FAZER LOGIN«هناك من سيدفع ثروة مقابل دمك.»
«أنا لست سلعة.» «هذا ليس أمرًا يخصك.» انقبضت أصابعها فوق الثلج. كانت قد سمعت هذه الكلمات من قبل، بأشكال مختلفة، ومن أفواه أشخاص مختلفين. وفي كل مرة، كان المطلوب منها أن تصمت، وأن تقبل بما يقرره الآخرون لها. لكنها لم تعد قادرة على الصمت. «أنت جبان»، قالت بصوت مرتجف. «لا تستطيع مواجهة من هو أقوى منك، لذلك تبحث عن فتاة جريحة لتبيعها.» اختفت الابتسامة من وجه رافن. «احذري كلماتك.» «وإلا ماذا؟ ستضربني؟ ستبيعني؟ لقد فعلتم كل ما تستطيعون فعله بي بالفعل.» اندفع نحوها، فرفعت ذراعيها لتحمي وجهها. لكن الضربة لم تصل. فجأة، انطلق عواء هائل من أعماق الغابة. توقف رافن في منتصف حركته، واستدار الرجال الثلاثة في اللحظة نفسها. لم يكن الصوت بعيدًا هذه المرة. كان قريبًا إلى حد جعل الأرض ترتجف تحت أقدامهم. ثم ساد صمت ثقيل. رأت لونا وجه رافن يتغير. شحب جلده، واتسعت عيناه، وتراجع خطوة إلى الوراء. «لا...» همس. ظهر ظل ضخم بين الأشجار. ثم خرج الذئب. كان أسود بالكامل، ذا فراء كثيف تتلألأ فوقه حبيبات الثلج. تجاوز حجمه حجم أي ذئب رأته لونا في حياتها، وكانت عضلاته تتحرك تحت جلده مع كل خطوة، بينما غاصت مخالبه في الأرض المتجمدة. لكن أكثر ما أخافها كان عيناه. عينان ذهبيتان، ثابتتان، لا تحملان أي تردد. لم يحتج إلى الركض كي يثير الرعب. كان حضوره وحده كافيًا لجعل الذئاب الثلاثة تخفض رؤوسها. تراجع رافن حتى اصطدم بجذع شجرة، ثم انحنى بسرعة. «ألفا كاين!» لم يجبه الذئب. لم ينظر إليه حتى. كانت عيناه مثبتتين على لونا. همس أحد الرجلين خلف رافن: «إنه هنا... انتهينا.» لكن لونا لم تفهم ما الذي جعلهم يرتعبون بهذه الصورة. كل ما رأته وحشًا أسود ضخمًا يتقدم نحوها، بينما لم يعد أحد من مطارديها يجرؤ على الحركة. تراجعت خطوة، ثم اصطدمت بالصخرة مرة أخرى. لم يكن لديها مكان آخر تذهب إليه. ومع ذلك، حين توقف الذئب أمامها، رفعت وجهها إليه. كانت ترتجف من البرد والخوف، لكن شيئًا في داخلها رفض أن يسمح لها بالانحناء. قالت بصوت متحشرج: «هل جئت لتقتلني أنت أيضًا؟» لم يتحرك. أخذت نفسًا مرتجفًا، ثم أضافت متحدية: «إذن افعلها. اقتلني إن كنت رجلًا.» شهق رافن. «اخرسي! كيف تجرؤين على مخاطبة الألفا بهذه الطريقة؟» أطلق الذئب الأسود زمجرة مدوية. ارتد رافن إلى الخلف، وانحنى الرجلان الآخران حتى لامست ركبتاهما الثلج. لكن الذئب لم يكن غاضبًا من لونا. كان ينظر إليها كما لو أنها الشيء الوحيد الموجود في العالم كله. ثم اقترب. خطوة واحدة. ثم أخرى. حتى أصبح قريبًا منها بما يكفي لتشعر بأنفاسه الدافئة على وجهها. أغمضت عينيها للحظة، متوقعة أن تنغرس أنيابه في عنقها. لكنها شعرت بأنفه يقترب من رقبتها. استنشق رائحتها. وفجأة، تجمد جسده بالكامل. في أعماق روح كاين، استيقظ شيء لم يعرف الهدوء منذ سنوات. كانت رائحتها مختلفة. مزيج من الفانيليا والدم والثلج، رائحة ناعمة وغريبة، تسللت إلى أعماقه واخترقت كل الحواجز التي بناها حول نفسه. توقفت أفكاره. تصلبت عضلاته. وللمرة الأولى منذ خمس سنوات، سمع صوت ذئبه بوضوح. لي. لم يصدق ما سمعه. حاول أن يبتعد، لكن الصوت عاد، أقوى هذه المرة، محملًا بشيء يشبه اليقين المطلق. مقدّرتي! تراجع كاين بعنف، وكأن الأرض اشتعلت تحت قدميه. لا. مستحيل. لم يكن ذلك ممكنًا. لقد أقسم ألا يرتبط مرة أخرى. أقسم ألا يسمح للقمر بأن يختار له امرأة أخرى، وألا يكرر المأساة التي حطمت حياته. لكن ذئبه لم يكن يستمع إليه. كان يريد الاقتراب منها، وحمايتها، وإخفاءها عن العالم كله. وكان ذلك أسوأ ما يمكن أن يحدث. لأن كل امرأة ارتبط بها كاين انتهت بالموت. رأت لونا الذئب الأسود يتراجع، ثم يهتز جسده بعنف. لم تفهم ما يحدث إلا عندما بدأ يتحول. تراجعت بسرعة، وعيناها معلقتان بالمشهد الذي لم تتخيل يومًا أنها ستراه. انحسر الفراء الأسود، وتبدلت هيئة الوحش حتى وقف أمامها رجل طويل القامة، عريض الكتفين، ذو شعر أسود فوضوي وملامح حادة. كان يرتدي معطفًا أسود، وعيناه الذهبيتان لا تزالان تحملان شيئًا من وحش الغابة. كاين. لم تكن بحاجة إلى أن يخبرها أحد. عرفت من الطريقة التي انحنى بها الرجال الثلاثة، ومن الرعب الذي ارتسم على وجوههم، ومن القوة التي ملأت المكان حتى صار التنفس صعبًا. كان هو الألفا الذي هربت إلى أرضه لتنجو من مطارديها. وهو الرجل الذي قد يقرر قتلها بيده. نظر إليها طويلًا، ثم سألها بصوت عميق: «ما اسمك؟» لم تجب. اقترب خطوة. «سألتك عن اسمك.» رفعت ذقنها، رغم أن قلبها كان يضرب صدرها بعنف. «لونا.»كانت تستطيع الابتعاد لو أرادت.وكانت تستطيع البقاء لأنها اختارت ذلك.وهذا هو الفارق الذي غيّر كل شيء.رفعت لونا عينيها نحو القمر.تذكرت العلامة الفضية التي ظهرت على رقبتها، والأيام التي عدّتها وهي تنتظر موتها، والليالي التي ظنت فيها أن لا أحد يستطيع أن يفهم خوفها.تذكرت البوابة السوداء، وأصوات الماضي، والوجوه التي فقدتها، والقرارات التي اتخذتها وهي لا تعرف إن كانت ستنجو من نتائجها.وتذكرت الفتاة التي كانت عليها قبل كل ذلك.لم تعد تريد أن تخبرها بأنها كان ينبغي أن تكون أقوى.لم تعد تريد أن تلومها لأنها خافت.لو استطاعت أن تعود إلى تلك الأيام، لاقتربت من تلك الفتاة الصغيرة، واحتضنتها، وأخبرتها أن خوفها لا يجعلها ضعيفة، وأنها ليست ملعونة، وأن حياتها لا تنتهي عند العلامة الفضية.كانت ستخبرها أن هناك صباحات ستستيقظ فيها على ضحكات أطفالها.وأن هناك رجلًا سيقف إلى جوارها دون أن يطلب منها أن تتنازل عن نفسها.وأنها ستجلس يومًا على عرشها، لا لأن الدم اختارها، بل لأنها اختارت ما تريد أن تكونه.وأن القمر الذي كانت تخشاه سيصبح يومًا مجرد ضوء جميل فوق بيتها.ابتسمت لونا، وانسابت خصلة من شعرها الأبي
أمي! انظري! القمر!»اقتربت منه.«أراه.»سألها كاين الصغير:«هل سيظل هناك غدًا؟»ابتسمت.«سيظهر في أيام كثيرة، وإن بدا مختلفًا في بعض الليالي.»فكر الطفل قليلًا.«وهل يعرف أننا هنا؟»نظرت لونا إلى القمر.ثم إلى طفليها.«لا أعرف إن كان يعرف أسماءنا، لكنه سيظل يضيء السماء سواء نظرنا إليه أم لم نفعل.»لم يكن في إجابتها خوف، ولا محاولة لإخفاء سر.كانت مجرد حقيقة بسيطة، قالتها لأطفالها كما ينبغي أن تُقال الحقائق.ثم سأل آدم:«هل كنتِ تحبين القمر عندما كنتِ صغيرة؟»توقفت لونا للحظة.كان السؤال بسيطًا، لكن الإجابة حملت سنوات طويلة من حياتها.قالت:«كنت أخاف منه أحيانًا.»نظر الطفلان إليها بدهشة.«أنتِ؟» سأل آدم.ابتسمت.«نعم، أنا. حتى أقوى الأشخاص يخافون أحيانًا.»اقترب كاين الصغير منها.«وهل لم تعودي تخافين؟»انحنت لونا، وأحاطت كتفيهما بذراعيها.«قد أخاف يومًا ما. لكنني تعلمت أن الخوف لا يعني أنني عاجزة، ولا يعني أن عليّ أن أتوقف عن الحياة.»ثم رفعت رأسها نحو القمر.«وتعلمت أنني أستطيع أن أحب شيئًا دون أن أسمح له بأن يحكمني.»لم يفهم الطفلان كل ما قصدته، لكنهما لم يحتاجا إلى ذلك.فقد كانا يش
«أنت تقول ذلك دائمًا.»ضحك الحاضرون القريبون منهم، ثم استقامت لونا وبدأت كلمتها.«حين وصلت إلى هذه المملكة، كنت أظن أنني سأجد هنا مصيري مكتوبًا قبل أن أتمكن من اختياره. قيل لي إن دمي يحدد ما أستحقه، وإن العلامة التي أحملها تعني أن حياتي ليست ملكي، وإن قوتي لا بد أن تكون سببًا في خوفي أو خوف الآخرين.»سكتت قليلًا، وألقت نظرة على القطعان الأربع.«لكنني تعلمت أن الدم لا يحدد قيمة الإنسان، وأن القوة لا تمنح أحدًا الحق في السيطرة على غيره، وأن الماضي، مهما كان مؤلمًا، لا ينبغي أن يكتب المستقبل نيابة عنا.»رفعت يدها، وأشارت إلى العائلات التي وقفت في الساحة.«لم ننتهِ من كل مشكلاتنا. ما زلنا نختلف، وما زلنا نخطئ، وما زال أمامنا الكثير لنتعلمه. لكننا لم نعد نعيش وفقًا للخوف وحده. لقد اخترنا أن نبني بدلًا من أن نهدم، وأن نسمع بدلًا من أن نفرض، وأن نمنح أبناءنا فرصة لم نحصل عليها نحن.»نظرت إلى آدم وكاين الصغير.كانا يستمعان إليها، وإن بدا أن أحدهما يفكر في الطعام، والآخر في السباق الذي يريد خوضه بعد انتهاء الاحتفال.ابتسمت.«لن أطلب منكم أن تنحنوا لي لأنني اللونا البيضاء. ولن أطلب من أطفالكم أ
لم تكن لونا تعرف أن النهاية يمكن أن تأتي هادئة إلى هذا الحد.لم تأتِ مصحوبة بصليل السيوف، ولا بصرخات الجنود، ولا ببوابة سوداء تنفتح في قلب الليل لتبتلع كل ما تحبه. لم تحمل معها نبوءة جديدة، ولم تطلب منها أن تختار بين حياتها وحياة من تحب.جاءت في صباح عادي، حين تسللت أشعة الشمس إلى غرفة نومها، وسمعت ضحكات طفليها من خلف الباب، بينما كان كاين يحاول إقناعهما بأن ارتداء الملابس قبل الإفطار ليس مؤامرة دبّرها ضدهما.كانت لونا لا تزال مستلقية حين انفتح الباب فجأة، واندفع آدم إلى الغرفة، يتبعه أخوه كاين الصغير.«أمي! أبي يقول إننا لن نذهب إلى الغابة اليوم!»ظهر كاين خلفهما، وقد بدا عليه أنه خاض معركة طويلة لم ينتصر فيها.«لأنكما تريدان الذهاب إلى الغابة قبل الإفطار، ثم ستجوعان في منتصف الطريق، وسأضطر إلى حملكما حتى نعود إلى القصر.»اعترض آدم:«أنا لا أجوع بسرعة!»وأضاف أخوه:«وأنا أستطيع المشي وحدي!»نظرت لونا إلى زوجها، ثم إلى الطفلين اللذين وقفا أمامها بملامح متشابهة في الإصرار، ومختلفة في طريقة التعبير عنه.ضحكت.«سنذهب إلى الغابة بعد الإفطار. ومن لا ينتهِ من طعامه، سيبقى مع المربية.»توقف
«نحتاج إلى حجارة أكبر.»وأضاف أخوه:«ونحتاج إلى ألا يهدمها أحد.»جلست لونا على العشب.«وماذا ستفعلان إذا انهارت مرة أخرى؟»فكر آدم قليلًا.«سنبنيها من جديد.»«وإذا انهارت عشر مرات؟»رفع كاين الصغير كتفيه.«سنبنيها إحدى عشرة مرة.»ضحكت لونا.ثم ساعدتهما على وضع حجر كبير في قاعدة البناء، قبل أن تتركهما يكملان عملهما.كانت يدها لا تزال تحمل الأثر الفضي الخافت، لكنها لم تعد تنظر إليه كل بضع دقائق.فقد وجدت أمامها شيئًا يستحق انتباهها أكثر.طفلان يتعلمان أن السقوط لا يعني النهاية، وأن الأشياء التي تنهار يمكن إعادة بنائها، وأن طلب المساعدة لا ينتقص من قيمة من يطلبها.وربما كان هذا ما احتاجت إلى تعلمه هي أيضًا.أن حياتها لم تعد مشروعًا لإصلاح ما فعله الآخرون بها.لم تعد مطالبة بأن تثبت أنها أقوى من اللعنة، أو أكثر استحقاقًا للحياة من كل من سبقها.كان بإمكانها أن تعيش فحسب.في تلك الليلة، دعا كاين لونا إلى الشرفة.كان القمر يتجه نحو الاكتمال، والسماء صافية على نحو جعل النجوم تبدو أقرب من المعتاد.وقفت لونا إلى جواره، ثم رفعت يدها أمام الضوء.ظهر الأثر الفضي للحظات، قبل أن يخفت مجددًا.قال كاي
لم يكن هناك ما ينذر بأن ذلك اليوم سيختلف عن سائر الأيام.أشرقت الشمس فوق مملكة الذئاب، وامتد ضوؤها على أبراج القصر، بينما انشغل الخدم بإعداد الإفطار، وبدأ الحراس تبديل نوباتهم عند البوابات. في الحدائق، كان آدم يركض خلف فراشة بيضاء، بينما يتبعه أخوه كاين الصغير، معترضًا بصوت مرتفع لأنه يعتقد أن أخاه يغش حتى في اللعب.كانت الحياة تسير بهدوء، حتى إن لونا بدأت تصدق أن الماضي قد استنفد أخيرًا كل ما يملكه من مفاجآت.لكنها كانت تعرف أيضًا أن السلام الحقيقي لا يعني أن تختفي الذكريات، بل أن تتوقف عن التحكم في كل خطوة تخطوها.جلست في شرفتها المعتادة، تحمل كوبًا من الشاي، وتراقب ابنيها وهما يتجادلان قرب النافورة.كان آدم قد بلغ الثالثة، وصار شعره الأبيض أكثر طولًا، حتى باتت لونا تجمعه أحيانًا بعيدًا عن عينيه. أما كاين الصغير، فقد ورث عن أبيه النظرة الحادة التي تجعل من لا يعرفه يظنه طفلًا جادًا، قبل أن يكتشف أنه قادر على تحويل أي موقف بسيط إلى فوضى كاملة.رأت آدم يرفع عصًا صغيرة ويعلن أنه الملك، ثم يطالبه أخوه بالتنازل عن العرش لأنه، بحسب قوله، «وصل إلى النافورة أولًا».وضعت لونا كوبها جانبًا، وا