LOGINكان محترف الرسام داميان يقع في تسوية مبنى قديم تفوح منه رائحة طلاء الزيت، والتتن، والغموض. النوافذ كانت مغطاة بستائر مخملية ثقيلة تمنع دخول ضوء النهار، وتعتمد على شموع الشمع الأصفر التي ترسم ظلالاً راقصة ومشوهة على الجدران المليئة باللوحات النصف مكتملة لأجساد بلا ملامح.
عندما دلفت لوسيندا، كان داميان يجلس خلف حامله الخشبي، يدخن غليونه وعيناه الثعلبيتان تلمعان بخبث ومكر فني بمجرد رؤيتها. كان يبتسم بثقة غبية، ظناً منه أن النقاء دائماً ما يركع تحت وطأة الحاجة. "كنت أعلم أنكِ ستدركين قيمة عرضي يا لوسيندا،" قال داميان وهو ينهض ببطء، وابتسامة لزجة ترتسم على شفتيه، ممرراً نظراته الواثقة عليها. "المرض لا ينتظر الكبرياء، أليس كذلك؟ كبريائكِ العجيب لن يطعم أبنه أختكِ المريضة." نظرت إليه لوسيندا بعينين زرقاوين حادتين كالشفرة، ولم تتراجع خطوة واحدة. رفعت ذقنها بأرستقراطية طبيعية أخرست ابتسامته فوراً، وقالت بنبرة قطعت الهواء كالسكين: "أغلق فمك العفن يا داميان، ولا تجرؤ على ذكر أبنه أختي أو كبريائي على لسانك الملوث. أنا هنا لعقد صفقة تجارية فقط، ولسنا في جلسة وعظ حثالة مثلك." تصلبت ملامح داميان للحظة، فلم يكن يتوقع هذه الشراسة من فتاة معدمة. حاولت يده مسك طرف وشاحها بوقاحة، لكنها ضربت يده بقوة وجعلته يتراجع خطوة للخلف، وهي ترمقه باحتقار شديد: "أريد المال أولاً. نصف المبلغ الآن، والنصف الآخر عندما تنتهي. ولن يظهر وجهي في اللوحة، هذا كان اتفاقنا... وإياك أن تحاول مد يدك القذرة مجدداً وإلا جعلتك تندم على اليوم الذي تعلمت فيه إمساك الفرشاة." "بالطبع، بالطبع... أنتِ قطة شرسة، وهذا يعجب النبلاء على أي حال،" ضحك داميان بتوتر محاولاً استعادة توازنه، وتوجه إلى صندوق خشب صغير ليخرج منه بضع عملات ذهبية ثقيلة، وضعها على الطاولة برنين رخيص. تقدمت لوسيندا بخطوات ثابتة وثقيلة، وأخذت العملات ببرود، ووضعتها في جيبها الداخلي، ثم التفتت نحو منصة الرسم المخملية وكأنها ملكة تتفقد حرسها، وليس فتاة تبيع مظهر ظهرها. "الآن، لنبدأ، الوقت يمر والنبلاء ينتظرون تحفتي القادمة،" قال داميان وهو يحاول استعادة نبرة السيطرة. "خلف ذلك الستار، اخلعي ملابسكِ العلوية بالكامل. لا تقلقي، خخذي هذه البطانية الصوفية الفخمة، ستغطي مقدمة جسدكِ بالكامل، أريد فقط... ظهركِ. أريد خطوط كتفيكِ، ونقاء بشرتكِ العاجية وهي تنساب مع انحناء ظهركِ المسترسل تحت الضوء الخافت. وجهكِ سيكون ملتفاً نحو الجدار، مظللاً بالكامل بالوشاح." وقفت لوسيندا خلف الستار الفاصل. كانت دقات قلبها تقرع في صدرها كجرس كنيسه، لكنه لم يكن خوف استسلام، بل كان غضب الكبرياء الثائر. يداها الثابتتان صعدتا ببطء إلى أزرار رداءها القطني. كل زر تفتحه كان بمثابة تضحية واعية من أجل لومينا، لكن روحها بقيت شامخة لم تُمس. تخلت عن الرداء، ثم عن قميصها الداخلي الأبيض البسيط، ولفّت البطانية الصوفية الثقيلة حول صدرها بإحكام، وضمتها بقوة إلى قلبها لتغطي مقدمتها بالكامل، بينما بقي ظهرها مكشوفاً للوراء. خصلات شعرها الذهبية المحمرة انثالت على كتفها الأيسر كإكليل من النار، تاركة المساحة العاجية لظهرها عارية تماماً تحت شعاع شمعة مركز. خرجت من خلف الستار بخطوات ملكية متزنة، وصعدت إلى المنصة، وأعطت ظهرها لحامل الرسم، موجهة وجهها نحو الجدار المظلم بكبرياء تام، دون أن تمنح داميان متعة رؤية ذرة انكسار واحدة في ملامحها. بدأ داميان يخلط الألوان، وصوت حركة فرشته كان يمزق الصمت الخانق، بينما همس بنبرة لزجة: "ممتاز... رائع... هذا النقاء العاجي هو ما يبحث عنه أصحاب الدماء الزرقاء. الخطوط، الانحناءات، العزلة التي تنضح من جسدكِ... هذه لن تكون مجرد لوحة، ستكون خطيئة فنية مكتملة الأركان. النبلاء سيدفعون ثروات فقط ليتخيلوا من هي صاحبة هذا الظهر النقي." التفتت لوسيندا برأسها قليلاً بحركة حادة، ورمقته بنظرة جانبية مرعبة جعلت فرشته تتوقف في الهواء، وقالت بصوت منخفض حاد كالخنجر: "ارسم وأنت صامت يا داميان. قماش لوحتك الغبي هذا لن يطاله سوى بضعة نبلاء معتوهين ينظرون إليه من بعيد كالحيوانات الجائعة. جسدي ونقائي أبعد من أن تطاله مخيلتكم المريضة، وأنا هنا لأشتري دواء أختي بأموالكم المقززة، فلا تخلط بين حاجتي للمال وبين كرامتي التي يمكنها سحقك وسحق نبلاء العاصمة تحت قدمي." ابتلع داميان ريقه بصعوبة، وشعر برعب حقيقي من هيبتها الجبارة رغم موقفها، فأعاد عينيه إلى اللوحة وبدأ يخط خطوطه بسرعة وصمت دون أن يجرؤ على فتح فمه مجدداً. لم تكن لوسيندا الشامخة تعلم، وهي تقف بكل هذا الكبرياء، أن هذه اللوحة بالذات، وتلك الخطوط العاجية المتمردة لظهرها، ستكون الشرك الذي سيعبر عليه هوس رجل لا يرحم؛ رجل يبعد عنها مئات الأميال في أقصى الشمال. الدوق هيكتور، الطاغية الذي يرتدي قفازات سوداء ويقرف من الوجود البشري ويسخر من فكرة اللمس، سينفجر داخله جنون شهواني مريض بمجرد رؤية كبرياء جسدها المرسوم، وسيقسم على تمزيق قفازاته الحريرية فقط لكي يحطم هذا الكبرياء ويجعلها تجثو خلف أسوار قصره المظلم... ملكاً خالصاً له للأبد.ومع حلول المساء، بدأت عواصف الشمال الثلجية تشتد بالخارج، تضرب بعنف جدران القلعة الحجرية السوداء، وتطلق عويلاً مخيفاً يتردد صداه عبر الممرات المظلمة. كانت الشموع الطويلة قد أُوقدت في الممرات، ترسم ظلالاً راقصة ومشوهة على الجدران. في الجناح الشرقي، كانت لوسيندا تقف أمام مرآتها، ترتب ياقة ثوبها الداكن الثقيل بثبات. نظرت نحو السرير حيث كانت لومينا تنام بسلام، وجهها بدأ يستعيد بعضاً من حيويته بفضل جرعات الأعشاب النقية التي يُشرف عليها طبيب القصر."أنا أفعل هذا من أجلكِ أنتِ فقط يا حبيبتي،" همست لوسيندا بصوت منخفض حمل شجاعة لا تلين. أخذت السجل الطبي الجلدي الكبير من فوق الطاولة، وضمته إلى صدرها كدرع، ثم خرجت متوجهة نحو الجناح الخاص بالدوق في الطابق العلوي، وكل خطوة تخطوها كانت تعلن عن كبرياء يرفض الانكسار أو الانحناء مهما كانت الظروف خانقة.عندما وصلت إلى الأبواب الخشبية الضخمة لجناحه، لم تتردد؛ بل رفعت يدها وطمقت الباب بضربات حادة وقوية أعلنت عن حضورها الشامخ قبل أن تفتح الأبواب. فتح أحد الحراس الباب بوقار وتراجع للخلف، لتدلف لوسيندا إلى الداخل وتجد نفسها في حيز المراقبة المظلم لهيكتور
كانت خيوط الفجر الشمالي البارد تنساب عبر النوافذ الزجاجية الضخمة للمكتبة الأرشيفية، ترسم ظلالاً رمادية شاحبة فوق الطاولات الرخامية ومجلدات الجرد الطبية. كانت الأجواء هادئة، لكنه كان هدوءاً أشبه بالوقوف على أرض ملغومة. تقف لوسيندا بالقرب من السلم الخشبي المتحرك، مرتدية ثوبها الكورسيه(المشد الذي يحدد الخصر) معه كرينولين واسعه جدا(الهيكل للتنوره) مع الكورسيه ترتدي بوديس(الجزء العلوي الضيق من الفستان ) ذي الياقة المغلقة، بينما انشغلت يداها بترتيب مخطوطات الخرائط الجغرافية للمقاطعات. لم تكن هناك ذرة تراجع في تعبيرات وجهها، ولسانها الحاد كان في حالة تأهب دائم كخنجر مستعد للاستخدام.فجأة، تحرك هيكتور في الطرف الآخر من الغرفة الواسعة. لم يكن يجلس على مقعده المعتاد؛ بل كان يقف أمام خريطة حائطية ضخمة، يمسك بيده اليمنى المغطاة بالحرير الأسود قلماً فضياً طويلاً، يرسم به حدود التحركات العسكرية وإمدادات المستودعات. حركاته كانت هادئة، مدروسة، وتنم عن هيبة طبيعية لا تحتاج لكلمات لتثبت حضورها.التفت ببطء، ولم ينظر إليها مباشرة، بل وجّه نظراته نحو رئيس خدمه الذي كان يقف عند عتبة الباب بنوع من الرعب
كان جناح الدوق هيكتور الخاص في الطابق العلوي من القصر الشمالي يشبه حصناً داخل حصن، مكاناً لا تجرؤ حتى أنفاس الخدم على المرور به دون إذن مسبق. وفي أقصى ذلك الجناح،كانت تقع المكتبة الأرشيفية السرية. كانت الغرفة شاسعة، ذات سقف شاهق الارتفاع تتشابك فيه الأخشاب الداكنة العتيقة، وتصطف على جدرانها رفوف خشبية عملاقة تمتد من الأرض إلى السقف، محملة بآلاف المخطوطات والكتب الجلدية النادرة، وخرائط المقاطعات، وسجلات جرد المستودعات الطبية للحصن بأكمله. كانت النوافذ الزجاجية الطويلة تطل على المنحدرات الثلجية، بينما كان ضوء الشموع الكثيفة والموقد الرخامي يضفيان على المكان ظلالاً ذهبية وغموضاً فيكتوريّاً حابساً للأنفاس.في صباح اليوم الأول لاستلام عملها، كانت لوسيندا تقف وسط هذا الحيز الفخم بكامل شموخها وقامتها المنتصبة. لم تضيع ثانية واحدة في تأمل الفخامة؛ بل كانت قد رفعت شعرها الذهبي المحمر على شكل كعكة فرنسيه أعلى رأسها لتكشف عن عنقها العاجي النقي وخطوط كتفيها الشامخين، وبدأت بالفعل في فرز وتجميع سجلات المستودعات الطبية المتناثرة على الطاولة الرخامية الضخمة. كانت تمسك بالريشة وتخط الأرقام بجفاف
داخل القاعة الكبرى، كان الدوق هيكتور يجلس على عرشه المخملي الداكن، كان يقراء اخر الاخبار عن المدينه و عن الحرب التي ستبدا قريباً مع امبراطورية أوريكس. كان الجو في القاعة مشبعاً ببروده المعتاد، وعيناه الجليديتان تراقبان النيران المشتعلة في الموقد الرخامي، يمرر أصابعه المغطاة بالحرير الأسود على مسند المقعد ببطء كاريزمي. لم يكن يتوقع مواجهتها بهذه السرعة، حتى انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة بعنف صاعق أثار دهشة حراسه. دلت لوسيندا إلى القاعة. تقدمت بخطوات ثابتة وثقيلة لا تعرف التراجع، وتوقفت على بعد بضع خطوات من عرشه المرتفع، ورمقته بنظرة جانبية حادة كالنصل، جمدت الهواء في أنحاء المكان. أشار هيكتور لحراسه ببرود بطرف إصبعه ليغادروا فوراً، ليغلق الباب ويبقى وحيداً أمام هذا الجبل من الكبرياء المتمرد. "أرى أنكِ لم تضيعي الوقت في استكشاف سجنكِ الفخم يا ملهمتي الشامخة،" قال هيكتور بصوت عميق، رخيماً، ويحمل نبرة تملّك مستبدة وهو يتأمل شموخ قامتها ونظراتها الجافة التي ترفض الانحناء لسطوته. "هل جئتِ لتشكريني على الرعاية الطبية التي بدأت ابنة أختكِ لومينا في تلقيها، أم أن لسانكِ الحاد يفتقد ال
كانت العربة الملكية السوداء الفخمة تشق ضباب الليل الكثيف بسرعة رهيبة، تحفّها حوافر جياد الحرس الخاص التي تقرع الرصيف الحجري للعاصمة بنغمات عسكرية منتظمة ومنذرة. في الداخل، كانت الأجواء أشبه بغرفة محاكمة مغلقة تفوح منها رائحة الجلد الفاخر، والتحدي المكتوم، والبرود الذي يكاد يجمد الأنفاس.على المقعد المخملي المريح والمطرز بخيوط الفضة، كانت ترقد الطفلة الصغيرة لومينا، مستسلمة لنوم عميق وهادئ بعد أن وُضعت فوقها أغطية صوفية دافئة أحضرها الحرس بأمر من سيدهم. وبجانبها تماماً، كانت تجلس لوسيندا. كانت قامة لوسيندا منتصبة بشموخ جبار، وظهرها مسنود بقوة إلى المقعد وعيناها الزرقاوان الحادتان تشعان بنور من الكراهية والأنفة الجافة وهي تنظر مباشرة إلى الرجل الجالس أمامها في مواجهتها. لم تكن تبدو كفتاة معدمة أُجبرت على ترك حيّها؛ بل كانت نظراتها تعلن في كل ثانية أنها ملكة تقود معركتها الخاصة بشروطها الصارمة التي لن تنحني أبداً.أما في المقابل، فكان الدوق هيكتور يجلس بمنتهى الهيبة والوقار الأرستقراطي الطاغي. كان واضعاً ساقاً فوق الأخرى بكبرياء نرجسي، يلف معطفه الأسود الطويل حول بنيته الص
تراجع الضباب الرمادي قليلاً خلف نوافذ الغرفة المتواضعة، وكأن الطبيعة نفسها كانت تترقب النتيجة المحتومة لهذا الصدام الناري. كانت لوسيندا تقف في منتصف الغرفة، جسدها مشدود كوتر قوسي مستعد للإطلاق، وعيناها الزرقاوان تطلقان شرارات من التحدّي الجاف الذي لم يجرؤ أحد على مجابهته من قبل. أما الدوق هيكتور، فظل واقفاً بقامته الشاهقة، يمرر نظراته الجليديتان الثاقبتان فوق ملامحها الشامخة. لم يتكلم فوراً؛ بل اكتفى بالنظر إلى شفتيها اللتين قذفت في وجهه أعنف الكلمات. أشار ببرود بطرف إصبعه المغطى بالقفاز الحريري الأسود نحو حراسه الواقفين عند الباب، وبحركة خاطفة ورشيقة، انسحب الحراس إلى الخارج وأغلقوا الباب خلفهم، ليتركا وحيدين وسط هذا الصمت المشحون. "تظنين أن هذه القوة المصطنعة ستحميكِ مني؟" قال هيكتور بصوت عميق ورخيم، يتحرك ببطء حولها دون أن يقلص مسافة الأمان، وعيناه تلاحقان انسياب خصلات شعرها الذهبية المحمرة. "العربة بالخارج لا تنتظر إذناً من أحد، ولوسيندا... أنا لا أطلب، أنا آخذ ما أريد." رفعت لوسيندا ذقنها بحدة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حادة وجافة مليئة بالازدراء، وقالت بنبرة قا







