LOGINكان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ.
كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة القهوة المرة والبرود الذي يلفه، كان يمثل "النظام"، بينما كانت هي تمثل "الفوضى الأنثوية" ورائحة الفانيليا التي بدأت تخدر حواسي. طبع قبلة جافة على وجنتها، قبلة روتينية وكأنه يوقع معاملة ورقية، ورغم ذلك رأيت وجهها يشرق كطفلة تبحث عن قطرة اهتمام. في تلك اللحظة، نبت في صدري شيء أسود.. غيرة؟ كيف أجرؤ؟ أحمد هو من صنعني، هو من انتشلني من فقر القرية. شعرت باشمئزاز من نفسي؛ كنت وحشاً خائناً في أفكاري، مجرد حيوان حركته "لمسة" عابرة. "كريم! أخي الصغير الذي أصبح رجلاً!" صوت أحمد الجهوري قطع حبل أفكاري المظلمة. التفت نحوي وتقدم ليحتضنني. هنا، تملكني الرعب الحقيقي. إذا اقترب وعانقني، سيفضحني جسدي المتمرد. كان بنطالي الجينز يضيق عليّ بفعله "الاستجابة" التي أحدثتها راما، وهي استجابة رفضت التراجع بل زادت شراسة. بحركة يائسة، رفعت حقيبتي القماشية الثقيلة وجعلتها درعاً أمام منتصف جسدي، وانحنيت قليلاً بحجة ثقلها. اصطدم بي أحمد في عناق رجولي، يضرب ظهري بقوة، بينما كنت أصارع لكتم تأوه ألم؛ فكل حركة كانت تمثل تعذيباً لجسدي المحتقن. "أصبحت أضخم من المرة الأخيرة!" قالها بفخر، غير مدرك للمأساة التي أعيشها أمامه. "وأنت.. لم تتغير يا أحمد. تبدو كمدير بنك حتى في منزلك." ضحكت راما بعفوية، ضحكة رنانة كأجراس صغيرة: "هذا ما أقوله له دائماً! إنه لا يخلع عباءة العمل أبداً." التفت أحمد إليها ببرود، وبدأت ملامح الإرهاق تكسو وجهه: "لا تعرفان حجم الضغط في الشركة.. على أية حال، اذهب واستحم يا كريم، راما جهزت لك غرفتك في نهاية الممر." هرعت نحو الممر وكأنني أهرب من ساحة إعدام. كل خطوة كانت تحدياً لثباتي. وقبل أن أدخل الغرفة، استرقت نظرة أخيرة.. كان أحمد قد سحب هاتفه يتابع رسائل العمل، متجاهلاً راما التي وقفت أمامه بانكسار طفيف في عينيها العسليتين. أثار تجاهله غضباً في داخلي؛ كيف لرجل يمتلك هذه "الفتنة" أن يفضل شاشة زجاجية باردة؟ أغلقت باب غرفتي وأسندت ظهري إليه، منزلقاً حتى جلست على الأرض. "استيقظ يا غبي! إنها زوجة أخيك!" همست لنفسي وأنا أضرب رأسي بالباب. كنت بحاجة للماء البارد.. بحاجة لتجميد هذا الجسد قبل أن يقضي على مستقبلي. نزعت ملابسي بعصبية، وألقيت ببنطالي الجينز الذي كان يخنقني. وقفت تحت الدش وفتحت الماء البارد لأقصى حد. نزلت المياه كإبر ثلجية على جسدي المحموم. بقيت هناك لفترة طويلة، أراقب انكماش عضلاتي وتراجع "الاستجابة الفاضحة" تحت وطأة البرودة القارسة. كنت أعاقب نفسي، أحاول استعادة السيطرة. سحبت المنشفة ولففتها بإحكام حول خصري، تاركاً صدري العريض وقطرات الماء تلمع عليه. فتحت باب الحمام، وخطوت خطوة واحدة داخل الغرفة.. ثم تجمدت. كانت هناك. راما تقف في منتصف غرفتي، تحمل كومة من المناشف. لم تطرق الباب، ولم تستأذن.. دخلت ببراءة قاتلة. عندما التقت عيناها بي، توقف الزمن. كنت شبه عارٍ؛ قطرات الماء تسري على عضلات بطني المشدودة، وتختفي أسفل حافة المنشفة التي كانت معلقة بشكل منخفض وخطير على وركي. انفتحت شفتاها المكتنزتان بصدمة صامتة. لم تنظر إلى عينيّ، بل انخفضت نظرتها العسلية ببطء مرعب.. لتتأمل قطرات الماء التي تنزلق على صدري، وتتتبع خطوط عضلاتي بتركيز جائع لم تستطع إخفاءه، متجاوزة كل "خطوطي الحمراء".جلس أحمد في المقعد المعتاد في عيادة الدكتور رأفت، لكن هذه الجلسة كانت مختلفة عن كل ما سبقها. لم يبدأ الدكتور رأفت بسؤاله المعتاد عن الأسبوع، بل جلس صامتاً للحظة، ينظر إلى أحمد بتمعن، وكأنه يقيّم شيئاً لم يكن واضحاً في الجلسات السابقة. "أريد أن نفعل شيئاً مختلفاً اليوم." قال الدكتور رأفت أخيراً. "أريدك أن تتخيل نفسك كما يراك الآخرون الآن، لا كما تراه أنت نفسك. ابدأ بأبيك." أغلق أحمد عينيه للحظة، يستحضر آخر مكالمة مع أبيه، تلك الحرارة الصادقة في صوته حين أخبره عن يوسف. "أعتقد أن أبي يراني الآن رجلاً يحاول، لا رجلاً فشل. يرى فيّ نسخة أنضج من نفسي، ابناً عاد إليه بصدق لا بخوف من العقاب." "جيد. الآن أخوك كريم." فكر أحمد قليلاً، يستعيد ضحكاتهما الأخيرة في المقهى، ذكرى الدراجة، والقرار الذي اتخذه بشأن الترقية. "كريم يراني أخاً كبيراً حقيقياً الآن، لا شخصاً يحاول التكفير عن خطأ. أعتقد أنه بدأ يثق بي مرة أخرى، ليس فقط كأخ، بل كصديق يمكنه أن يطلب رأيه في أمور حياته." "وراما؟" سأل الدكتور رأفت بحذر واضح، يعرف حساسية هذا الاسم بالذات. توقف أحمد طويلاً قبل أن يجيب، شعر بثقل السؤال أكثر من أي
وقفت راما أمام شاشة العرض في غرفة الاجتماعات، تنهي آخر شريحة من التقرير النهائي للمشروع الذي قادته لأول مرة، بينما كان فريقها الصغير من ثلاثة أشخاص يجلس خلفها، متوترين قليلاً كما كانت هي، لكن بفخر واضح على وجوههم أيضاً. استغرق تنفيذ المشروع ثمانية أسابيع كاملة، أسابيع مليئة بالتحديات التي لم تتوقعها راما حين قبلت القيادة: خلافات بسيطة بين أعضاء الفريق حول طريقة تنفيذ بعض التفاصيل، تأخير غير متوقع من أحد الموردين، وليلة كاملة قضتها تعيد صياغة الاستراتيجية بعد أن رفض العميل المسودة الأولى للحملة. لكنها تجاوزت كل ذلك، تتعلم من كل عثرة، تستشير منى حين تحتاج، وتثق بحدسها حين يكون الوضع يتطلب قراراً سريعاً لا وقت للتردد فيه. "والنتائج النهائية،" قالت راما وهي تعرض الشريحة الأخيرة، "تجاوزت التوقعات الأولية بنسبة اثنين وعشرين بالمئة. العميل عبّر عن رضاه الكامل، ووقّع بالفعل على تمديد العقد لمرحلة ثانية." صفّق المدير الذي حضر العرض بحماس واضح، وابتسمت منى من مكانها في نهاية الطاولة، ابتسامة لم تحاول إخفاء فخرها. "عمل استثنائي." قال المدير وهو ينهض. "أعتقد أن هذا يستحق الاحتفال. أحسنتم جمي
جلس كريم في مكتبته الصغيرة في السكن الجامعي، أمام شاشة اللابتوب، ينتظر ظهور النتيجة النهائية لآخر مادة في الفصل الدراسي: "أساسيات التصميم الهندسي". كانت هذه آخر مادة يخاف منها فعلياً، لأنها تضمنت مشروعاً عملياً معقداً استغرق أسابيع من العمل مع مجموعته. ظهرت الدرجة أخيراً: 88 من 100. زفر كريم بارتياح عميق، ثم فتح كشف الدرجات الكامل للفصل، يراجع كل مادة بعينين متفحصتين: تحليل الإجهاد الميكانيكي 91، أساسيات التصميم الهندسي 88، الرياضيات التطبيقية 85، الديناميكا الحرارية 82، ومادة اختيارية في البرمجة الهندسية 90. جلس صامتاً للحظة، يستوعب حجم ما حققه. لم يكن هناك أي مادة أقل من 80، وهو أمر لم يكن يتخيله حين بدأ هذا الفصل بقلق شديد، متسائلاً إن كان قراره بتغيير التخصص بالكامل كان قراراً صائباً أم مغامرة متهورة. فتح رسالة جماعية سريعة، لأول مرة يقرر إرسال خبر واحد للجميع بدل رسائل منفصلة، شعوراً منه أن هذا الإنجاز يستحق أن يُشارك بشكل جماعي، لا مجزأ. كتب: "انتهى الفصل الدراسي رسمياً. كل المواد فوق 80، وأعلى درجة 91. أردت أن يعرف الجميع أن القرار الذي بدا جنونياً قبل عام كان أفضل قرار اتخذ
وصل أحمد إلى بيت أخته منال بعد ظهر يوم جمعة هادئ، يحمل معه لعبة صغيرة اختارها بعناية من متجر ألعاب قرب مكتبه، شيء بسيط لكنه أراد أن يكون مناسباً لعمر يوسف الذي بدأ يكبر بسرعة أذهلت أحمد في كل زيارة. فتحت منال الباب وابتسمت حين رأته. "جئت في الوقت المناسب، يوسف استيقظ للتو من قيلولته وهو في مزاج رائع." دخل أحمد إلى الصالة حيث كان يوسف يجلس على السجادة، يحاول أن يقف بمساعدة الأريكة، خطوات متعثرة لكنها مليئة بالإصرار الطفولي الذي جعل أحمد يبتسم بعمق. جلس أحمد على الأرض بجانبه، ومد يده ليمسك بيد يوسف الصغيرة التي حاولت الإمساك بإصبعه بقوة مفاجئة. "كبر كثيراً منذ آخر مرة." قال أحمد لأخته وهو لا يزال ينظر إلى يوسف بانبهار. "الأطفال يكبرون بسرعة لا تُصدق." ضحكت منال وهي تجلس على الأريكة القريبة. "منذ أسبوعين بدأ يحاول المشي، وكل يوم يزداد ثباتاً." جلس أحمد يلعب مع يوسف باللعبة الجديدة، يراقب كيف يستكشفها الطفل بفضول عميق، يضعها في فمه، يهزها، يحاول فهم شكلها من كل الزوايا الممكنة. شعر أحمد بسلام غريب في هذه اللحظة، سلام لم يعرفه في أول زياراته ليوسف، حين كان كل نظرة إلى الطفل تثير فيه س
كانا يجلسان على شرفة شقة راما، الليل هادئ والهواء لطيف، أطباق العشاء لا تزال على الطاولة الصغيرة بينهما دون أن يكلّف أحدهما نفسه عناء رفعها بعد. كان هذا نوعاً من اللحظات التي تعلما تقديرها مؤخراً: لا مناسبة خاصة، لا حدث كبير، فقط مساء عادي يقضيانه معاً. "هل فكرت يوماً إلى أين يتجه هذا كله؟" سألت راما فجأة، عيناها مثبتتان على السماء المرصعة بالنجوم القليلة التي يمكن رؤيتها رغم أضواء المدينة. نظر إليها كريم بابتسامة هادئة. "تقصدين علاقتنا؟" "أقصد كل شيء. أنت لا تزال في الجامعة، لديك سنوات أمامك من الدراسة. وأنا بدأت للتو أبني مسيرتي المهنية. أحياناً أتساءل كيف يبدو المستقبل البعيد بالنسبة لنا، دون أن أشعر بضغط لأن أعرف الإجابة الآن." فكر كريم في السؤال طويلاً قبل أن يجيب، يريد أن يعطيه حقه من الصدق لا مجرد طمأنة سريعة. "لا أملك خطوات محددة، بصراحة. لا أعرف متى بالضبط سنصل إلى مرحلة أكبر، زواج، أو أي شكل رسمي آخر للعلاقة. لكنني أعرف شيئاً واحداً بوضوح تام: أريدك في حياتي على المدى البعيد، أياً كان الشكل الذي يتخذه ذلك." استمعت راما بانتباه، تشعر بدفء يتسلل إلى صدرها من صدق كلماته ال
اختار أحمد المقهى نفسه الذي التقيا فيه المرتين السابقتين، ذلك المكان الصغير القريب من مكتبه، الذي بدأ يشعر تجاهه بألفة كأنه صار جزءاً من طقس جديد بينه وبين أخيه. وصل كريم متأخراً بضع دقائق، يعتذر بلهفة وهو يجلس. "لا بأس، كنت أنتظر وأستمتع بالهدوء." طمأنه أحمد بابتسامة، وطلب لهما القهوة المعتادة دون الحاجة لسؤال كريم عما يريد، تفصيل صغير لاحظه كريم ولم يعلّق عليه، لكنه شعر بدفء خفي تجاهه. "أردت أن أسألك عن قرار الترقية." بدأ أحمد بعد أن استقرت القهوة أمامهما. "فكرت كثيراً في السؤال الذي طرحته عليّ آخر مرة، هل أخاف من الفشل أم من النجاح." "وماذا وجدت؟" سأل كريم بفضول حقيقي. "وجدت أنني أخاف من النجاح أكثر، بصراحة. الفشل مألوف بالنسبة لي، تعاملت معه من قبل بطرق سيئة، لكنني أعرف كيف أتعامل معه. النجاح الكبير، المسؤولية الأكبر، هذا شيء لم أختبره بعد بهذا الحجم، ويخيفني أكثر مما توقعت." فكر كريم في كلامه قليلاً. "أعتقد أن هذا منطقي جداً، رغم أنه يبدو عكسياً. النجاح الكبير يعني أن تُرى أكثر، وأنت أمضيت سنة كاملة تحاول ألا تُرى، أن تختفي وسط الشعور بالذنب." توقف أحمد عن تحريك ملعقته في ا
في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة
جلستُ خلف الطاولة الرخامية كمن يحتمي بخندق في معركة خاسرة، أراقب راما وهي تنهي قهوتها ببطء مستفز. وضعت كوبها في الحوض برنين خافت، ثم التفتت نحوي بالكامل. كانت نظرتها العسلية تتنقل بين وجهي المتوتر المتعرق وكوبي الذي تجمد بخاره. "ألم تعجبك القهوة؟" سألت وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة، ثم بدأت تتقدم ن
قضيت تلك الليلة في جحيم لا يُطاق، أتقلب فوق السرير الواسع الذي بدا وكأنه ساحة معركة لأفكاري المحرمة، بينما تلفني ملاءات باردة لا تمنحني أي عزاء. كلما أغمضت عيني، رأيت نظرات راما وهي تتفحص جسدي، وشعرت برنين صوتها المبحوح وهو ينطق اسمي، يخترق صمتي كسهم ملتهب. كنت أسمع خطوات أحمد المكتومة في الممر، خف
فتحت الباب.لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي







