه. "لاحظت شيئاً في الطريقة التي رويت بها هذا الخبر." "ماذا تقصد؟" "في الجلسات الأولى، كنت تروي كل تقدم في العلاقة مع أخيك أو أبيك وكأنه إنجاز يحتاج إثباتاً، دليلاً على أنك تستحق الغفران. الآن رويته وكأنه ببساطة... جزء من حياتك." فكر أحمد في الملاحظة قليلاً، محاولاً أن يشعر بصحتها من الداخل قبل أن يوافق عليها لفظياً. "ربما لأنني توقفت عن الانتظار أن يُثبت لي أحد أنني غُفر لي. بدأت فقط... أعيش العلاقة كما هي، دون حساب دائم." "هذا تحول مهم." قال الدكتور رأفت، ثم أضاف بع
رنّ هاتف راما بعد العشاء بمكالمة لم تتوقعها: نور، صديقة سارة القديمة، التي لم تكن تربطها براما صداقة مباشرة بقدر ما كانت تربطهما دائرة معارف مشتركة، ومحادثات عابرة كلما التقين في مناسبة أو زيارة قصيرة. "مرحباً؟" أجابت راما بشيء من الدهشة الظاهرة في صوتها. "أعرف أن هذا غريب بعض الشيء، أن أتصل بك مباشرة هكذا." قالت نور بضحكة خفيفة تكسر الحرج. "لكن سارة أعطتني رقمك منذ فترة، وقالت إنك لن تمانعي إن اتصلت يوماً." "لا أمانع أبداً. كيف حالك؟ وكيف حال سارة؟" جلست راما على حافة سريرها، مستعدة لمحادثة لم تكن تتوقعها لكنها لم تكن تمانعها أيضاً. "سارة بخير، مستقرة في المدينة الجديدة. تحدثنا قبل يومين، وذكرت اسمك في الحديث، فتذكرت أنني كنت أنوي الاتصال بك منذ أسابيع دون أن أفعل." تحدثتا قليلاً عن سارة، عن كيف بدت صوتها أهدأ في المكالمات الأخيرة، وكيف بدأت تتأقلم مع وظيفتها الجديدة ومدينتها الجديدة دون أن تفقد شيئاً من روحها المرحة التي عرفتها راما بها. "في الحقيقة،" قالت نور بعد فترة، "اتصلت بك لسبب آخر أيضاً. أنا انتقلت مؤخراً للعمل في نفس المدينة التي تسكن فيها سارة، ونلتقي كثيراً الآن، وب
كان عشاء الثلاثاء عادة ثابتة بين الأب وأحمد منذ أشهر، طقساً صامتاً لم يحتج يوماً إلى إعلان أو تفسير. لكن هذا الثلاثاء كان مختلفاً؛ إذ وقف الأب في المطبخ يُعد الطاولة لثلاثة أشخاص لا لشخصين، بينما كانت الأم تراقبه من بعيد بابتسامة لم تحاول إخفاءها. "هل أنت متأكد أنك تريد ثلاثة أطباق؟" سألته مازحة وهي تمرر بجانبه حاملة صينية الخضار. "كريم اتصل صباح اليوم وسأل إن كان بإمكانه الانضمام. لم أكن لأرفض حتى لو أردت." أجاب الأب دون أن يرفع عينيه عن الطاولة التي كان يرتبها بعناية أكبر من المعتاد. جاء أحمد أولاً، كعادته، يحمل زجاجة عصير اشتراها من الطريق كما يفعل كل ثلاثاء. توقف عند الباب حين رأى الطاولة مُعدة لثلاثة. "من القادم الثالث؟" "كريم." قال الأب ببساطة، يراقب وجه ابنه الأكبر بحذر خفي. لم يُظهر أحمد أي تردد ظاهر، لكن الأب لاحظ توقفاً قصيراً في خطواته قبل أن يتابع نحو المطبخ ليضع الزجاجة على الطاولة. "جيد. لم أكن أعرف أنه سيأتي." "لم أكن أنا أيضاً أعرف حتى الصباح." قال الأب. "لكنني ظننت أنك لن تمانع." "لا أمانع." أجاب أحمد بصدق بدا واضحاً في نبرته، ثم أضاف بابتسامة خفيفة: "قد يكون ه
دخلت راما إلى مكتب منى في الموعد المحدد تماماً، تحمل معها ملف التقييم الذي طُلب منها إعداده كجزء من مراجعة الأشهر الثلاثة. لم تكن متوترة بالقدر الذي توقعته من نفسها، لكن يديها كانتا أبرد قليلاً من المعتاد وهي تفتح الباب. "اجلسي." قالت منى دون أن ترفع رأسها عن الشاشة أمامها، ثم أغلقت اللابتوب بحركة حاسمة بعد لحظات. "لا تقلقي، لن آخذ وقتاً طويلاً. لديّ اجتماع بعد عشر دقائق." جلست راما وهي تحاول قراءة تعابير وجه منى، لكنها كعادتها لم تكن تكشف شيئاً قبل أن تقرر هي متى تتحدث. "قرأت التقرير الذي أعددته عن حملة العميل الأخير." بدأت منى. "والملاحظات التي تركتِها في هامش الاجتماع الأسبوعي، حين اقترحتِ تعديل الجدول الزمني قبل أن يطلبه أحد." "كنت أظن أن الجدول الأصلي متشدد أكثر من اللازم بالنسبة لفريق الإنتاج." "وكنتِ محقة." قالت منى ببساطة، دون مجاملة زائدة، وهو ما جعل الجملة تحمل وزناً أكبر. "هذا بالضبط ما أتحدث عنه. لم تعودي تنتظرين أن يُطلب منك التفكير. صرتِ تفكرين قبل أن يُطلب." توقفت راما عن التنفس للحظة قصيرة، محاولة ألا تُظهر كم كانت هذه الكلمات تعني لها. "الشهور الثلاثة انتهت رسم
جلس زياد على المقعد المجاور له في القاعة قبل أن يبدأ المحاضر بخمس دقائق، ووضع دفتره على الطاولة بحركة مألوفة، كأنهما لم يفترقا يوماً منذ أن كانا زميلين في الغرفة نفسها. كريم نظر إليه وابتسم دون أن يقول شيئاً. لم يكن يتوقع أن يجده هنا، في مادة "تحليل الإجهاد الميكانيكي"، وهي مادة اختيارية لم يكن زياد مضطراً لأخذها. "ماذا تفعل هنا؟" سأله كريم أخيراً وهو يفتح دفتره. "سمعت أن الأستاذ صعب، وأن أحداً لا ينجح بسهولة." أجاب زياد بابتسامة عريضة. "أردت أن أرى إن كان صديقي القديم سيصمد." "صديقك القديم صار في تخصص آخر تماماً منذ أشهر، إن نسيت." "لم أنسَ. لكنني سمعت أيضاً أن هذه المادة تحتاج تفكيراً منطقياً أكثر من الحفظ. وأنا جيد في التفكير المنطقي." رفع زياد كتفيه بثقة مصطنعة جعلت كريم يضحك بصوت منخفض. دخل الأستاذ وبدأ المحاضرة دون مقدمات، كعادته في الأسابيع الماضية. كان يتحدث عن نقاط الانهيار في المواد الصلبة، عن اللحظة التي يتوقف فيها الجسم عن تحمل الضغط ويبدأ بالتشقق. كريم كان يدوّن الملاحظات بسرعة، بينما زياد، رغم دعواه بالثقة، بدأ يكتب أبطأ فأبطأ مع تعقّد المعادلات. في منتصف المحاضرة،
في يوم الثلاثاء في الساعة الثالثة وعشرين دقيقة بعد الظهر، أرسل العميل رسالة قصيرة لا تستغرق قراءتها أكثر من خمس ثوانٍ: "التقرير ممتاز. ننتظر اقتراحكم للمرحلة الثالثة." قرأتُ الرسالة مرة واحدة فقط ثم أغلقتُ البريد الإلكتروني مباشرةً وفتحتُ ملفاً آخر. لم أُعِد القراءة لأتأكد. لم أنتظر أن يأتيني الفرح بشكله الصاخب. فقط أغلقتُ البريد وفتحتُ ملفاً كنتُ قد بدأتُ فيه التفكير في المرحلة الثالثة منذ أسبوع كامل، قبل أن يُرسل العميل أي تقييم، لأنني تعلمتُ أن التخطيط للخطوة التالية لا يجب أن ينتظر موافقة رسمية على الخطوة الحالية. هذا كان تغيراً حدث ببطء شديد في أسلوب عملي، ببطء لم ألاحظه لفترة طويلة لأنه لم يأتِ بقرار واحد واضح بل بممارسة يومية صغيرة تتكرر حتى تصبح طبيعية ثم عادة ثم جزءاً من طريقة التفكير. كنتُ من قبل أعمل بطريقة تجعل كل إنجاز منقوصاً حتى يُقيَّم من الخارج ويُؤكَّد من آخرين. التقييم الجيد كان يُشعل الحماس ويدفعني للأمام. والتقييم الأقل من الجيد كان يُعيد خلط الأوراق ويجعلني أُعيد تقييم ما كنتُ أعتقد أنه مكتمل. عملي كان مرتبطاً بردود الفعل ارتباطاً وثيقاً لم أكن أُدركه ولم يخطر
في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة
جلستُ خلف الطاولة الرخامية كمن يحتمي بخندق في معركة خاسرة، أراقب راما وهي تنهي قهوتها ببطء مستفز. وضعت كوبها في الحوض برنين خافت، ثم التفتت نحوي بالكامل. كانت نظرتها العسلية تتنقل بين وجهي المتوتر المتعرق وكوبي الذي تجمد بخاره. "ألم تعجبك القهوة؟" سألت وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة، ثم بدأت تتقدم ن
قضيت تلك الليلة في جحيم لا يُطاق، أتقلب فوق السرير الواسع الذي بدا وكأنه ساحة معركة لأفكاري المحرمة، بينما تلفني ملاءات باردة لا تمنحني أي عزاء. كلما أغمضت عيني، رأيت نظرات راما وهي تتفحص جسدي، وشعرت برنين صوتها المبحوح وهو ينطق اسمي، يخترق صمتي كسهم ملتهب. كنت أسمع خطوات أحمد المكتومة في الممر، خف
فتحت الباب.لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي







