Share

الفصل الثالث

Author: ليورا زد
عدت إلى غرفة النوم، وأخذت أتأمل الخزائن المكتظة بالثياب.

كل قطعة منها كانت تحمل ذكرى، أو وعدًا مكسورًا.

الفستان الحريري الأحمر. قال ماتيو يومًا إن لونه يشبه الدم والورد وحبه لي.

المعطف الأبيض من الكشمير. اشتراه لي في باريس، وقال إنه سيحميني من برد شيكاغو.

وقطعة الدانتيل السوداء... وكانت المفضلة لديه...

كل واحدة منها كانت شاهدًا على كذبة.

بدأت أجمع ما أريد، ثم توقفت. هذه الثياب ليست لي. إنها أزياء حياة مزيفة. فليحتفظ بها هو.

"ناتاليا"!

وبعد ساعة، جاء صوت ماتيو من أسفل، منخفضًا مرهقًا.

توقفت يدي في الهواء.

قال: "أعدّي لي الشاي، وأحضريه إلى غرفة المكتب. أمامي ليلة طويلة".

شاي لتهدئته.

طوال سنوات، كان كلما تعثرت أعمال ماتيو، أو عجز عن النوم بعد هجوم من عائلة منافسة، كان يطلب مني أن أعده له.

وقد أعددته له مرات لا تُحصى.

وكان يقول في كل مرة إن الشاي الذي أعده هو ما يجلب له النوم.

قلت بهدوء: "حسنًا".

وستكون هذه آخر مرة.

تنهدت، ثم نهضت وذهبت إلى المطبخ.

ولم أتوقع أن أجد سيسيليا هناك.

فلما رأتني، ظهرت على شفتيها ابتسامة ماكرة.

قالت: "صبرك يُثير الإعجاب يا ناتاليا. ظننتك ستندفعين إلى هنا وتنتزعين ثيابي عني".

ثم دفعت بصدرها إلى الأمام عن عمد، لتُظهر العلامة الحمراء الغاضبة عند ترقوتها.

قلت وأنا أخرج الأعشاب واحدة بعد أخرى: "حقًّا! أتريدين كوبًا؟ هذه الدفعة وصلت اليوم، وسعر الرطل منها ستة آلاف دولار".

أربكها هدوئي.

وأخذت تنظر إليّ من أعلى إلى أسفل، كأنني شيء غريب لا تفهمه.

قالت، وهي تستند إلى الرخامة وترفع تنورتها أكثر: "هل تعلمين سبب حاجته إلى هذا الشاي الليلة؟ لأننا كنا في غرفة المكتب نلهو قليلًا. قال إنك لا تثيرينه كما أفعل".

ثم أردفت: "هل تريدين أن تعرفي سبب زواجه بك؟ كان ذلك رهانًا بيني وبينه".

توقفت يداي.

التفتُّ إليها وقلت: "أي رهان؟"

اتسعت ابتسامتها وقالت: "رهان على أنه إذا تزوج أميرة عائلة روسّي الصغيرة المفجوعة، فسيتمكن من حمل كبار عائلتك على تسليم السيطرة على أرصفة الميناء".

ثم تابعت: "أتدرين ما كان المقابل؟ كان عليّ أن انام معه ثلاثين مرة. وما دمتِ قد تزوجته بإرادتك..."

صرخت: "ما هذا الهراء الذي تقولينه يا سيسيليا؟"

وامتلأ باب المطبخ بخيال ماتيو الطويل.

كان وجهه يمتلئ بالذعر والذنب، وعيناه تطعنان سيسيليا طعنًا.

لكنها لم ترتبك. كل ما فعلته أنها لفت ذراعيها حول عنقه.

وقالت: "وأي شيء قلته ليس صحيحًا؟ أنت تعرف يا ماتيو أنك لم توافق على هذا الزواج إلا لتكسب الرهان".

اضطرب وجه ماتيو اضطرابًا شديدًا. بدا كأنه يريد أن يعترض، لكنه لم يفعل إلا أن فتح فمه وأغلقه، عاجزًا عن إخراج كلمة.

وكان يشيح بعينيه عني. وكان الذنب والحيرة ظاهرين على ملامحه.

أما أنا، فوقفت في مكاني كالمشلولة، وكلمات سيسيليا تدوي في أذني.

قبل ستة أعوام، مات أبي، وترك خلفه أرصفة الميناء وثروة طائلة. وكانت كل عائلة تطمع في نصيب منها.

لكنني اخترت ماتيو.

لأنه أنقذ حياتي ونحن صغار. ولأنني أحببته في السر عشرة أعوام.

تزوجته سرًّا، على خلاف رغبة عائلتي.

وفي اليوم الذي سجلنا فيه زواجنا، لم أستطع النوم من فرط الفرح.

ظننت أنه انتبه إليّ أخيرًا. وظننت أن إنقاذه لي قديمًا كان يعني شيئًا. وظننت أنه وقع في حبي أنا أيضًا.

أما الآن، فقد جاءت الحقيقة قاسية كخنجر مسموم، مزقت كل وهم بنيته بيدي.

قال ماتيو: "ناتاليا..."

فجثوت على ركبتي، وأخذت أجمع الأعشاب المتناثرة في هدوء.

ثم وقفت، وقلت بصوت ساكن يبعث الرهبة: "لن يحتاج إلى الشاي. يبدو أنك ستكفلين له نومًا هادئًا الليلة".

ابتسمت سيسيليا ابتسامة المنتصر. أما ماتيو فظل واقفًا، ووجهه ساحة صراع بين المشاعر.

استدرت لأغادر.

فناداني: "ناتاليا، انتظري..."

ولم ألتفت. قلت: "هل بقي شيء آخر تريد أن تقوله؟ عن الرهان مثلًا؟"

قال: "ليس الأمر كما تظنين..."

فاستدرت إليه وقلت، وأنا أحدق في عينيه: "إذن اشرح لي! انظر إليّ يا ماتيو وقُل الحقيقة. حين تزوجتني، هل مرت عليك لحظة واحدة شعرت أنك تزوجتني لأنك كنت تهتم بي؟"

فتح فمه، لكن الكلمات لم تخرج.

فضحكت سيسيليا إلى جانبه وقالت: "أرأيتِ؟ لقد اعترف".

فاكتفيت بأن أومئ برأسي، ثم مضيت في صمت.

وفي تلك الليلة، بينما كنت أتهيأ للنوم، رن هاتفي المشفّر.

كان ماتيو المتصل.

قال بصوت عاجل، كأنما يخشى أن أصدق ما سمعت: "ناتاليا! ما قالته سيسيليا هذا العصر... كانت تختلقه. لا تحمليه في قلبك".

فقلت: "لا تقلق. لقد فهمت كل شيء الآن".

فقال بسرعة: "لا، لم تفهمي. ربما بدأ الأمر من العمل، لكنني وقعت في حبك".

ولعل هدوئي الزائد أقلقه، فقال باضطراب: "أقسم لك سأقيم لك زفافًا رائعًا عند بحيرة كومو الشهر المقبل".

أغمضت عينيّ.

إنه الوعد نفسه، الذي ظل يكرره خمسة أعوام.

قلت: "ماتيو..."

قال: "ماذا؟"

كنت على وشك أن أقول له الحقيقة: "هل أنت متفرغ غدًا؟ بشأن اتفاق التحالف... وبشأن زواجنا..."
Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لم أعد زوجة الدون السرية   الفصل العاشر

    قال جيمس عبر الهاتف، وقد ظهر الوهن في صوته: "انتهى ماتيو فالكوني".وضعت التقرير المالي من يدي، وأسندت ظهري إلى المقعد.قلت: "ماذا تعني؟"قال: "انهارت إمبراطوريته".ثم سكت لحظة، كأنما يجمع ما تفرق من أفكاره.وقال: "بعد أقل من شهرين على رحيلك، بدأت السيولة تجف في عروق عائلة فالكوني".ولم يكن ذلك مفاجئًا لي.فالأعمال الشرعية التي كنت أديرها له كانت تمد شبكته الإجرامية بما يزيد على مليار دولار سنويًّا من التدفق النقدي.ومن دون ذلك، لم تكن إمبراطوريته إلا جثة بلا دم.قلت: "ثم ماذا؟"قال: "أخذته الريبة. صار لا يثق بأحد. بل إنه تخلص حتى من رجال كانوا معه منذ عشر سنين. وكان في صوته أثر من خوف. ثم بدأ يتخذ قرارات مجنونة".فرأيت في خيالي ماتيو، وحيدًا في قصر عائلة فالكوني، يمضي إلى الجنون خطوة خطوة.قال جيمس: "والضربة القاضية كانت تبادل النار في الصيف الماضي. كان الروس في الجهة الشرقية يريدون الاستيلاء على أرصفة الميناء. وفي العادة، يكون هذا النوع من الاحتكاك أمرًا يُعالَج بالتفاوض".قلت: "لكن"!قال: "لكن ماتيو اختار الحرب". ثم أطلق زفرة طويلة. "أرسل خمسين رجلًا ليغيروا على مستودع روسي. فوقعت ال

  • لم أعد زوجة الدون السرية   الفصل التاسع

    في الليلة التي وُقّع فيها المرسوم، ظهر ماتيو عند بوابات قصر عائلة روسي.كان يقود سيارته الكاديلاك السوداء التي عُرف بها وحده.تأهّب حرّاس القصر، وهبطت أيديهم إلى مواضع المسدسات.فقلت من شرفة الطابق الثاني: "دعوه يدخل... لكن وحده".تقدّم ماتيو نحو الباب الرئيسي ببطء. وكان وجهه، تحت ضوء القمر، شاحبًا كشحوب الموتى.قال، وهو يرفع بصره إليّ في الشرفة: "ناتاليا... لدي عرض".قلت: "هاتِ ما عندك".قال: "أعطيكِ نصف أصول عائلة فالكوني، على أن تعودي إليّ".وكان صوته واضحًا في سكون الليل على نحو يبعث القلق.ثم تابع: "سأعطيكي الأرصفة والكازينوهات وشركات العقار... أعطيكِ كل شيء. فقط عودي".فنظرت إليه، ونهض في نفسي شيء من الازدراء.يريد أن يمنحني الأشياء الآن!لم يكن هذا قوله يوم تزوجني قبل خمسة أعوام.قلت، وصوتي هادئ، لكنه يبلغ سمعه بلا عناء: "ماتيو! ما الذي يحملك على الظن أنني أحتاج إلى شيء تمنحني إياه؟"فتجمد في مكانه.ثم قلت: " لا أحتاج أن تمنحني شيئًا يا ماتيو. أنا آخذ ما أريد".فرأيت الدم ينسحب من وجهه.قال: "ماذا تعنين؟"قلت وأنا أستدير عنه: "أعني أن مشكلاتك لم تعد مشكلاتي".فزمجر من أسفل: "نات

  • لم أعد زوجة الدون السرية   الفصل الثامن

    غرفة تجارة شيكاغو، الطابق السابع والعشرون.عند الساعة التاسعة وخمسٍ وخمسين دقيقة صباحًا، ظهر ماتيو عند باب قاعة الاجتماع.كانت تلك أول مرة لا يتأخر فيها.كان كبار العائلتين قد أخذوا أماكنهم في الداخل.جلس كبار عائلة روسي الخمسة إلى أحد جانبي الطاولة الطويلة، وجلس كبار عائلة فالكوني الأربعة إلى الجانب الآخر.أما أنا، فكنت في مقعد أبي القديم، أقلب الأوراق بوجهٍ لا يبدو عليه شيء.ولما دخل ماتيو، تحولت إليه الأبصار جميعًا.كان يبدو في حال يُرثى لها.لم يحلق لحيته منذ ثلاثة أيام، واسودّ ما حول عينيه، وتجعدت بدلته. ذلك الدون الذي كان يومًا مثال الأناقة والهيبة، بدا الآن رجلًا ضائعًا مكسورًا.قال بصوت خافت مبحوح: "ناتاليا..."فرفعت بصري إليه لحظة، ثم عدت إلى أوراقي.قال جوزيبي، كبير عائلة روسي، وهو يشير إلى المقعد المقابل: "تفضل بالجلوس، دون فالكوني"!لكن ماتيو لم يجلس. بل مضى نحوي مباشرة.وقال: "أريد أن أتحدث إليك يا ناتاليا على انفراد".فقلت، وصوتي ساكن كماء لا تموّج فيه: "لا شيء بيننا يدعو إلى الحديث. اجلس، ولنبدأ".قال فجأة: "انتظري"! ثم هبط على ركبتيه أمامي.وساد القاعة صمت مطبق.وحدق في

  • لم أعد زوجة الدون السرية   الفصل السابع

    في صباح اليوم التالي، هزّ الخبر الذي تصدّر الصفحة الأولى من شيكاغو تريبيون المدينة هزًّا.زواج دون المافيا السري... وخيانتهوقد نُشر الخبر مقرونًا بصورة عالية الدقة لماتيو وهو يطلب يد سيسيليا في لاس فيغاس.وفصّل المقال طريقته في إخفاء زواجه خمسة أعوام كاملة، وتباهيه بعشيقته في وجه زوجته، واستمراره في نكث وعوده بزفافه كلما اقتضى الأمر أن يرضي عشيقته.غير أن أخطر ما في الخبر لم يكن الصورة، بل التسجيل الصوتي.كان صوت سيسيليا في النادي الخاص واضحًا لا لبس فيه: "تلك الحمقاء تظن أن ماتيو يحبها. ما كانت إلا بيدقًا في رهاننا".وجاء رد فعل العائلات الخمس سريعًا.فكانت عائلة مارتينو أول من تحرك، فأعلنت وقف جميع أوجه التعاون مع عائلة فالكوني.ثم تبعتها عائلة داليسيو، فسحبت دعمها لأرصفة ميناء الجهة الشمالية.حتى عائلة فيتالي، التي عُرفت دائمًا بحيادها، أصدرت بيانًا تشكك فيه بصلاحية ماتيو للقيادة.أما الأسوأ من ذلك كله، فهو أن الروس بدأوا بالتحرك.لقد شمّوا رائحة الدم.وفي قصر عائلة فالكوني، كان ماتيو واقفًا في وسط غرفة الجلوس.ولم يكن من عادته أن يشرب في بيته، لكنّه في تلك الليلة أغرق نفسه في الشر

  • لم أعد زوجة الدون السرية   الفصل السادس

    حاول ماتيو أن يقول شيئًا، لكنني كنت قد استدرت ومضيت إلى الباب.فصاح من خلفي: "ناتاليا! لا يمكنك أن تفعلي بي هذا"!ولم ألتفت.قلت بنبرة باردة: "بعد ثلاثة أيام. العاشرة صباحًا. غرفة تجارة شيكاغو. سيحضر كبار العائلتين، وسنعلن فسخ تحالفنا رسميًّا".ثم قلت: "إياك أن تتأخر".وأُغلق الباب خلفي، فحجب عني صيحاته الغاضبة.كان توني ينتظرني في السيارة.قلت: "إلى قصر عائلة روسّي".قال: "أمرك يا آنسة".ولما ابتعدت السيارة عن قصر عائلة فالكوني، نظرت في المرآة الخلفية إلى بيتي القديم وهو يبتعد شيئًا فشيئًا.خمسة أعوام من الزواج... وانتهت هكذا.وفي قصر عائلة روسّي، كان مجلس العائلة في انتظاري.خمسة كبار جلسوا إلى مائدة أبي المستديرة، وكانت الوجوه كلها عابسة صارمة.نهض كبيرهم، جوزيبي، وقال: "هل أنت واثقة من قرارك يا ناتاليا؟"قلت: "أنا واثقة". ثم جلست في مقعد أبي، وقلت: "لم يعد ماتيو فالكوني رجلًا يُوثق به".قطب أحد الكبار، أنطونيو، حاجبيه وقال: "لكن... هذا يعني الحرب".فقلت بلا تردد: "فلتكن الحرب إذًا. كان أبي يقول دائمًا إن أفراد عائلة روسّي يفضلون أن يموتوا واقفين على أن يعيشوا راكعين".نظر كبار العا

  • لم أعد زوجة الدون السرية   الفصل الخامس

    حدق ماتيو في الأوراق الموضوعة على الطاولة، وانبسط وجهه بذهولٍ عارٍ من كل ستار.كنت قد غفرت له من قبل أن يخذلني ثمانيًا وتسعين مرة. ولعله توهم أن هذا يعني أنني سأغفر له إلى الأبد.قال متلعثمًا: "هل أنت تمزحين؟ إن كنتِ ما تزالين تغارين لأن سيسيليا تنال مني ما تناله، فلا داعي لهذا كله. لقد قلت لك من قبل إن ما بيني وبينها لهو عابر، أما أنتِ فستبقين دائمًا المرأة التي أحبها أكثر من غيرها".فرفعت عيني إليه، وكان وجهي هادئًا، وقلت: "أتراني أبدو كمن يمزح؟"ثم أضفت: "ماتيو! لقد تزوجتني وفي نفسك غرض آخر. أفلا يبدو مضحكًا الآن أن تتوسل إليّ كي أبقى؟"وفجأة هبط عند قدميّ على ركبتيه، وأخذ يتخبط في حركاته وهو يحاول أن يمسك يديّ.قال، وقد انكسر صوته بذعرٍ لم أسمعه فيه من قبل: " لقد أخطأت يا ناتاليا. أخطأت خطأً لا يغتفر. ما كان ينبغي لي أن أتركك تعانين ذلك كله، ولا أن أسمح لسيسيليا أن تُذيقك ذلك".ثم قال: "أقسم لك، لن أقترب منها بعد اليوم. سأجعلها تختفي من حياتنا إلى الأبد".وترقرقت الدموع في عيني ماتيو. ذاك الدون القاسي الذي كان يملأ الناس رعبًا، صار الآن طفلًا ذليلًا متوسلًا.قال: "أنتِ كل شيء عندي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status