LOGIN
كان الضباب الفيكتوري الرمادي يزحف كالأفعى فوق أرصفة العاصمة الخشنة، يبتلع البيوت الحجرية المتآكلة ويضفي على زقاق
وايت تشابل كآبة سرمدية لا تنتهي. في تلك البقعة المنسية من العالم، حيث يختلط زفير المصانع الفحمية بدموع الفقراء، كانت لوسيندا تقف خلف النافذة الخشبية المتشققة لغرفتها الضيقة، تراقب العالم الخارجي بعينين يملأهما مزيج من الإرهاق والقلق الذي يفتت الروح. خلفها، على سرير حديدي صغير غطته الأسمال البالية، كانت ترقد أبنه أختها الصغرى، لومينا. لم تكن لومينا طفلة عادية؛ بل كانت أشبه بتمثال من الشمع الرقيق المهدد بالذوبان عند أول ملامسة للضوء. مرضها الغامض والنادر ذلك الاعتلال الذي يجعل من أشعة الشمس عدواً حارقاً يمزق جلدها النقي ويترك جسدها هزيلاً يرتجف تحت وطأة الحمى المباغتة كان يلتهم ما تبقى من حياتهما المستقرة. أرجعت لوسيندا خصلات شعرها المتموجة ذات اللون الذهبي المحمر وراء كتفها بحركة متعبة، ونظرت إلى الفراغ. كانت بشرتها العاجية الفاتنة تحمل شحوباً ناتجاً عن الجوع والسهر، لكن جمالها الطبيعي كان يشع كنجمة وسط هذا الركام. غير أن الجمال في الأحياء الفقيرة لم يكن يوماً نعمة؛ بل كان لعنة تطارد صاحبتها في كل زاوية. "لوسيندا... استيقظت لومينا بصوت مبحوح، واهٍ، كأنه يخرج من بئر عميق من الألم. التفتت لوسيندا بسرعة، وجثت على ركبتيها بجانب السرير، ممسكة بوعاء الماء البارد لتمسح على جبين أبنه أختها الصغير. لامست يدها جبين الفتاة، لتشعر بحرارة تلفح كفها. كانت نبضات لومينا متسارعة، وجسدها يرتجف رغماً عنها. "أنا هنا، يا حبيبتي. أنا بجانبكِ دائماً، لا تخافي،" همست لوسيندا بنبرة حاولت جاهدة أن تجعلها ثابتة، مطمئنة، رغم أن رعباً حقيقياً كان يعتصر قلبها. "الظلام... يؤلمني يا لوسيندا. أشعر أن جسدي يحترق من الداخل،" أنَّت لومينا، وأغلقت عينيها اللتين فقدتا بريقهما بسبب الضعف الحاد. انقبضت مرارة لوسيندا. كانت تعلم تماماً ما تحتاجه لومينا لتبقى على قيد الحياة. الدواء ليس مجرد جرعة كيميائية عادية، بل هو مستخلص من أعشاب طبية نادرة للغاية، أعشاب لا تنمو إلا في المنحدرات الباردة للمقاطعات الشمالية. والأسوأ من ذلك، أن تلك الأراضي الثلجية الشاسعة، وتجارة تلك الأعشاب الحيوية بالكامل، تقع تحت الاحتكار المطلق والرعاية الصارمة لرجل واحد. رجل يرتعد الجميع بمجرد ذكر اسمه في البلاط الملكي أو في أزقة العامة: الدوق هيكتور. الدوق هيكتور؛ ذلك الطاغية المستبد الذي يعيش في حصنه الشمالي الشاهق خلف الأسوار العالية. النبيل الذي تتناقل الألسن شائعات مرعبة عن سايكولوجيته المعقدة وعقدته النفسية المريضة. رجل ينفر من تلامس البشر ويقرف من النساء بشكل غير طبيعي، ويرتدي قفازات حريرية سوداء دائماً لحماية جلده من دنس العالم، مردداً ببرود يجمّد الدماء: "ياللسخرية.. مستحيل أن يلمس أحد جسدي". لكنه خلف تلك القفازات، كان يتحكم بجرعات الحياة والموت للفقراء عبر احتكاره للأعشاب الشافية، وكان سعر الجرعة الواحدة من ذلك المستخلص الطبي يعادل ثروة صغيرة لا تحلم بها فتاة مثل لوسيندا طوال حياتها. نظرت لوسيندا إلى الطاولة الخشبية الصغيرة؛ الزجاجة الطبية كانت فارغة تماماً. لم يتبق فيها قطرة واحدة، والطبيب العجوز في الحي رفض منحها أي جرعة إضافية ما لم تدفع الثمن نقداً ودفعة واحدة. الصيدلية الملكية لا ترحم، والفقر لا يمهل أحداً. "يجب أن أحصل على المال اليوم. مهما كان الثمن،" حدّثت لوسيندا نفسها، وهي تشعر بخناق يطبق على أنفاسها. لم يكن أمامها سوى خيار واحد. خيار كانت تؤجله وتخشاه، لكن ظلال الموت التي تحوم حول سرير أختها جعلتها تتخلى عن كل تراجع. محترف الرسام داميان. كان داميان رساماً معروفاً في الأوساط البرجوازية، لكنه كان يمتلك سمعة خبيثة بين الفتيات اللواتي يبحثن عن عمل كموديلات. لم يكن يرسم بورتريهاً عادياً؛ بل كان يبحث عن أجساد تحمل نقاءً معيناً ليبيع لوحاته للنبلاء الجشعين في المزادات السرية المغلقة. كان قد التقى بلوسيندا مصادفة في السوق قبل أسبوع، وعرض عليها مبلغاً كبيراً من المال لمجرد جلسة رسم واحدة، مؤكداً لها أن وجهها لن يظهر، وأن كبرياءها لن يُمس. في ذلك الوقت، رفعت رأسها ورفضت بغضب، لكن الجوع والمرض كسرا ذلك الكبرياء. ارتدت لوسيندا رداءها القطني البسيط، وغطت شعرها الذهبي المحمر بوشاح داكن لكي لا تلفت الأنظار، ثم طبعت قبلة حانية على جبين أختها الغائبة عن الوعي، وأغلقت الباب خلفها متوجهة نحو وكر العبد.ومع حلول المساء، بدأت عواصف الشمال الثلجية تشتد بالخارج، تضرب بعنف جدران القلعة الحجرية السوداء، وتطلق عويلاً مخيفاً يتردد صداه عبر الممرات المظلمة. كانت الشموع الطويلة قد أُوقدت في الممرات، ترسم ظلالاً راقصة ومشوهة على الجدران. في الجناح الشرقي، كانت لوسيندا تقف أمام مرآتها، ترتب ياقة ثوبها الداكن الثقيل بثبات. نظرت نحو السرير حيث كانت لومينا تنام بسلام، وجهها بدأ يستعيد بعضاً من حيويته بفضل جرعات الأعشاب النقية التي يُشرف عليها طبيب القصر."أنا أفعل هذا من أجلكِ أنتِ فقط يا حبيبتي،" همست لوسيندا بصوت منخفض حمل شجاعة لا تلين. أخذت السجل الطبي الجلدي الكبير من فوق الطاولة، وضمته إلى صدرها كدرع، ثم خرجت متوجهة نحو الجناح الخاص بالدوق في الطابق العلوي، وكل خطوة تخطوها كانت تعلن عن كبرياء يرفض الانكسار أو الانحناء مهما كانت الظروف خانقة.عندما وصلت إلى الأبواب الخشبية الضخمة لجناحه، لم تتردد؛ بل رفعت يدها وطمقت الباب بضربات حادة وقوية أعلنت عن حضورها الشامخ قبل أن تفتح الأبواب. فتح أحد الحراس الباب بوقار وتراجع للخلف، لتدلف لوسيندا إلى الداخل وتجد نفسها في حيز المراقبة المظلم لهيكتور
كانت خيوط الفجر الشمالي البارد تنساب عبر النوافذ الزجاجية الضخمة للمكتبة الأرشيفية، ترسم ظلالاً رمادية شاحبة فوق الطاولات الرخامية ومجلدات الجرد الطبية. كانت الأجواء هادئة، لكنه كان هدوءاً أشبه بالوقوف على أرض ملغومة. تقف لوسيندا بالقرب من السلم الخشبي المتحرك، مرتدية ثوبها الكورسيه(المشد الذي يحدد الخصر) معه كرينولين واسعه جدا(الهيكل للتنوره) مع الكورسيه ترتدي بوديس(الجزء العلوي الضيق من الفستان ) ذي الياقة المغلقة، بينما انشغلت يداها بترتيب مخطوطات الخرائط الجغرافية للمقاطعات. لم تكن هناك ذرة تراجع في تعبيرات وجهها، ولسانها الحاد كان في حالة تأهب دائم كخنجر مستعد للاستخدام.فجأة، تحرك هيكتور في الطرف الآخر من الغرفة الواسعة. لم يكن يجلس على مقعده المعتاد؛ بل كان يقف أمام خريطة حائطية ضخمة، يمسك بيده اليمنى المغطاة بالحرير الأسود قلماً فضياً طويلاً، يرسم به حدود التحركات العسكرية وإمدادات المستودعات. حركاته كانت هادئة، مدروسة، وتنم عن هيبة طبيعية لا تحتاج لكلمات لتثبت حضورها.التفت ببطء، ولم ينظر إليها مباشرة، بل وجّه نظراته نحو رئيس خدمه الذي كان يقف عند عتبة الباب بنوع من الرعب
كان جناح الدوق هيكتور الخاص في الطابق العلوي من القصر الشمالي يشبه حصناً داخل حصن، مكاناً لا تجرؤ حتى أنفاس الخدم على المرور به دون إذن مسبق. وفي أقصى ذلك الجناح،كانت تقع المكتبة الأرشيفية السرية. كانت الغرفة شاسعة، ذات سقف شاهق الارتفاع تتشابك فيه الأخشاب الداكنة العتيقة، وتصطف على جدرانها رفوف خشبية عملاقة تمتد من الأرض إلى السقف، محملة بآلاف المخطوطات والكتب الجلدية النادرة، وخرائط المقاطعات، وسجلات جرد المستودعات الطبية للحصن بأكمله. كانت النوافذ الزجاجية الطويلة تطل على المنحدرات الثلجية، بينما كان ضوء الشموع الكثيفة والموقد الرخامي يضفيان على المكان ظلالاً ذهبية وغموضاً فيكتوريّاً حابساً للأنفاس.في صباح اليوم الأول لاستلام عملها، كانت لوسيندا تقف وسط هذا الحيز الفخم بكامل شموخها وقامتها المنتصبة. لم تضيع ثانية واحدة في تأمل الفخامة؛ بل كانت قد رفعت شعرها الذهبي المحمر على شكل كعكة فرنسيه أعلى رأسها لتكشف عن عنقها العاجي النقي وخطوط كتفيها الشامخين، وبدأت بالفعل في فرز وتجميع سجلات المستودعات الطبية المتناثرة على الطاولة الرخامية الضخمة. كانت تمسك بالريشة وتخط الأرقام بجفاف
داخل القاعة الكبرى، كان الدوق هيكتور يجلس على عرشه المخملي الداكن، كان يقراء اخر الاخبار عن المدينه و عن الحرب التي ستبدا قريباً مع امبراطورية أوريكس. كان الجو في القاعة مشبعاً ببروده المعتاد، وعيناه الجليديتان تراقبان النيران المشتعلة في الموقد الرخامي، يمرر أصابعه المغطاة بالحرير الأسود على مسند المقعد ببطء كاريزمي. لم يكن يتوقع مواجهتها بهذه السرعة، حتى انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة بعنف صاعق أثار دهشة حراسه. دلت لوسيندا إلى القاعة. تقدمت بخطوات ثابتة وثقيلة لا تعرف التراجع، وتوقفت على بعد بضع خطوات من عرشه المرتفع، ورمقته بنظرة جانبية حادة كالنصل، جمدت الهواء في أنحاء المكان. أشار هيكتور لحراسه ببرود بطرف إصبعه ليغادروا فوراً، ليغلق الباب ويبقى وحيداً أمام هذا الجبل من الكبرياء المتمرد. "أرى أنكِ لم تضيعي الوقت في استكشاف سجنكِ الفخم يا ملهمتي الشامخة،" قال هيكتور بصوت عميق، رخيماً، ويحمل نبرة تملّك مستبدة وهو يتأمل شموخ قامتها ونظراتها الجافة التي ترفض الانحناء لسطوته. "هل جئتِ لتشكريني على الرعاية الطبية التي بدأت ابنة أختكِ لومينا في تلقيها، أم أن لسانكِ الحاد يفتقد ال
كانت العربة الملكية السوداء الفخمة تشق ضباب الليل الكثيف بسرعة رهيبة، تحفّها حوافر جياد الحرس الخاص التي تقرع الرصيف الحجري للعاصمة بنغمات عسكرية منتظمة ومنذرة. في الداخل، كانت الأجواء أشبه بغرفة محاكمة مغلقة تفوح منها رائحة الجلد الفاخر، والتحدي المكتوم، والبرود الذي يكاد يجمد الأنفاس.على المقعد المخملي المريح والمطرز بخيوط الفضة، كانت ترقد الطفلة الصغيرة لومينا، مستسلمة لنوم عميق وهادئ بعد أن وُضعت فوقها أغطية صوفية دافئة أحضرها الحرس بأمر من سيدهم. وبجانبها تماماً، كانت تجلس لوسيندا. كانت قامة لوسيندا منتصبة بشموخ جبار، وظهرها مسنود بقوة إلى المقعد وعيناها الزرقاوان الحادتان تشعان بنور من الكراهية والأنفة الجافة وهي تنظر مباشرة إلى الرجل الجالس أمامها في مواجهتها. لم تكن تبدو كفتاة معدمة أُجبرت على ترك حيّها؛ بل كانت نظراتها تعلن في كل ثانية أنها ملكة تقود معركتها الخاصة بشروطها الصارمة التي لن تنحني أبداً.أما في المقابل، فكان الدوق هيكتور يجلس بمنتهى الهيبة والوقار الأرستقراطي الطاغي. كان واضعاً ساقاً فوق الأخرى بكبرياء نرجسي، يلف معطفه الأسود الطويل حول بنيته الص
تراجع الضباب الرمادي قليلاً خلف نوافذ الغرفة المتواضعة، وكأن الطبيعة نفسها كانت تترقب النتيجة المحتومة لهذا الصدام الناري. كانت لوسيندا تقف في منتصف الغرفة، جسدها مشدود كوتر قوسي مستعد للإطلاق، وعيناها الزرقاوان تطلقان شرارات من التحدّي الجاف الذي لم يجرؤ أحد على مجابهته من قبل. أما الدوق هيكتور، فظل واقفاً بقامته الشاهقة، يمرر نظراته الجليديتان الثاقبتان فوق ملامحها الشامخة. لم يتكلم فوراً؛ بل اكتفى بالنظر إلى شفتيها اللتين قذفت في وجهه أعنف الكلمات. أشار ببرود بطرف إصبعه المغطى بالقفاز الحريري الأسود نحو حراسه الواقفين عند الباب، وبحركة خاطفة ورشيقة، انسحب الحراس إلى الخارج وأغلقوا الباب خلفهم، ليتركا وحيدين وسط هذا الصمت المشحون. "تظنين أن هذه القوة المصطنعة ستحميكِ مني؟" قال هيكتور بصوت عميق ورخيم، يتحرك ببطء حولها دون أن يقلص مسافة الأمان، وعيناه تلاحقان انسياب خصلات شعرها الذهبية المحمرة. "العربة بالخارج لا تنتظر إذناً من أحد، ولوسيندا... أنا لا أطلب، أنا آخذ ما أريد." رفعت لوسيندا ذقنها بحدة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حادة وجافة مليئة بالازدراء، وقالت بنبرة قا







