Share

الفصل 2

Author: أرجوان السمو
كانت يارا تنزلق في كل خطوتين وهي تهبط من الجبل، وقد اتسخ معطفها الصوفي الأبيض اتساخًا لا يوصف.

أما جرح جبينها، فلم تعد تشعر بألمه، بل كانت تزداد وعيًا مع كل لحظة.

وحين وصلت إلى البيت وهي تجر جسدها المرهق، كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلًا.

ولما رأت أمينة حالها المزرية، وارتجاف جسدها كله، شهقت فزعًا.

قالت: "سيدتي، ماذا جرى لك؟" لم ترد يارا أن تشرح شيئًا، فاكتفت بابتسامة باهتة وقالت: "لا شيء، سأصعد لأستحم." قالت أمينة: "سأعد لك شراب الزنجبيل." ورغم قلقها حين رأت شفتيها تميلان إلى الزرقة، لم تجد ما يسوغ لها الإلحاح بالسؤال.

صعدت يارا الدرج بخطوات ثقيلة، وما إن أغلقت باب الغرفة حتى أسندت ظهرها إليه، وانزلقت ببطء حتى جلست على الأرض، كأن كل ما فيها قد انهار دفعة واحدة.

بدأ دفء الغرفة يوقظ جسدها المتجمد شيئًا فشيئًا، وبدأ الإحساس يعود إلى أطرافها من جديد.

دفنت وجهها بين ركبتيها، وانسابت دموعها من غير إرادة، حتى بللت طرف معطفها المتسخ.

وعندما وصلت إلى أسفل الجبل لم تجد سيارة توصلها، حتى أوصلتها امرأة طيبة على دراجة نارية إلى قرب الحي، وحين نزلت كانت ساقاها قد تيبستا من شدة البرد.

وبعد وقت طويل، مسحت يارا دموعها، ثم نهضت ودخلت الحمام.

وقفت أمام المرآة تنظر إلى نفسها، شعرها مبعثر، وعلى جبينها آثار دم، لم تكن مخيفة، لكنها بدت مثيرة للشفقة إلى حد كبير.

فابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم دخلت لتغتسل.

وما إن انهمر ماء الدش فوق رأسها حتى أطبقت يارا شفتيها.

كان التعب الذي يكسو جسدها، والبرد الذي نخر عظامها، يمكن التخفيف منهما قليلًا.

أما ما في قلبها، فظل وجعًا مرًا لا يهدأ.

دب الدفء في جسدها، لكن حلقها أخذ يؤلمها أكثر فأكثر، وحين خرجت من الحمام كانت خطواتها متثاقلة.

عالجت جرح جبينها علاجًا بسيطًا، ثم شربت شراب الزنجبيل الذي وضعته أمينة عند طرف السرير، وأمسكت هاتفها لتوصله بالشاحن.

لكن الرسائل التي ظهرت أمامها جعلتها تتجمد مكانها.

كانت الرسائل من ريم: "اليوم عيد ميلاد ليث، وقد صنعت له الكعكة بيدي. قال إنها خفيفة الحلاوة ولذيذة، وقد أعجبته جدًا. كنت أظنه سيكتفي بتذوقها، لكنه أكل أكثر من نصفها. جهزي له دواء للمعدة، فأنا أخشى أن تزعجه الحموضة. "

"آه، صحيح، وبالمناسبة، أنا من صدمت سيارتك اليوم بسبب الطريق الزلق، فأردت أن أعتذر لك. وأعطيته تميمة فيها أدعية الحفظ والسلامة، وقال إنه سيحتفظ بها معه دائمًا."

وعاد البرد ينهض من أعماقها، هذه المرة من قلبها مباشرة.

كانت قد تعلمت الخَبز طويلًا من أجل أن تحتفل بعيد ميلاد ليث، لكن حين وضعت الكعكة التي صنعتها أمامه، جاءها صوته يومها باردًا قاسيًا، وما زال ذلك الصوت عالقًا في أذنها حتى الآن.

ومنذ أن عرفت أنه لا يحتفل بعيد ميلاده أبدًا راحت تجمع كل ما في قلبها في تميمة أدعية للحفظ والسلامة، وتعلقها في سيارته.

في البداية كان يرفضها بضيق، ولم يوافق على تعليقها إلا بعدما جعلت ذلك شرطًا عليه في لحظة لم يستطع فيها أن يرفضها.

كانت تمسك الهاتف، وأطراف أصابعها ترتجف.

لم يكن لأنه لا يحب ذلك، ولا لأنه لا يستطيع أن يستثني أحدًا.

فقط، لأنها لم تكن هي من يستحق عنده هذا الاستثناء.

مدت يدها إلى تميمة الأدعية التي أحضرتها اليوم، وكانت على الطاولة بجوار السرير، وأخذت تمرر أناملها على العبارة البارزة المكتوبة عليها: "حتى آخر العمر." في السنة الأولى كانت العبارة: "أسأل الله أن يطمئن قلبك"،

وفي السنة الثانية: "لعل قلبك يلتفت إلي." أما الآن، فلم تعد ترى في هذه العبارة إلا وجعًا يلسع العين والقلب.

ألقت بالتميمة جانبًا، ثم تمددت على السرير.

كان جسدها كله يؤلمها، وفوق ذلك كانت تشعر بقشعريرة متواصلة، كأن الحمى بدأت تزحف إليها.

ما دام الرجل لا يمكن الاحتفاظ به، فلا معنى لأن تخسر صحتها أيضًا.

وفي غمرة النوم المضطرب، شعرت بأن الفراش إلى جوارها قد هبط قليلًا.

ومع استلقاء ليث بجانبها، بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا.

وفي تلك اللحظة، صار معنى أن يجمع السرير بين شخصين وقلباهما متباعدان أوضح من أي وقت مضى.

وفي اللحظة التالية، انقلب فوقها مباشرة، وأنفاسه الساخنة تلفح وجهها.

ثم امتدت يده الباردة قليلًا من تحت ثوب نومها، وصعدت ببطء حتى استقرت عند موضعها الحساس.

كان نفسه مضطربًا، وقبلته تزداد عمقًا، وأخذ جو الغرفة يمتلئ بإيحاء دافئ ومربك.

أغمضت يارا عينيها، وفي الظلام بدت حواسها كلها متيقظة على نحو مؤلم، وكانت رائحة النبيذ الأحمر الخفيفة كافية لأن تشد قبضتها، ثم فتحت فمها وغرزت أسنانها فيه بقوة.

لم يكن مستعدًا لذلك، فتأوه ألمًا وابتعد عنها في الحال.

قال بحدة: "يارا!" وقالت ببرود: "ألم تكتف في الخارج بعد؟ كيف لم أرك من قبل بهذه الطاقة كلها؟" رجل لم يقترب منها منذ شهور، وحتى إذا اقترب مرة، كان يصر على أن تتناول الحبوب بعدها.

والآن، حين تفكر في الأمر، لا تجد تفسيرًا إلا أنه كان قد شبع في مكان آخر.

فهم ليث ما ترمي إليه من وراء كلامها.

ووضع يده على فمه، ثم رمقها بنظرة عابسة وقال بصوت خافت بارد: "أليس هذا هو ما يعجبك أصلًا، أن أفقد السيطرة عليك؟" تلاقت عيناهما.

ورغم عتمة الغرفة، كانت ملامح كل منهما واضحة للآخر.

ولا شك أن هذا الرجل كان جميلًا على نحو لافت، جمالًا في الملامح والبنية معًا، وهيبة باردة تشبه قمر الخريف.

نظرت يارا إلى ذلك الوجه الذي طالما سحرها، ولعنت ضعفها في سرها.

كيف خدعتها هذه الهيئة إلى هذا الحد، حتى ألقت بنفسها في حبه كل تلك السنوات؟

كانت قد اعتادت سابقًا أسلوبه هذا، لكنها هذه المرة لم تعد راغبة في احتماله.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، وقالت بصوت فيه سخرية ناعمة: "في السابق ربما، أما الآن فلم أعد مهتمة، فأنا أخاف المرض." ثبتت عيناه على وجهها المشرق، وبدت عليه لحظة ذهول قصيرة، ثم ارتفع طرف فمه في شبه ابتسامة لا تخلو من تهكم.

وقال: "أمنحك فرصة، فتبدئين بالتمنع؟" ثم أضاف، وقد غطى السخرية ملامحه: "قولي إذن، ماذا تريدين هذه المرة؟" وفكرت يارا في نفسها أن مزاجه يبدو جيدًا جدًا الليلة.

وإلا فبعد أن عضته، كان يفترض أن يغضب، لا أن يسألها بنفسه عما تريد.

في السابق، كلما احتاجت عائلة الرفاعي شيئًا منه، كانت تنتظر حتى يفرغ من رغبته، ثم تفتح الموضوع وهو راض نسبيًا، فيومئ بفتور موافقًا.

لكنها حين سمعت نبرة التهكم في صوته، ثار غضبها دفعة واحدة، فرفعت ساقها ودفعته عنها من دون تردد.

ولم يكن ليث يتوقع منها ذلك أصلًا، فسقط عن السرير إلى الأرض، ثم رفع رأسه ينظر بوجه مكفهر إلى يارا التي نهضت تشد الغطاء حولها.

وقال: "يبدو أنك صرت جريئة جدًا." فقالت يارا بابتسامة ساخرة: "لا مقارنة بك، فأنت بارع في إمساك العصا من الوسط، لا تقصر هنا ولا هناك." ظل ينظر إليها ثانيتين، ثم نهض عن الأرض دفعة واحدة، وقد ازدادت عيناه برودة.

ولولا ما تربى عليه من ضبط نفسه، لخشيت يارا أن يصفعها في اللحظة التالية.

فقال: "لا تتحدثي بهذه السخرية المبطنة، الأمر ليس كما تظنين." أما وجهها فبقي ساكنًا، مع أن يدها المختبئة تحت الغطاء كانت تقبض على الملاءة بقوة.

طفل يناديه أبًا، ثم يقول إن الأمر ليس كما تظن، هذا هو كلام الرجال عديمي الوفاء.

ابتسمت وقالت: "وماذا ظننت أنا أصلًا؟ ليت السيد ليث يوضح أكثر." قال بضيق: "سخف." ولم يرد أن يطيل الحديث معها.

فقد أفسدت عليه ركلتها كل مزاجه، فاستدار وذهب إلى غرفة الضيوف.

وفي نظره، كان الشرح أمرًا تافهًا لا يستحق، بل شيئًا زائدًا لا حاجة له، وهذه كانت طريقته دائمًا.

ظلت يارا تحدق في الستارة، بينما تسلل خيط من الضوء عبر ثنياتها، ثم انعكس على رموشها المنسدلة في وميض باهت...

وفي صباح اليوم التالي، تأخرت يارا في الاستيقاظ نصف ساعة عن عادتها، بسبب تعب جسدها وسهرها ليلًا.

وحين أدركت أنها مصابة بالحمى، استأذنت نصف يوم من العمل، وأرادت أن تتناول فطورها ثم تذهب إلى المستشفى.

وعندما نزلت إلى الطابق السفلي، كان ليث قد عاد لتوه من رياضته الصباحية.

كان منضبطًا على نحو يكاد يكون مرعبًا، فمهما تأخر نومه ليلًا، يستيقظ صباحًا في موعده من غير أن يختل ذلك يومًا.

وكان هذا من الأمور القليلة التي لم تستطع يارا إلا أن تعترف بإعجابها بها.

رمقته بنظرة جانبية، ثم أخذت كوبها لتملأه بالماء، فيما كان رأسها يثقل وجسدها يترنح.

وجلس كل منهما عند طرف من المائدة، صامتين، ينظر كل واحد منهما إلى هاتفه.

كانت يارا تقرأ نموذج وثيقة الطلاق، أما ليث فكان يتابع الأخبار الاقتصادية الصباحية، ويرفع عينيه من حين إلى آخر ليلقي عليها نظرة سريعة.

ثم قال: "ما الذي أصاب رأسك؟" ففي عتمة الليلة الماضية لم ينتبه إلى الجرح، أما الآن فقد رآه واضحًا عند طرف صدغها، يختفي قليلًا خلف الشعر ثم يظهر.

قالت وهي لا ترفع عينيها عن الهاتف: "ارتطمت بشيء، ولن أموت." قطب حاجبيه وقال: "يارا، يبدو أني تساهلت معك أكثر من اللازم في هذه الفترة." ففي الليلة الماضية عضته وركلته، ومع ذلك لم يغضب، وها هي الآن تزداد تماديًا.

فقالت: "شكرًا لكرم السيد ليث." وفجأة قطع اهتزاز الهاتف ما بينهما من توتر مشدود.

قطب ليث حاجبيه قليلًا، وضبط انفعاله، ثم رفع الهاتف وقال: "ما الأمر؟" وكان في صوته قلق واضح.

لم تسمع يارا ما قاله الطرف الآخر، لكنها أيقنت أنه امرأة.

ثم قال سريعًا: "سآتي حالًا." ووضع أدوات الطعام جانبًا، ثم نهض وغادر، من غير أن يمنحها حتى نظرة أخيرة.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، وتذكرت عبارة كانت قد قرأتها من قبل: في قلب كل إنسان موضع ضعف، فإن لم يكن لك، كان لغيرك.

وما إن ضغطت بإصبعها لتنزيل ملف وثيقة الطلاق، حتى جاءها اتصال من سمية الحارثي، المشرفة في مصحة السكينة للتعافي.

وما إن أجابت حتى جاءها صوتها مرتبكًا وعاجلًا: "يارا، أمك منى ظلت واقفة في الثلج حتى منتصف الليل، وهي الآن في حمى شديدة ولم تستعد وعيها بعد."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لم تحبني يومًا، فلماذا كسرك رحيلي؟   الفصل 30

    التقت عينا ليث بعينيها، ثم انزلقت نظرة سريعة من طرف عينه إلى ما تحت عظمتي الترقوة، حيث يلوح انحناء صدرها، فغامت عيناه قليلًا، ثم أمسك يدها ليصرف الحديث عن هذا المسار وقال: "ومن أيضًا دعوتِ؟" سألها ليث، فابتسمت نورة وأجابت: "دعوت ريم أيضًا. منذ عودتها من العاصمة، ولم نجتمع بها منذ أشهر." كانت نورة وريم قد درستا في الجامعة نفسها في العاصمة. ريم تكبر نورة بثلاث سنوات، وقد أنهت دراسات عليا، أما نورة فما تزال في سنتها الأخيرة، وكانت العلاقة بينهما وثيقة دائمًا.رمقها ليث بنظرة سريعة، لكنه لم يقل شيئًا.لكن ما إن سمعت يارا اسم ريم، حتى قرصت الموضع بين إبهام ليث وسبابته بقوة.تأوه ليث من الألم، فترك يدها، ثم التفت إليها، وازدادت عيناه برودة.ولم يفت هذا المشهد هالة، فقالت: "يارا، على المرأة أن تكون أوسع صدرًا، وأن تمنح الرجل الذي معها ما يكفي من الثقة." فهمت يارا المعنى فورًا.كانت تقصد بوضوح ألا تُظهر غيرة أو اعتراضًا.وقالت نورة وهي تضم شفتيها: "يا يارا، السيدة ريم إنسانة طيبة جدًا، فلا تتعاملي معها بجفاء." شعرت يارا بالاختناق من هذا كله.العائلة كلها تكاد تعشق ريم، فكيف لم يقاوم ليث يومها

  • لم تحبني يومًا، فلماذا كسرك رحيلي؟   الفصل 29

    ما دام الزواج قد تم، والقانون يعد ما يُكتسب بعده مالًا مشتركًا بين الزوجين، فلماذا تكون هي الحمقاء وتترك حقها؟هي لا تريد أن تكون أغبى امرأة في الدنيا، فالرجال لا يُعتمد عليهم، وما يمكن الاتكاء عليه حقًا هو المال الذي في اليد.ومتى صار المال بيدها، فلن يضطر من تريد حمايتهم إلى استجداء الناس وانتظار رحمتهم.لكن المؤسف أنها لم تفهم هذه الحقيقة إلا بعد أن أضاعت ثلاث سنوات من عمرها.دخل الاثنان إلى المطعم، وتقدما خلف النادل حتى وصلا إلى الغرفة الخاصة.وحين فتحا الباب، كانت نورة تتحدث مع هالة.بينهما ثمانية عشر عامًا، ومع ذلك لم يكن فرق السن ظاهرًا بوضوح على وجهيهما.كانت هالة في الأربعين، وفيها ذلك وقار السنين، وتنبض به امرأة اعتادت الرفعة والهيبة.أما نورة فكانت أصغر سنًا، وأكثر شبابًا ونضارة.قالت نورة وهي تنظر إلى ليث: "لماذا تأخرت هكذا؟ جاعت جنى، وهالة أصرت ألا نبدأ قبلك." لكنها، ما إن قالت ذلك، حتى رمت يارا بنظرة جانبية، ثم اتسعت عيناها فجأة، واستقرت عيناها عليها.ففي العادة كانت يارا شديدة التحفظ في ملابسها، أما اليوم فقد بدت مختلفة تمامًا.وتحت معطفها الأبيض من الصوف الناعم، كانت تر

  • لم تحبني يومًا، فلماذا كسرك رحيلي؟   الفصل 28

    بهذه الجملة وحدها، سحب ليث نظره عنها.واضطرب نَفَسه للحظة، ثم استعاد هدوءه سريعًا.فهذا الكلام نفسه كان قد قاله لها من قبل، ولم يتوقع أن يرتد إليه اليوم بهذه السرعة.قال ببرود: "تنفقين ثمانية آلاف دولار على زجاجة، ثم تبخلين على نفسك ببضع قطع تليق بك؟" سمعت يارا كلامه، وظنت أول الأمر أنه يحتقر ثيابها لأنها ليست من العلامات الفاخرة، فلم تشأ أن ترد عليه.لكن هذا الرجل، ما إن يفتح فمه، حتى يفسد كل شيء.أدار ليث وجهه نحو النافذة وقال بصوت خافت: "ذوقك سيئ فعلًا." قفز عرق عند صدغ يارا.والآن صار ينتقد ذوقها أيضًا؟ولأنها ما تزال بحاجة إليه، ضغطت على نفسها حتى يبقى صوتها هادئًا، وقالت: "نعم، السيد ليث على حق، ذوقي سيئ، ثم إنني عنيدة، وأتشبث بما لا ينفع." التفت إليها ليث، وابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "على الأقل، بدأت تعرفين نفسك." ضمت يارا شفتيها، ثم قالت: "بل لم أعرفها إلا في هذه الأيام. التعلق الأعمى ليس جيدًا. انظر إلي من قبل، كنت أدور حولك طوال اليوم، أسألك متى تنتهي من العمل، وماذا تريد أن تأكل، وهل شربت، وهل تؤلمك معدتك. كنت أزعجك، ثم أظل غارقة في وهم أحمق بأنني أقوم بشيء نبيل، أليس هذا هو

  • لم تحبني يومًا، فلماذا كسرك رحيلي؟   الفصل 27

    فهم ليث ما يرمي إليه باسل، فقال ببرود: "ما دمت فارغًا إلى هذا الحد، فأنجز خطة هذا التعاون، وأريد أن أرى غدًا دراسة واضحة لجدواه." تأوه باسل في داخله.هو لم يرد إلا أن يصلح بينهما، فما الذي اقترفه ليستحق هذا؟لولا أنه سمع من مدير المشروع أن يارا قدمت استقالتها، لما بادر أصلًا إلى الاتصال.هو يرى أيضًا أن رئيسه بالغ هذه المرة.يبدو أن من يحاول الإصلاح يكون أول من يدفع الثمن.أغلق ليث الهاتف، ونظر إلى الساعة، فلم تكن قد تجاوزت العاشرة والنصف.في الشركة كان يشعر دائمًا أن الوقت لا يكفي، فلماذا يمر اليوم بهذا البطء؟حقًا، العمل من البيت أقل فاعلية، فحتى الآن لم يفرغ من تقرير واحد.في الجهة الأخرى، كانت يارا تقف أمام خزانتها تختار ما ترتديه.طوال السنوات التي قضتها في مجموعة العاصمي، كانت شديدة التحفظ في مظهرها، ومعظم ملابسها تميل إلى الطابع العملي.وكانت نورة كلما رأتها سخرت من ذوقها، وقالت إن أناقتها باهتة وقديمة.أما هالة، فلم تكن تطيقها أصلًا.والسبب بسيط، يارا لم تكن يومًا الزوجة التي كانت تتمناها لأخيها.بل لعلها في نظرها لم تكن جديرة أصلًا بأن تدخل عائلة العاصمي.فكرت يارا في نفسها: م

  • لم تحبني يومًا، فلماذا كسرك رحيلي؟   الفصل 26

    لم يكن ليث معتادًا أن تغلق يارا الخط في وجهه، لذلك انعقد حاجباه فورًا.يبدو أن غيرتها هذه المرة، وغضبها، جعلاها أكثر جرأة من السابق.ومن الخلف، جاءه صوت ريم الناعم، فزاد ما في نفسه من ضيق.التفت إليها ليث، ونظر إليها ببرود خفيف، ثم وضع هاتفه جانبًا وقال بنبرة لا تخلو من انزعاج: "ما الذي جاء بك؟" كانت ريم تحمل وعاءً حافظًا للطعام، وقالت بصوت رقيق: "سمعت أنك لم تذهب إلى الشركة، فخشيت أن تكون متعبًا، فجئت أطمئن عليك، وأحضرت لك حساءً خفيفًا للمعدة." لم يتحرك ليث، وقال بنبرة فيها تحذير واضح: "ألم أقل لك من قبل ألا تأتي إلى بيتي؟" انقبض قلب ريم، واحمرت عيناها في الحال، ثم قالت بصوت مكسور: "أنا فقط فكرت أنك ساعدت يزن في تحقيق ما كان يتمناه، وساعدتني أنا أيضًا..." ثم سحبت نفسًا، وضبطت مشاعرها، وعادت الابتسامة إلى وجهها بسرعة: "لقد أتعبتك هذه الأيام، وما دمت بخير فقد ارتحت، فقط لا تنس أن تتناول الحساء." قال ليث، وقد خفف من حدته قليلًا: "أزمة مجموعة الشامي انتهت، وإذا ظهرت مشكلة في العمل، فباسل سيتابعها معك." أومأت ريم، وفي داخلها فرح خفي.ما دام لم يتخلَّ عنها تمامًا، فما زالت هناك فرصة.لقد أخ

  • لم تحبني يومًا، فلماذا كسرك رحيلي؟   الفصل 25

    ما إن سمع ليث ذلك، حتى تجمدت ملامحه.الآن فقط فهم لماذا حظرته يارا هذه الأيام، ولماذا أصرت على بيع البيت وهي في قمة الغضب، ولماذا لم تقبل حتى حين مد لها مخرجًا، بل تجاهلت أيضًا طلب كمال تمامًا.في ذلك اليوم، قبل أن تتصل به يارا، كان كمال قد اتصل بها أولًا، لأنه أراد أن يشارك في مشروعه الجديد، وحين رفض، راحت اتصالات يارا تتوالى عليه واحدًا بعد آخر، ولذلك جاء رده عليها فظًا إلى تلك الدرجة.شعر بحرارة الرماد تلسع يده، فانتبه متأخرًا ونفض السيجارة.ثم أنهى الاتصال، وأرسل إلى يارا رسالة: "أزيلي الحظر عن رقمي، لدي خبر عن متبرع مناسب." لم تكن يارا مضطرة إلى الذهاب إلى العمل، ولأنها نامت متأخرة الليلة الماضية، لم تستيقظ إلا عند التاسعة والنصف صباحًا.وحين نهضت ورأت أول رسالة من ليث، التوت شفتاها بسخرية.أتذهب حقًا؟ ومتى كانت تذهب إلا لتجلس هناك كأنها قطعة أثاث لا يلتفت إليها أحد؟ وهي على أبواب الانفصال، فهل ستذهب بنفسها لتسمع مزيدًا من الإهانات؟ألقت الهاتف جانبًا وذهبت لتغتسل.وبعد أن انتهت، جلست تتناول فطورها وهي تتصفح هاتفها.كانت الروابط التي ترسلها لها لمى كلها بين المقاطع المضحكة وبثوث ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status