Se connecter*لعنة القمر لم تُخلق لونا لتكون لونا. بيعت كجارية لقطيعٍ لا يرحم، وعلى عنقها علامة فضية تعدّ الأيام المتبقية من حياتها. الجميع يراها ملعونة.. إلا هو. كاين، ألفا قطيع Shadow Moon، الوحش الذي لا يركع، اشتراها ليكسرها، فوجد فيها القوة التي ستكسره هو. حين قررت لونا أن تواجه الموت بالانتقام، وحين قرر هو أن يحميها من لعنةٍ لا تُقهَر، اختلط الدم بالقدر، وبدأت أسطورة. هي لم تكن تبحث عن حب، بل عن حقٍ مسلوب. وهو لم يكن يؤمن بالمقدرات، حتى أصبح مقدرها هو لعنته الوحيدة. *في عالمٍ تحكمه الأنياب والقمر، هل يكفي الحب لكسر لعنة عمرها مئة عام؟ أم أن القدر يخبئ لها تحولاً سيجعل كل الذئاب تركع؟*
Voir plusرائحة الفانيليا والدم
كان البرد ينهش عظامها، والثلج يتراكم تحت قدميها الحافيتين مع كل خطوة تخطوها في الغابة المظلمة. لم تعد لونا تشعر بقدميها، ولا بالأغصان التي مزقت جلدها، ولا حتى بالألم الذي يتصاعد من جرح عميق في ساقها اليمنى. كان الدم الدافئ يسيل على بشرتها الشاحبة، ثم يتساقط فوق الثلج، تاركًا خلفها أثرًا أحمر يسهل على مطارديها تتبعه. لم يكن لديها وقت للتفكير. كان عليها أن تركض. أن تواصل الركض حتى لو انهارت ساقاها، وحتى لو انقطع نفسها، وحتى لو اضطرت إلى الزحف فوق الثلج بأظافرها. فإذا أمسكوا بها، فلن تعود حية. «أسرعوا! لقد اتجهت نحو الشمال!» وصلها صوت أحد الرجال من خلفها، فالتفتت للحظة، ورأت ثلاثة أشباح تتحرك بين الأشجار. كانت عيونهم تلمع بلون ذهبي، وكانت أنيابهم تظهر كلما ارتسمت على وجوههم ابتسامة ساخرة. ثلاثة ذئاب من قطيع Blood River. ثلاثة صيادين لم يطاردوها من أجل جريمة ارتكبتها، بل لأن دمها كان يساوي ثروة لدى الأشخاص الذين يتاجرون بأنصاف الدماء. شدّت لونا أسنانها، وأسرعت في خطواتها رغم الألم. كانت في التاسعة عشرة من عمرها، ومع ذلك لم تعرف يومًا معنى أن تعيش بأمان. منذ طفولتها، وهي تسمع الكلمات نفسها تتردد حولها: نصف دم، منبوذة، لعنة. لم تكن بشرية بما يكفي لتنتمي إلى البشر، ولم تكن ذئبة كاملة بما يكفي لتقبلها القطعان. وحين لم يظهر ذئبها عند بلوغها السادسة عشرة، تحولت نظرات الشفقة القليلة التي كانت تحصل عليها إلى احتقار صريح. لكنها لم تكره أحدًا بقدر ما كرهت أولئك الذين اعتقدوا أن اختلافها يمنحهم الحق في امتلاكها. «توقفي عن الركض، أيتها الحمقاء!» صاح أحد مطارديها. «لن تستطيعي الابتعاد عنا إلى الأبد!» لم تجبه. كانت تعرف أنهم أقوى منها، وأنها لن تتمكن من مواجهتهم، لكنها فضّلت الموت في الغابة على العودة معهم. وفجأة، تعثرت قدمها بجذر شجرة بارز، فسقطت على ركبتيها. اندفعت يداها إلى الثلج، وانطلقت من صدرها شهقة حادة. حاولت النهوض، لكن ساقها المصابة رفضت حملها. ضغطت على الجرح، وأغمضت عينيها للحظات، تحاول مقاومة الدوار الذي بدأ يثقل رأسها. لم تكن تستطيع التوقف. ليس الآن. رفعت رأسها، فرأت لافتة خشبية سوداء مثبتة بين شجرتين عملاقتين. زحفت نحوها، ومسحت الثلج المتراكم فوقها بأصابع مرتجفة، حتى ظهرت الكلمات المحفورة على سطحها. SHADOW MOON وتحت الاسم، كُتبت عبارة تحذيرية: الدخول يعني الموت. تجمدت لونا في مكانها. كانت تعرف هذا الاسم جيدًا. Shadow Moon، أقوى القطعان وأكثرها عزلة، أرض لا تجرؤ الذئاب الأخرى على دخولها، حتى في أوقات الحرب. يحكمها ألفا لم ينجح أحد في تحديه، رجل تقول الحكايات إنه لا يعرف الرحمة، وإن ذئبه الأسود قادر على إسقاط خصومه قبل أن يتمكنوا من إدراك أنهم أصبحوا فريسة له. كاين. لم تكن بحاجة إلى سماع بقية الحكايات كي تعرف أن دخول أرضه قد يكون حكمًا بالموت. لكن الأصوات خلفها أصبحت أقرب. سمعت ضحكة أحد الرجال، ثم صوت خطواتهم وهي تدوس الثلج. نظرت لونا إلى اللافتة، ثم إلى الغابة المظلمة الممتدة خلفها. كان أمامها خياران: أن تقع في أيدي رجال سيبيعونها لمن يدفع أكثر، أو أن تدخل أرض الوحش الذي يخشاه الجميع. ضحكت بمرارة، ومسحت الدم عن جبينها. «يبدو أنني لا أملك ترف الاختيار.» ثم تجاوزت الحدود. ولم تكن تعرف أنها، بتلك الخطوة، قد غيّرت مصير قطيع بأكمله. توقف رافن أمام اللافتة، وتبعه الرجلان الآخران. كان أطولهم قامة، وأكثرهم قسوة، وقد أمضى سنوات طويلة في تنفيذ أوامر قادة Blood River. لكنه، رغم ذلك، لم يستطع إخفاء التوتر الذي ظهر في عينيه حين أدرك أين انتهت آثار أقدام الفتاة. قال أحد رجاله بحذر: «لقد دخلت أرض Shadow Moon.» لم يجب رافن فورًا. انحنى، وفحص أثر الدم فوق الثلج، ثم رفع رأسه نحو الأشجار المظلمة. «أرى ذلك.» تردد الرجل الآخر قبل أن يسأله: «هل نعود؟» استدار رافن نحوه بحدة. «أتريد أن أعود إلى ألفانا وأخبره أننا فقدنا الفتاة؟» «لكننا إذا دخلنا أرض كاين، فقد لا نخرج منها أحياء.» أخرج رافن خنجرًا فضيًا من حزامه، ثم قال ببرود: «لن يعرف بوجودنا. سنجدها، ونأخذها، ونغادر قبل أن يلاحظ أحد شيئًا.» لم يبدُ الرجلان مقتنعين، لكنهما تبعاه في النهاية. لم يكن أي منهم يعلم أن الغابة التي دخلوها لم تكن أرضًا خالية من العيون. ففي أعماقها، كانت هناك عينان ذهبيتان تراقبان كل حركة. وكان صاحباهما قد استيقظا بالفعل. كانت لونا تتقدم بصعوبة بين الأشجار. كل شيء في المكان بدا مختلفًا. الأشجار أكثر ارتفاعًا، والظلال أكثر كثافة، والهدوء نفسه يحمل شيئًا غير طبيعي، كأن الغابة تحبس أنفاسها انتظارًا لحدوث أمر ما. ومع ذلك، بدأت تشعر بحرارة غريبة تنبعث من صدرها. وضعت يدها فوق قلبها، وتوقفت للحظة. كان ينبض بسرعة مؤلمة. لم تفهم السبب، لكنها شعرت بأن شيئًا ما يستجيب لوجودها في هذا المكان. شيء قديم، نائم في أعماقها منذ سنوات. أبعدت يدها، وأجبرت نفسها على مواصلة السير. ثم سمعت العواء. كان عميقًا، قويًا، حتى إن صداه ارتطم بالأشجار وتردد بين الجبال البعيدة. لم يكن عواء ذئب عادي، بل صوتًا حمل في داخله سلطة جعلت جسدها يتجمد في مكانه. وبعد لحظات، جاء عواء آخر. أقرب. أشد. انقبض قلبها. لم تعرف لماذا شعرت بالرغبة في الهرب، ولماذا شعرت في الوقت نفسه بأن عليها البقاء. ثم ظهرت الذئاب الثلاثة بين الأشجار. كان رافن قد تحول إلى ذئب رمادي ضخم، وتبعه رفيقاه. تحركوا في نصف دائرة، محاصرين إياها قبل أن تتمكن من الوصول إلى أي طريق آخر. تراجعت لونا حتى اصطدم ظهرها بصخرة مغطاة بالثلج. لم يعد أمامها مفر. عاد رافن إلى هيئته البشرية، وتبعه الرجلان. تقدم نحوها وهو يبتسم ابتسامة باردة. «لقد أتعبتِنا كثيرًا يا فتاة.» رفعت لونا رأسها رغم ارتجافها. «ابتعد عني.» ضحك الرجل خلفه. «ما زلتِ تتصرفين وكأن لديكِ خيارًا.» ثبتت لونا عينيها على رافن. «لماذا تريدونني؟» اقترب منها خطوة.كانت تستطيع الابتعاد لو أرادت.وكانت تستطيع البقاء لأنها اختارت ذلك.وهذا هو الفارق الذي غيّر كل شيء.رفعت لونا عينيها نحو القمر.تذكرت العلامة الفضية التي ظهرت على رقبتها، والأيام التي عدّتها وهي تنتظر موتها، والليالي التي ظنت فيها أن لا أحد يستطيع أن يفهم خوفها.تذكرت البوابة السوداء، وأصوات الماضي، والوجوه التي فقدتها، والقرارات التي اتخذتها وهي لا تعرف إن كانت ستنجو من نتائجها.وتذكرت الفتاة التي كانت عليها قبل كل ذلك.لم تعد تريد أن تخبرها بأنها كان ينبغي أن تكون أقوى.لم تعد تريد أن تلومها لأنها خافت.لو استطاعت أن تعود إلى تلك الأيام، لاقتربت من تلك الفتاة الصغيرة، واحتضنتها، وأخبرتها أن خوفها لا يجعلها ضعيفة، وأنها ليست ملعونة، وأن حياتها لا تنتهي عند العلامة الفضية.كانت ستخبرها أن هناك صباحات ستستيقظ فيها على ضحكات أطفالها.وأن هناك رجلًا سيقف إلى جوارها دون أن يطلب منها أن تتنازل عن نفسها.وأنها ستجلس يومًا على عرشها، لا لأن الدم اختارها، بل لأنها اختارت ما تريد أن تكونه.وأن القمر الذي كانت تخشاه سيصبح يومًا مجرد ضوء جميل فوق بيتها.ابتسمت لونا، وانسابت خصلة من شعرها الأبي
أمي! انظري! القمر!»اقتربت منه.«أراه.»سألها كاين الصغير:«هل سيظل هناك غدًا؟»ابتسمت.«سيظهر في أيام كثيرة، وإن بدا مختلفًا في بعض الليالي.»فكر الطفل قليلًا.«وهل يعرف أننا هنا؟»نظرت لونا إلى القمر.ثم إلى طفليها.«لا أعرف إن كان يعرف أسماءنا، لكنه سيظل يضيء السماء سواء نظرنا إليه أم لم نفعل.»لم يكن في إجابتها خوف، ولا محاولة لإخفاء سر.كانت مجرد حقيقة بسيطة، قالتها لأطفالها كما ينبغي أن تُقال الحقائق.ثم سأل آدم:«هل كنتِ تحبين القمر عندما كنتِ صغيرة؟»توقفت لونا للحظة.كان السؤال بسيطًا، لكن الإجابة حملت سنوات طويلة من حياتها.قالت:«كنت أخاف منه أحيانًا.»نظر الطفلان إليها بدهشة.«أنتِ؟» سأل آدم.ابتسمت.«نعم، أنا. حتى أقوى الأشخاص يخافون أحيانًا.»اقترب كاين الصغير منها.«وهل لم تعودي تخافين؟»انحنت لونا، وأحاطت كتفيهما بذراعيها.«قد أخاف يومًا ما. لكنني تعلمت أن الخوف لا يعني أنني عاجزة، ولا يعني أن عليّ أن أتوقف عن الحياة.»ثم رفعت رأسها نحو القمر.«وتعلمت أنني أستطيع أن أحب شيئًا دون أن أسمح له بأن يحكمني.»لم يفهم الطفلان كل ما قصدته، لكنهما لم يحتاجا إلى ذلك.فقد كانا يش
«أنت تقول ذلك دائمًا.»ضحك الحاضرون القريبون منهم، ثم استقامت لونا وبدأت كلمتها.«حين وصلت إلى هذه المملكة، كنت أظن أنني سأجد هنا مصيري مكتوبًا قبل أن أتمكن من اختياره. قيل لي إن دمي يحدد ما أستحقه، وإن العلامة التي أحملها تعني أن حياتي ليست ملكي، وإن قوتي لا بد أن تكون سببًا في خوفي أو خوف الآخرين.»سكتت قليلًا، وألقت نظرة على القطعان الأربع.«لكنني تعلمت أن الدم لا يحدد قيمة الإنسان، وأن القوة لا تمنح أحدًا الحق في السيطرة على غيره، وأن الماضي، مهما كان مؤلمًا، لا ينبغي أن يكتب المستقبل نيابة عنا.»رفعت يدها، وأشارت إلى العائلات التي وقفت في الساحة.«لم ننتهِ من كل مشكلاتنا. ما زلنا نختلف، وما زلنا نخطئ، وما زال أمامنا الكثير لنتعلمه. لكننا لم نعد نعيش وفقًا للخوف وحده. لقد اخترنا أن نبني بدلًا من أن نهدم، وأن نسمع بدلًا من أن نفرض، وأن نمنح أبناءنا فرصة لم نحصل عليها نحن.»نظرت إلى آدم وكاين الصغير.كانا يستمعان إليها، وإن بدا أن أحدهما يفكر في الطعام، والآخر في السباق الذي يريد خوضه بعد انتهاء الاحتفال.ابتسمت.«لن أطلب منكم أن تنحنوا لي لأنني اللونا البيضاء. ولن أطلب من أطفالكم أ
لم تكن لونا تعرف أن النهاية يمكن أن تأتي هادئة إلى هذا الحد.لم تأتِ مصحوبة بصليل السيوف، ولا بصرخات الجنود، ولا ببوابة سوداء تنفتح في قلب الليل لتبتلع كل ما تحبه. لم تحمل معها نبوءة جديدة، ولم تطلب منها أن تختار بين حياتها وحياة من تحب.جاءت في صباح عادي، حين تسللت أشعة الشمس إلى غرفة نومها، وسمعت ضحكات طفليها من خلف الباب، بينما كان كاين يحاول إقناعهما بأن ارتداء الملابس قبل الإفطار ليس مؤامرة دبّرها ضدهما.كانت لونا لا تزال مستلقية حين انفتح الباب فجأة، واندفع آدم إلى الغرفة، يتبعه أخوه كاين الصغير.«أمي! أبي يقول إننا لن نذهب إلى الغابة اليوم!»ظهر كاين خلفهما، وقد بدا عليه أنه خاض معركة طويلة لم ينتصر فيها.«لأنكما تريدان الذهاب إلى الغابة قبل الإفطار، ثم ستجوعان في منتصف الطريق، وسأضطر إلى حملكما حتى نعود إلى القصر.»اعترض آدم:«أنا لا أجوع بسرعة!»وأضاف أخوه:«وأنا أستطيع المشي وحدي!»نظرت لونا إلى زوجها، ثم إلى الطفلين اللذين وقفا أمامها بملامح متشابهة في الإصرار، ومختلفة في طريقة التعبير عنه.ضحكت.«سنذهب إلى الغابة بعد الإفطار. ومن لا ينتهِ من طعامه، سيبقى مع المربية.»توقف