LOGINوفي تلك الأثناء، في مكان آخر بعيد كل البعد عن قذارة العاصمة وضوضائها الصاخبة وبؤسها الذي يزحف كالأوبئة بين الأزقة،
وتحديداً في المقاطعات الشاسعة لأقصى الشمال، كانت تتربع القلعة الحجرية السوداء للدوق هيكتور. قلعة مهيبة تحيط بها جبال جليدية شامخة كحراس أبديين، وتعصف الرياح الثلجية حول جدرانها العتيقة المصمتة، مرسلة عويلاً مخيفاً يتردد صداه عبر الممرات الطويلة. داخل القاعة الكبرى للقصر، كان الصمت يخيم ككفن ثقيل، صمت مهيب ومقدس لا يجرؤ أحد على كسره، حيث كانت النيران تتراقص ببطء داخل الموقد الرخامي الضخم، دارة ظلالاً ذهبية وداكنة تتشابك فوق السجاد الفاخر المستورد من أقاصي الأرض. كان الدوق هيكتور يجلس على عرشه المخملي الداكن المرتفع، واضعاً ساقاً فوق الأخرى بكبرياء نرجسي طاغٍ، كبرياء يشبه الجبال التي تحيط بحصنه؛ لا ينحني ولا يتزحزح. ملامحه الرجولية الحادة كانت تبدو كأنها نُحتت بدقة متناهية من صخر بركاني صلب؛ ملامح لا تعرف اللين أو التراجع. شعره الداكن الفاحم، الذي يشبه سواد ليالي الشمال بلا نجوم، كان ينساب بنعومة مدروسة على جانبي جبهته العريضة، وشاربه الكثيف الصارم يضفي على وجهه هيبة مرعبة ومظلمة تجبر القلوب على الارتجاف قبل الأبصار. كانت عيناه الباردتان، اللتان تحملان زرقة جليدية تشبه ليالي الشمال الثلجية القاسية، تتأملان بنظرات ثاقبة كأساً من الكريستال النقي يمسكه بيده... أو بالأحرى، بيده المغطاة بقفاز حريري أسود فخم، قفاز يلتف حول أصابعه الطويلة بدقة متناهية كأنه جزء لا يتجزأ من جسده. لم يكن هيكتور يسمح لأي كائن بشري، مهما كانت رتبته أو صلة قرابته، بالاقتراب من دائرته الخاصة أو تجاوز مسافة الأمان التي يفرضها بصرامة حديدية. كان مصاباً باضطراب ونفور حاد من البشر، حيث كان يرى في أجساد النساء ملوثات متحركة، مخلوقات جشعة، ومبتذلة تسعى بكل الطرق الملتوية للمس جاهه، وماله، و نفوذه الطاغي. كان مجرد التفكير في تلامس الجلد العاري، أو مصافحة عابرة، أو اقتراب أنفاس بشرية من وجهه يثير في أعماق نفسه اشمئزازاً مرضياً، وقرفاً لا يُطاق، يدفعه للشعور بالتدنس. لذلك، فإن إشباعه لرغباته الرجولية الطاغية وشهوته العارمة المكتومة لم يكن يمر أبداً عبر السرير التقليدي المبتذل، أو العلاقات الجسدية التي يراها حيوانية ومقززة، بل كان يمر عبر السيطرة المطلقة والنظر؛ كان يكتفي بمراقبة الجمال عن بُعد، وفرض سطوته على مصائر النبلاء والنساء من حوله كقطع شطرنج يحركها بأصابعه المغطاة بالحرير، دون أن يجرؤ كائن واحد في هذا العالم على وضع إصبع واحد عليه أو لمس طرف ثوبه. أدار هيكتور الكأس الكريستالي بين أصابعه، مراقباً انعكاس الضوء على الحرير الأسود، وكأن العالم الخارجي بأكمله لا يستحق منه سوى هذه النظرة المتعالية. كان يعيش في عزلة اختيارية فخمة، يرى نفسه فوق البشر، وفوق خطاياهم الصغيرة، وفوق مشاعرهم المبتذلة. بالنسبة له، النقاء كلمة انعدمت من الوجود منذ زمن بعيد، وكل من يحاول الاقتراب منه إنما يحاول تلويث هذا الحصن النفسي الشامخ الذي بناه حول نفسه. "سيدي الدوق،" تقدم رئيس الخدم بخطوات حذرة، بطيئة، ومحسوبة بدقة متناهية. توقف الرجل على بعد خمس خطوات كاملة، وهي المسافة القانونية الصارمة التي إذا تجرأ أحد على تقليصها شبرًا واحدًا فقد يكلفه ذلك حياته أو طرده مهانًا. وقف مطأطأ الرأس بيقين تام بذعر وخضوع، وعيناه مثبتتان على الأرض خشية أن تلتقي بعيني الدوق الباردتين. "المزاد السري السنوي للوحات النخبة سيعقد غداً في العاصمة. الرسام داميان أرسل برقية عاجلة عبر البريد الخاص، يؤكد فيها أنه انتهى تماماً من رسم تحفته السرية الجديدة. ويقول... يقول إنها صُممت ونُفذت خصيصاً لأصحاب الذوق... الرفيع، والمعزول، والذين لا ترضيهم الأجساد العادية."ومع حلول المساء، بدأت عواصف الشمال الثلجية تشتد بالخارج، تضرب بعنف جدران القلعة الحجرية السوداء، وتطلق عويلاً مخيفاً يتردد صداه عبر الممرات المظلمة. كانت الشموع الطويلة قد أُوقدت في الممرات، ترسم ظلالاً راقصة ومشوهة على الجدران. في الجناح الشرقي، كانت لوسيندا تقف أمام مرآتها، ترتب ياقة ثوبها الداكن الثقيل بثبات. نظرت نحو السرير حيث كانت لومينا تنام بسلام، وجهها بدأ يستعيد بعضاً من حيويته بفضل جرعات الأعشاب النقية التي يُشرف عليها طبيب القصر."أنا أفعل هذا من أجلكِ أنتِ فقط يا حبيبتي،" همست لوسيندا بصوت منخفض حمل شجاعة لا تلين. أخذت السجل الطبي الجلدي الكبير من فوق الطاولة، وضمته إلى صدرها كدرع، ثم خرجت متوجهة نحو الجناح الخاص بالدوق في الطابق العلوي، وكل خطوة تخطوها كانت تعلن عن كبرياء يرفض الانكسار أو الانحناء مهما كانت الظروف خانقة.عندما وصلت إلى الأبواب الخشبية الضخمة لجناحه، لم تتردد؛ بل رفعت يدها وطمقت الباب بضربات حادة وقوية أعلنت عن حضورها الشامخ قبل أن تفتح الأبواب. فتح أحد الحراس الباب بوقار وتراجع للخلف، لتدلف لوسيندا إلى الداخل وتجد نفسها في حيز المراقبة المظلم لهيكتور
كانت خيوط الفجر الشمالي البارد تنساب عبر النوافذ الزجاجية الضخمة للمكتبة الأرشيفية، ترسم ظلالاً رمادية شاحبة فوق الطاولات الرخامية ومجلدات الجرد الطبية. كانت الأجواء هادئة، لكنه كان هدوءاً أشبه بالوقوف على أرض ملغومة. تقف لوسيندا بالقرب من السلم الخشبي المتحرك، مرتدية ثوبها الكورسيه(المشد الذي يحدد الخصر) معه كرينولين واسعه جدا(الهيكل للتنوره) مع الكورسيه ترتدي بوديس(الجزء العلوي الضيق من الفستان ) ذي الياقة المغلقة، بينما انشغلت يداها بترتيب مخطوطات الخرائط الجغرافية للمقاطعات. لم تكن هناك ذرة تراجع في تعبيرات وجهها، ولسانها الحاد كان في حالة تأهب دائم كخنجر مستعد للاستخدام.فجأة، تحرك هيكتور في الطرف الآخر من الغرفة الواسعة. لم يكن يجلس على مقعده المعتاد؛ بل كان يقف أمام خريطة حائطية ضخمة، يمسك بيده اليمنى المغطاة بالحرير الأسود قلماً فضياً طويلاً، يرسم به حدود التحركات العسكرية وإمدادات المستودعات. حركاته كانت هادئة، مدروسة، وتنم عن هيبة طبيعية لا تحتاج لكلمات لتثبت حضورها.التفت ببطء، ولم ينظر إليها مباشرة، بل وجّه نظراته نحو رئيس خدمه الذي كان يقف عند عتبة الباب بنوع من الرعب
كان جناح الدوق هيكتور الخاص في الطابق العلوي من القصر الشمالي يشبه حصناً داخل حصن، مكاناً لا تجرؤ حتى أنفاس الخدم على المرور به دون إذن مسبق. وفي أقصى ذلك الجناح،كانت تقع المكتبة الأرشيفية السرية. كانت الغرفة شاسعة، ذات سقف شاهق الارتفاع تتشابك فيه الأخشاب الداكنة العتيقة، وتصطف على جدرانها رفوف خشبية عملاقة تمتد من الأرض إلى السقف، محملة بآلاف المخطوطات والكتب الجلدية النادرة، وخرائط المقاطعات، وسجلات جرد المستودعات الطبية للحصن بأكمله. كانت النوافذ الزجاجية الطويلة تطل على المنحدرات الثلجية، بينما كان ضوء الشموع الكثيفة والموقد الرخامي يضفيان على المكان ظلالاً ذهبية وغموضاً فيكتوريّاً حابساً للأنفاس.في صباح اليوم الأول لاستلام عملها، كانت لوسيندا تقف وسط هذا الحيز الفخم بكامل شموخها وقامتها المنتصبة. لم تضيع ثانية واحدة في تأمل الفخامة؛ بل كانت قد رفعت شعرها الذهبي المحمر على شكل كعكة فرنسيه أعلى رأسها لتكشف عن عنقها العاجي النقي وخطوط كتفيها الشامخين، وبدأت بالفعل في فرز وتجميع سجلات المستودعات الطبية المتناثرة على الطاولة الرخامية الضخمة. كانت تمسك بالريشة وتخط الأرقام بجفاف
داخل القاعة الكبرى، كان الدوق هيكتور يجلس على عرشه المخملي الداكن، كان يقراء اخر الاخبار عن المدينه و عن الحرب التي ستبدا قريباً مع امبراطورية أوريكس. كان الجو في القاعة مشبعاً ببروده المعتاد، وعيناه الجليديتان تراقبان النيران المشتعلة في الموقد الرخامي، يمرر أصابعه المغطاة بالحرير الأسود على مسند المقعد ببطء كاريزمي. لم يكن يتوقع مواجهتها بهذه السرعة، حتى انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة بعنف صاعق أثار دهشة حراسه. دلت لوسيندا إلى القاعة. تقدمت بخطوات ثابتة وثقيلة لا تعرف التراجع، وتوقفت على بعد بضع خطوات من عرشه المرتفع، ورمقته بنظرة جانبية حادة كالنصل، جمدت الهواء في أنحاء المكان. أشار هيكتور لحراسه ببرود بطرف إصبعه ليغادروا فوراً، ليغلق الباب ويبقى وحيداً أمام هذا الجبل من الكبرياء المتمرد. "أرى أنكِ لم تضيعي الوقت في استكشاف سجنكِ الفخم يا ملهمتي الشامخة،" قال هيكتور بصوت عميق، رخيماً، ويحمل نبرة تملّك مستبدة وهو يتأمل شموخ قامتها ونظراتها الجافة التي ترفض الانحناء لسطوته. "هل جئتِ لتشكريني على الرعاية الطبية التي بدأت ابنة أختكِ لومينا في تلقيها، أم أن لسانكِ الحاد يفتقد ال
كانت العربة الملكية السوداء الفخمة تشق ضباب الليل الكثيف بسرعة رهيبة، تحفّها حوافر جياد الحرس الخاص التي تقرع الرصيف الحجري للعاصمة بنغمات عسكرية منتظمة ومنذرة. في الداخل، كانت الأجواء أشبه بغرفة محاكمة مغلقة تفوح منها رائحة الجلد الفاخر، والتحدي المكتوم، والبرود الذي يكاد يجمد الأنفاس.على المقعد المخملي المريح والمطرز بخيوط الفضة، كانت ترقد الطفلة الصغيرة لومينا، مستسلمة لنوم عميق وهادئ بعد أن وُضعت فوقها أغطية صوفية دافئة أحضرها الحرس بأمر من سيدهم. وبجانبها تماماً، كانت تجلس لوسيندا. كانت قامة لوسيندا منتصبة بشموخ جبار، وظهرها مسنود بقوة إلى المقعد وعيناها الزرقاوان الحادتان تشعان بنور من الكراهية والأنفة الجافة وهي تنظر مباشرة إلى الرجل الجالس أمامها في مواجهتها. لم تكن تبدو كفتاة معدمة أُجبرت على ترك حيّها؛ بل كانت نظراتها تعلن في كل ثانية أنها ملكة تقود معركتها الخاصة بشروطها الصارمة التي لن تنحني أبداً.أما في المقابل، فكان الدوق هيكتور يجلس بمنتهى الهيبة والوقار الأرستقراطي الطاغي. كان واضعاً ساقاً فوق الأخرى بكبرياء نرجسي، يلف معطفه الأسود الطويل حول بنيته الص
تراجع الضباب الرمادي قليلاً خلف نوافذ الغرفة المتواضعة، وكأن الطبيعة نفسها كانت تترقب النتيجة المحتومة لهذا الصدام الناري. كانت لوسيندا تقف في منتصف الغرفة، جسدها مشدود كوتر قوسي مستعد للإطلاق، وعيناها الزرقاوان تطلقان شرارات من التحدّي الجاف الذي لم يجرؤ أحد على مجابهته من قبل. أما الدوق هيكتور، فظل واقفاً بقامته الشاهقة، يمرر نظراته الجليديتان الثاقبتان فوق ملامحها الشامخة. لم يتكلم فوراً؛ بل اكتفى بالنظر إلى شفتيها اللتين قذفت في وجهه أعنف الكلمات. أشار ببرود بطرف إصبعه المغطى بالقفاز الحريري الأسود نحو حراسه الواقفين عند الباب، وبحركة خاطفة ورشيقة، انسحب الحراس إلى الخارج وأغلقوا الباب خلفهم، ليتركا وحيدين وسط هذا الصمت المشحون. "تظنين أن هذه القوة المصطنعة ستحميكِ مني؟" قال هيكتور بصوت عميق ورخيم، يتحرك ببطء حولها دون أن يقلص مسافة الأمان، وعيناه تلاحقان انسياب خصلات شعرها الذهبية المحمرة. "العربة بالخارج لا تنتظر إذناً من أحد، ولوسيندا... أنا لا أطلب، أنا آخذ ما أريد." رفعت لوسيندا ذقنها بحدة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حادة وجافة مليئة بالازدراء، وقالت بنبرة قا







