Masukالفصل السابع الظل الذي لم يتكلم
ساد الظلام في الغرفة كلها. لم أصرخ. كان صوت أمي في رأسي يقول إن الخوف لا ينفع إلا حين يجعلك تفكرين. حبست أنفاسي وزحفت على ركبتي في العتمة حتى لمست قدم المنضدة. وجدت الشمعدان النحاسي الثقيل وأمسكته بكلتا يدي، وأخفيت الرسالة في صدر ثوبي بجانب القلادة. خلف الزجاج سمعت صوتا خفيفا. خشخشة معدن على حجر. ثم تحرك مزلاج النافذة ببطء شديد، مرة واحدة، كأن أحدا يختبر قوته. توقف. لم أتحرك. كان قلبي يخبط في أذني حتى خشيت أن يسمعه من في الخارج. غرفتي في الطابق الرابع، والجدار الخارجي أملس كالزجاج، ومن يقف على حافته إما ساحر أو مجنون أو شخص تدرب على هذا طوال حياته. ثم سمعت الخطوات تبتعد على الحجر، خفيفة كخطوات قط، حتى اختفت. وفجأة دوى الطرق على الباب. مولاتي. افتحي. هذا أنا. كان صوت دارين. فتحت الباب بيد ترتجف، فدخل كالعاصفة وسيفه مسلول، وعيناه تفحصان كل زاوية في الغرفة قبل أن تصلا إلي. هل أنت بخير؟ كان هناك رجل عند النافذة. على الحافة الخارجية. لم يسأل كيف. توجه إلى النافذة وفتحها وأطل برأسه إلى الليل، ثم صعد على الحافة بنفسه ومشى على الحجر الضيق كمن يمشي في ساحة مستوية. وبينما كان مشغولا بالنظر إلى الأسفل، لمحت شيئا أبيض عند طرف الزجاج. ورقة صغيرة مطوية وعالقة في شق الإطار. سحبتها بسرعة وأخفيتها في كمي قبل أن يعود. لا أثر لأحد. قال وهو يقفز إلى الداخل. لكن الحافة نظيفة بشكل غريب، كأن أحدا مسحها بعد أن مر. بعد دقائق ملأ الممر وقع أقدام سريعة، واندفع كايرون إلى الغرفة في قميص النوم وفي يده سيف. كان شعره مبعثرا، وفي عينيه ذلك الذهب الخافت الذي رأيته في الليلة الأولى. ما الذي حدث؟ شرح دارين الأمر بإيجاز. تغير وجه كايرون وهو يستمع، وحين انتهى التفت إلي. رأيت في عينيه شيئا يشبه الذعر، ذعر رجل رأى النار تقترب من الشيء الوحيد الذي لم يحترق بعد. فتش كل ركن في القصر. أمر دارين بصوت منخفض. وضاعف الحرس على الأجنحة كلها. انحنى دارين وخرج. وبقينا وحدنا. لم تصرخي؟ سألني كايرون. لم أرد أن أعطيه ما يريد. ضحك ضحكة قصيرة رغم توتره. أنت غريبة يا لارا. أي فتاة أخرى كانت ستفقد وعيها. أنا لست أي فتاة أخرى. جر كرسيا خشبيا ووضعه أمام الباب وجلس عليه والسيف على ركبتيه. سأبقى هنا حتى الصباح. لا حاجة لذلك يا مولاي. كايرون. قال. لا مولاي في الليل. استلقيت على السرير وأنا أشعر بسخافة الموقف وغرابته. ملك أودرين المرعب يحرس نومي بسيف مسلول، وفي كمي ورقة من مجهول، وفي صدري سر يمكن أن يحرق هذا القصر كله. لم أستطع النوم. ولم يستطع هو أيضا. كان ضوء القمر يرسم خطا فضيا على جانب وجهه، فرأيت لأول مرة ندبة رفيعة تمتد من أذنه إلى فكه. ندبة قديمة بحجم إصبع. تساءلت من أين جاءت، وكم ليلة قضاها هذا الرجل وهو يحرس نفسه من نفسه. وأدركت أن الملوك أيضا يخافون من الظلام، لكنهم لا يملكون ترف الاعتراف بذلك. حدثني عن قريتك. قال بعد صمت طويل. حدثته عن سارنا. عن أشجار الليمون التي تحيط ببيتنا الحجري، وعن المطر حين يقرع السقف كأن ألف طفل يلعبون فوقه. حدثته عن رائحة الخبز في الصباح، وعن النهر الذي نغسل فيه الأقمشة، وعن أمي التي كانت تغني وهي تعمل حتى يظن الجيران أن في بيتنا فرقة كاملة. وماذا كانت تغني؟ ترددت ثم دندنت بصوت خافت لحنا بسيطا قديما، كانت أمي تهمس به كل ليلة قبل أن أنام. لحن حنون يعلو قليلا ثم ينزل كموجة تتعب. وفجأة ساد الصمت في الغرفة. نظرت إلى كايرون فوجدته يحدق في الفراغ، وقد شحب وجهه. ما بك؟ هذا اللحن. قال بصوت غريب. أعرفه. كيف؟ لا أعلم. كأنني سمعته في حلم بعيد. حلم من قبل أن أتذكر شيئا. لم أجب. كان قلبي يخفق بقوة. أمي غنت لي هذا اللحن لأنها غنته أولا لطفل ملكي صغير كاد يموت بين يديها. أغلق عينيه، وقال بهدوء. غني مرة أخرى. فغنيت. غنيته بصوت منخفض حتى صار أنفاسه أبطأ وأعمق، وحتى مال رأسه على ظهر الكرسي. وخلال دقائق كان الملك النائم يبدو كصبي صغير تعب من الركض. سقط السيف من ركبتيه بهدوء على السجادة. انتظرت حتى تأكدت أنه نائم، ثم أخرجت الورقة من كمي وفتحتها على ضوء القمر. كانت بخط رفيع أنيق. لا تفتحي بابك لأحد قبل الفجر. ليس كل من يحمل الختم عدوك. قرأتها ثلاث مرات. ليس كل من يحمل الختم عدوك. إذن هناك أكثر من شخص يحمله. وهناك من يريدني حية. ولكن من؟ طويت الورقة وأخفيتها تحت الوسادة. وحين أطلت الشمس من وراء الجبال، فتح كايرون عينيه ببطء. رأيته يتلفت حوله كمن لا يصدق أين هو. ثم احمرت أذناه قليلا. يبدو أنني نمت. لم أرد أن أحرجه. لعلك احتجت إلى الراحة. نهض ورفع السيف عن الأرض وتردد لحظة عند الباب. هذه أول ليلة أنام فيها منذ سنين دون أن أرى الدم في حلمي. قال بصوت خافت. لا أعرف ماذا فعلت بي يا لارا. ثم خرج وأغلق الباب خلفه. بقيت أنظر إلى الباب المغلق، وفي رأسي سؤالان لا يتركانني. من كتب الورقة. ولماذا يعرف أن حياتي في خطر قبل أن أعرف أنا.الفصل الحادي والعشرون الحجر على الوسادةوصلنا إلى العاصمة في المساء، والأسير مقيد في عربة مغلقة بين دارين ورومان.كانت بوابات القصر مفتوحة والمشاعل مشتعلة على الجدران. وفي الساحة الكبرى اصطف الحرس والوزراء ونبلاء المجلس، ومن بينهم فالين في ثوبه الرمادي الأنيق، ويقف بجانبه هيرون وإلياس. وفي الصف الأول وقفت ماريسا تنظر إلينا بعيون واسعة وشفتين مرتجفتين.لم أصدق أن مشهدا بهذا النظام يمكن أن يكون مصادفة. لقد عرفوا موعد عودتنا بالضبط.وعندما مررت بجانب ماريسا رفعت يدها ببطء إلى شعرها ولمست زهرة ياسمين بيضاء مثبتة فوق أذنها. لم تنظر إلي. لكنني فهمت أنها تذكرني بالورقة التي دستها في الدفتر.ما إن نزل كايرون من حصانه حتى تقدم فالين وانحنى انحناءة عميقة بحرارة صادقة.مولاي الملك. قال بصوت يرتجف من الانفعال. حمدا لله على سلامتك. أمضيت الليلة الماضية أصلي من أجلك.لا بد أن صلواتك مستجابة يا فالين.رأيت ابتسامة صغيرة تنكسر في زاوية فمه ثم تعود فورا.سمعنا أن بعض اللصوص هاجموا القافلة. هل أصيب أحد؟لا شيء ل
الفصل العشرون الوادي الضيقلم أستطع إقناع نفسي بأن ما رأيته كان مجرد تمثيل.حين أخبرت كايرون بما رأيت ضيق عينيه ولم يقل شيئا، لكنه أمر دارين بأن يضع وردة في العربة المغلقة وأن يمنع أي رجل من الاقتراب منها. ثم أخذني من مرفقي ونظر في وجهي.سنتظاهر بأننا لم نر شيئا.ومتى نكشفه؟حين يخطئ. قال بهدوء. من يتقن الكذب كثيرا يطمئن لنفسه، ومن يطمئن يخطئ.انطلقت القافلة مع الفجر. أمامنا فرسان رومان في صف مرتب، وخلفنا عشرة آخرون، وفي الوسط عربتنا المغطاة. كان المطر قد توقف وتبخرت الغيوم، وبقي الطريق موحلا تلمع عليه قطرات الماء كالزجاج المتكسر.مررنا بقرى نائمة وحقول خضراء رطبة، وبدا العالم كله وديعا كأن لا أحد فيه يخطط لقتل أحد. شممت رائحة التراب المبلل من نافذة العربة وتمنيت لو أن الحياة بهذه البساطة. فتاة تسافر في عربة، ورجل يركب بجانبها، ولا شيء خلف الأفق إلا الصباح.جلست في العربة بجانب وردة، وكايرون يركب بجانب النافذة على حصانه. كان دارين في المقدمة قرب رومان يتبادلان حديثا قصيرا هادئا. ولم أستطع أن أجزم أيهما يخدع الآخ
الفصل التاسع عشر الخاتم الفضيكان قلبي يدق بقوة حتى خشيت أن يسمعه الفرسان الواقفون في الأسفل. فكرت في وردة المرتجفة خلفي، وفي دارين الذي لا أعرف لأي جانب هو، وفي كايرون الواقف أمام عشرة سيوف بلا درع. لم يعد في العالم حولي غير هذه القاعة.ساد الصمت في قاعة النزل حتى سمعت قطرات المطر تنزل من أطراف ثياب الفرسان على الأرضية الخشبية.وقف كايرون على الدرج بقامته الطويلة، وقد أسقط القلنسوة عن رأسه. لم يعد يشبه الفلاح الذي كان في العربة. لمعت عيناه الرماديتان في ضوء الفوانيس، وقال بصوت هادئ يسمعه كل من في القاعة.قم يا رومان.نهض الضابط ببطء. كان يضع قبضته على صدره بحركة الجندي المحترف، وابتسامته ما زالت مرسومة بإتقان.المستشار قلق على سلامتك يا مولاي. قال. وصل إليه خبر أن بعض قطاع الطرق يتجولون في هذه المنطقة.ومن أخبره أنني في هذه المنطقة؟لا أعلم. كل ما أعلمه أن أمرا ملكيا ختمه المستشار وصلني ليلة أمس.أمر ملكي لم أكتبه. قال كايرون ببرود. أراه عجيبا.لم تتغير ملامح رومان. شعرت بالتوتر يشتد في القاعة
الفصل الثامن عشر عاصفة النزلتغير الجو في العربة بعد مغادرتنا الوادي.لم يقل أحد شيئا. جلست وردة بيننا ملتفة بشال صوفي، ويداها تقبضان على صندوق صغير فيه ما تملكه. ومن مقعد السائق كان دارين يقود البغلين بصمت، وظهره مشدود كوتر.وكلما نظرت إلى ندبة حاجبه من الجانب رأيتها أوضح.في منتصف الطريق مالت وردة نحوي وهمست بصوت لا يسمعه غيري.أنت ابنة الشافية. أليس كذلك يا ابنتي؟تجمدت.كنت أخدم في قصر الملك ألدريك قبل أن أصير وصيفة. قالت وهي تنظر إلى الأرض. عيناك هما عيناها. لن أقول لأحد، أقسم لك.أومأت لها فقط، وأمسكت يدها بقوة. لم يكن لدي ما أقوله.لا. قلت لنفسي. رجل كهذا لا يمكن أن يكون قاتلا. رجل ينزف من أجل أطفال غرباء.لكنني تذكرت كلمات أمي. احذري كل من يضع الختم على يده أو ثوبه. ولم تقل شيئا عن من يخفي الختم في قلبه.عند منتصف الطريق بدأت الغيوم السوداء تتجمع فوق الجبال، ثم هبت ريح باردة، وانهمر مطر غزير حول العربة كأن السماء انفتحت. تحول الطريق إلى طين، وغاصت العجلات حتى كادت البغال تتوقف.
الفصل السابع عشر وادي النحل غادرنا القصر قبل أن تشرق الشمس، في عربة تجار قديمة تجرها بغلان، ونحن نرتدي ثيابا رثة من الصوف الخشن. كان كايرون في ثياب فلاح عادي، ولحيته الخفيفة قد أطال منها ما يكفي ليختلف عن صورته على النقود. وكنت أنا بوشاح بني على رأسي. أما دارين فجلس على مقعد السائق في زي حارس بسيط، وعيناه إلى الطريق. كنا نتظاهر بأننا زوجان من التجار يسافران إلى قرية بعيدة لبيع الأصواف. لم أنم ليلة أمس. كنت أرى في كل حركة لدارين علامة استفهام. حين يلتفت، حين يسكت، حين يمد يده إلى السيف. وفي كل مرة أخبر نفسي أن هذا الرجل ضمد جرحه بنفسه وهو ينزف ليحمي طفلا وأمه من السهام. وفي كل مرة تتردد في رأسي كلمة ماريسا. اسألوا دارين عن أبيه. الطريق إلى وادي النحل طويل يخترق غابات الصنوبر والتلال الجرداء. لم نعبر في يومنا الأول إلا قرى صغيرة وجسورا خشبية متهالكة. جلس كايرون بجانبي على المقعد الخلفي، وكانت ركبتانا تتلامسان أحيانا في اهتزاز العربة، فنبتعد بحذر ثم نعود. لم تقولي لي لماذا اخترتِ ثوب الفلاحة هذا.
الفصل السادس عشر الكذبة الجميلةحبست أنفاسي خلف الباب الخشبي حتى صار الصمت يطن في أذني.كان فالين يقف أمام ماريسا في وسط الصوب الزجاجي، وإصبعه الأسود يلمع في ضوء القمر. وكانت ماريسا تنظر إليه ببراءة كاملة، لكنني رأيت من خلف الفجوة الصغيرة أن يديها المرفوعتين ترتجفان.أي دفتر يا عمي؟ كررت. كان صوتها هادئا إلى حد جعلني أتساءل كم مرة تدربت على الكذب أمام هذا الرجل. لا أملك دفترا إلا مذكراتي، وهي في غرفتي منذ أسبوع.لم أسألك عن مذكراتك.إذن لا أفهم ما تقصد.صمت فالين طويلا. ثم قال بنعومة مخيفة.تعرفين كم أحبك يا ماريسا. أنت الشيء الوحيد الصادق في حياتي. لو كنت تخفين عني شيئا فلا تتركيني أكتشفه بنفسي. سأكون حزينا جدا.ارتجفت شفتا ماريسا. ثم انهارت فجأة وانفجرت في البكاء.كنت أبكي يا عمي. هذا كل ما في الأمر. الملك أذلني أمام الجميع في الحديقة، وصرت أضحوكة القصر. جئت إلى هنا لأنني لم أتحمل أن يراني أحد باكية.رأيت وجه فالين يلين ببطء. تقدم وضمها بين ذراعيه كأب مثالي، ومسح دموعها بإبهامه. ولو لم أقرأ ا







