เข้าสู่ระบบقضيت تلك الليلة في جحيم لا يُطاق، أتقلب فوق السرير الواسع الذي بدا وكأنه ساحة معركة لأفكاري المحرمة، بينما تلفني ملاءات باردة لا تمنحني أي عزاء. كلما أغمضت عيني، رأيت نظرات راما وهي تتفحص جسدي، وشعرت برنين صوتها المبحوح وهو ينطق اسمي، يخترق صمتي كسهم ملتهب. كنت أسمع خطوات أحمد المكتومة في الممر، خفيفة كوساوس الليل، وأتخيله يمتلك تلك الرقة التي كادت أن تذهب بعقلي، مما أشعل في صدري غيرة حيوانية حاولت سحقها بسياط الخزي. كيف أجرؤ على اشتهاء "حرم" أخي؟ الرجل الذي أدين له بكل شيء؟ الرجل الذي رباني ووثق بي وأدخلني بيته.
في الصباح، سمعت صوت الباب الخارجي يُغلق؛ لقد غادر أحمد إلى عمله باكراً كما هو متوقع. انتظرت نصف ساعة كاملة، أستجمع شتات نفسي وأرتب دروعي الدفاعية المهلهلة، وأتنفس بعمق لتهدئة نبضات قلبي المتسارعة. ارتديت بنطالاً رياضياً قطنياً فضفاضاً باللون الأسود، وتيشيرت أبيض بسيط، محاولاً اختيار ملابس "محترمة" لا تبرز تفاصيل جسدي أو تفضح أي استجابة مفاجئة قد تطيح بوقاري القروي. خرجت من الغرفة بحذر، حافياً على أرضية الباركيه الباردة، متتبعاً رائحة القهوة الطازجة التي ملأت أرجاء الشقة بعبقها الدافئ. وقفت عند مدخل المطبخ، وتجمدت للمرة الثانية خلال أقل من أربع وعشرين ساعة. كانت راما تقف هناك، تولي ظهرها لي، ولم تكن ترتدي الحرير الياقوتي هذه المرة، بل شيئاً أشد خطراً في بساطته وعفويته؛ "شورت" قطني رمادي قصير جداً، كشف عن ساقين ممشوقتين بياضهما يتحدى ضوء الصباح المتسلل من النافذة، وقميصاً أبيض واسعاً يسقط بإهمال عن أحد كتفيها ليظهر حمالة رفيعة وجلداً ناعماً كالحليب. كانت تدندن لحناً خافتاً، يختلط همساً بغليان الماء الساخن، وتتحرك بأريحية تامة وكأنها تعيش وحدها في هذا الفضاء. هذا التجاهل الصارخ لحضوري الذكوري، وهذه العفوية المفرطة، كانت بمثابة جدران زجاجية خانقة. أستطيع رؤية كل شيء، تفاصيل تثير الجنون، لكنني سجين خلف زجاج الأخلاق والمحرمات. حمحمت بصوت خشن لأعلن عن وجودي، فانتفضت بخفة والتفتت إليّ، والابتسامة تشرق على وجهها وكأن ليلة أمس لم تكن. "صباح الخير يا بطل! يبدو أنك لم تنم جيداً، الهالات تحت عينيك تحكي قصة مأساوية." تقدمت نحوي بخطوات واثقة، ومع كل حركة كان الشورت القطني يرتفع والقميص يتمايل ليكشف عن انحناءات خفية من خصرها وفخذيها. حاولت التركيز على عينيها فقط، أهرب من جاذبية جسدها الذي يصرخ بالأنوثة. "صباح الخير.. نعم، السرير جديد، والمدينة صاخبة." كذبت بصوت مبحوح، محاولاً ألا أنظر للأسفل. توقفت أمامي تماماً، المسافة بيننا انعدمت حتى شممت رائحة الفانيليا التي تتفوق على القهوة، ممتزجة بدفء جسدها القريب. رفعت كوباً نحوي: "قهوة سوداء، بدون سكر.. كما يحبها الرجال القويون." مددت يدي لآخذ الكوب، وحرصت ألا تلامس أصابعي أصابعها، لكن حرارة جسدها كانت تشع في هذه المسافة القريبة، وكأنها شمس صغيرة بيننا. وأثناء تراجعي، استندت هي بظهرها على رخام المطبخ البارد، ورفعت إحدى ساقيها لتعقدها فوق الأخرى بعفوية قاتلة، مما جعل القماش ينحسر أكثر، كاشفاً عن مساحة فاتنة من فخذها الأملس. راقبتني بعينيها العسليتين من فوق حافة الكوب، وقالت بنبرة بريئة لا تخلو من تحدٍ خفي: "إذاً، أحمد غادر كالعادة، ونحن وحدنا.. ماذا تريد أن نفعل اليوم يا كريم؟" في تلك اللحظة، استيقظ الوحش الذي خدرته بالماء البارد. اندفعت الدماء بشراسة، محولة بنطالي الرياضي الفضفاض إلى "خيمة" تفضح كل ما أحاول دفنه. لم يكن لدي خيار سوى الاستدارة بسرعة وسحب كرسي مرتفع لأجلس عليه، دافناً نصفي السفلي تحت الطاولة الرخامية. "لا.. لا شيء. لدي مراجع يجب أن أقرأها.. سأبقى في المنزل." تلعثمت وأنا أحدق في الكوب الأسود وكأنه طوق نجاة، بينما اكتفت هي برشف قهوتها بهدوء مستفز، تاركة إياي أحتضر في صمت تحت وطأة براءتها التي ستحطمني يوماً ما.استيقظت راما في ذلك الصباح على سكونٍ لم تعهده من قبل؛ سكونٌ ثقيل لا يقطعه صرير قلم كريم فوق الأوراق الهندسية، ولا وقع خطواته الهادئة وهو يتجه نحو المطبخ ليعدّ قهوته المرة التي كانت رائحتها تملأ الممر كل فجر كطابعٍ للطمأنينة. كانت الشقة تبدو شاسعة بشكلٍ موحش، وكأن الجدران قد تباعدت عن بعضها البعض لتعمق إحساسها بالوحدة، وتذكرها بأن الفراغ الذي تركه رحيل "الأخ" لا يمكن ردمه بالصمت. وقفت راما في وسط الصالة، حيث كانت خيوط الشمس تتسلل عبر الستائر المخملية لترسم خطوطاً ضوئية فوق الرخام البارد، لكن الضوء بدا لها باهتاً، خالياً من تلك الحيوية التي كان يضفيها وجود كريم. تذكرت كلماته الأخيرة التي كانت تدوي في رأسها كصاعقة: "افتحي ذلك الصندوق، لا تتركيه مغلقاً للأبد". وبأيدٍ مرتعشة، سحبت الصندوق الخشبي القديم من أقصى زاوية مظلمة في الخزانة، وأصدر القفل صريراً حاداً كأنه يئن من هجرٍ طال خمس سنوات؛ رائحة جلدٍ قديم وغبار، رائحة أحلامٍ نُحيت جانباً لتفسح المجال لواقعٍ رتيب. أخرجت الكاميرا الاحترافية وعدساتها التي بدت كعيونٍ تنتظر من يوقظها من سباتها. مسحت الغبار عن جسد الكاميرا الأسود، وشعرت وكأن
لم تكن جدران غرفتي في السكن الجامعي تشبه تلك التي فارقتها في شقة أحمد؛ هنا، لا وجود لطلاء "الأوف وايت" الناعم ولا لوحات الفن التجريدي التي كانت راما تعتني بنظافتها بيديها الرقيقتين كل صباح. كانت الجدران هنا متعبة، تتآكل أطرافها بلونٍ رمادي كئيب يذكرني بلون السماء قبل هطول مطرٍ حزين، وسقفي لم يكن يخبئ الثريات الكريستالية، بل كانت تقطعه أسلاك كهربائية مكشوفة تشبه الشرايين النابضة في جسدٍ مريض.. تماماً كأعصابي التي ظلت مكشوفة أمام طيفها. استلقيتُ على سريري الحديدي الذي يصدر صريراً حاداً مع كل حركة، كأنه يصرخ اعتراضاً على وجودي. شعرتُ بخشونة اللحاف الرخيص تحت يدي، فكانت تلك الخشونة هي "الصفعة" الحقيقية التي أحتاجها الآن لأستفيق من حلم الرخام والحرير وعطر الفانيليا. كان اليوم التالي في كلية الهندسة طويلاً ومرهقاً بشكلٍ متعمد؛ فقد اخترتُ أن أجلس في المقاعد الأولى، محاصراً بالأرقام والمخططات، محاولاً إقناع عقلي بأن مستقبلي يكمن في "قوانين الاستاتيكا" و"توازن القوى". كنتُ أحاول دفن "كريم" الذي كان يرتجف أمام رائحة الأوركيد تحت أكوام من الملاحظات التقنية. لكن، وبمجرد أن يسكن الضجيج، كان طي
كان الفجر يزحف ببطء كئيب فوق جدران الشقة الصامتة، حاملاً معه برودةً غريبة لم تكن برودة طقس، بل كانت صقيع النهايات الذي يسكن العظام. وقفتُ في غرفتي أحكم إغلاق حقيبتي الأخيرة؛ كان صوت "السحاب" المعدني وهو يزحف ليغلق الحقيبة يشبه إغلاق فصلٍ كامل من حياتي قبل أن يبدأ فعلياً. لم أذق طعم النوم لدقيقة واحدة؛ قضيتُ الليل أراقب عقارب الساعة كأنني أعدُّ الدقائق المتبقية قبل لحظة القصاص.. أو لحظة النجاة من غرقٍ محقق في بحر الفانيليا. حملتُ حقائبي وخرجتُ إلى الممر بخطواتٍ حاولتُ أن تكون صامتة كي لا أوقظ أحمد، لكنني كنتُ أعلم في أعماقي أن أحداً في هذا البيت لم ينم؛ فالأرواح كانت معلقة بخيوط التوتر. وبمجرد أن اقتربتُ من الباب، انفتح باب غرفتها ببطء، وخرجت راما. كانت تبدو كطيفٍ هائم في ذلك الضوء الخابط؛ وجهها شاحب كالقمر في محاقه، وعيناها اللتان لم تعرفا الهجوع غارقتان في حزنٍ صامت يمزق نياط القلب. لم تكن تبكي، بل كانت تنظر إليّ بنظرة تساؤلٍ وجودي عميق، نظرة تبحث عن إجابة في حطام الوعود التي لم تُنطق قط، واللمسات التي كادت أن تقع. "هل هذا هو الوداع إذاً؟" همست بصوتٍ واهن، صوتٍ جرحه السهر والان
غادرتُ غرفة الطعام وصدى نشيج راما المكتوم يلاحقني كأنه صرخةٌ في وادٍ سحيق، صرخةٌ تخترق ضلوعي وتمزق ما تبقى من قناعي البارد. دخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب، لكن الجدران الخرسانية لم تكن كافية لعزل التوتر الانفجاري الذي زلزل أركان الشقة. كنتُ أسمع في الخارج صوت أحمد الغاضب، صوته الرجولي الخشن وهو يروح ويجيء، ووقع خطواته الثقيلة فوق الرخام كان يترجم حجم الإهانة التي طعنت كبرياءه كـ "كبير للعائلة". "هل رأيتِ؟" هدر صوت أحمد وهو يوجه الكلام لراما بحدة. "هذا هو جزاء الإحسان! نفتح له بيتنا، وتخدمينه بعينيكِ، وفي النهاية يقرر الرحيل هكذا.. دون مقدمات، وبحججٍ واهية عن المختبرات والدراسة! هل يظنني أحمق لا أفهم أن هناك شيئاً آخر خلف هذا القرار؟" لم أسمع رداً من راما، بل سمعتُ فقط صوت إغلاق باب غرفتها بقوة، دويٌّ أعلن انسحاب الملاك المنكسرة إلى صومعتها، تاركةً الرجلين يتصارعان؛ أحمد مع ذنبٍ لا يدرك منه سوى قشور "الكرامة الجريحة"، وأنا أكتوي بنار الحقيقة كاملةً تحت جفوني. بعد دقائق، لم يطرق أحمد الباب، بل دفعه بعنفٍ هزّ أركان الغرفة. كان وجهه محتقناً كدمٍ محبوس، وعيناه تلمعان بشرر الشك والعتب. وقف
كانت مائدة الغداء عامرة بكل ما لذّ وطاب، تفوح منها روائح التوابل التي أعدتها راما بعناية فائقة احتفالاً بعودة زوجها، لكن بالنسبة لي، كانت تلك الروائح تختنق برائحة "الفانيليا" التي لا تزال تسكن ذاكرتي الحسية وتطارد أنفاسي. جلسنا نحن الثلاثة في صمتٍ مريب، لم يقطعه سوى رنين أدوات المائدة المعدنية فوق أطباق البورسلين، صوتٌ كان يقع على أذني كأنه مطرقة تحطم ما تبقى من ثباتي المنهار. أحمد كان يتحدث بنشوة وثقة مطلقة عن نجاح رحلته، وعن الأرقام والصفقات التي حققها، بينما كانت راما توزع نظراتها بيننا بارتباكٍ لم تعهده من قبل، وكأنها تشعر بالكهرباء الساكنة التي تملأ هواء الغرفة لدرجة الانفجار. "أنت لا تتخيل يا كريم كيف تُدار الأمور في مراكز القرار المالي." قال أحمد وهو يقطع قطعة من اللحم ببرودٍ وثقة، وكأنه يشرح معادلة رياضية لا تقبل الخطأ. "الهندسة تشبه البنوك؛ إذا لم تكن قواعدك صلبة، سينهار كل شيء فوق رأسك. لهذا أنا سعيد لأنك تقضي وقتك هنا في هدوء لتأسيس مستقبلك." نظرتُ إلى أحمد، ثم انزلقت عيناي نحو راما التي كانت تحاول رسم ابتسامة باهتة وهي تضع طبقاً آخر أمام زوجها بيدٍ مرتعشة. في تلك اللحظ
لم يكن صوت مفتاح أحمد وهو يدور في قفل الباب مجرد إعلان عن عودته، بل كان دويّاً زلزل أركان عالمنا الهش الذي شيدناه في غيابه من خيوط الحرير والاعترافات الصامتة. كنتُ أجلس في الصالة، أدّعي الغرق في كتاب الاستاتيكا، بينما كانت راما قد استعدت منذ الفجر؛ ارتدت فستاناً بسيطاً لكنه أنيق يبرز قوامها الذي لم يغب عن خيالي لحظة، ووزعت عطر الفانيليا في أرجاء الشقة لتخنق رائحة "الوحدة" الحميمية التي تقاسمناها. انفتح الباب، ودخل أحمد حاملاً حقيبته الجلدية وهالة من الإرهاق والجدية التي تميز رجال الصفقات. وقفتُ بآلية، وشعرتُ بقلبي يقرع في صدري كأنه وحش يوشك على تحطيم ضلوعي وفضح كل ما رأته عيناي؛ من الحلمة الوردية المرتجفة في الفجر إلى ملمس الظهر العاري في غرفة القياس. أما راما، فقد اندفعت نحوه بعفوية تامة، وضمت ذراعيه وهي ترحب به بابتسامة باهتة: "الحمد لله على سلامتك يا أحمد! الشقة كانت موحشة تماماً بدونك." قبّل أحمد جبينها ببرودٍ ميكانيكي، ونظرة عينيه كانت تجوب الصالة كأنه يتأكد من سلامة "ممتلكاته"، دون أن يلحظ الوميض المضطرب والذعر المخفي في عيني زوجته. "شكراً يا راما. كانت رحلة شاقة، والاجتما







