ログインوقفتُ ألهث وأسترد أنفاسي خلف السارية الحجرية، بينما تقدم الجد بخطوات ثابتة وهو يتكئ على عصاه بوقار، وقد بدأت ملامحه الصارمة تعود للظهور، متجاهلاً تماماً تعليقات الخال كاريون الذي كان لا يزال يقهقه في خلفية الباحة. هتف الجد بصوت حازم صدى في أرجاء المكان: — «كفى لغواً ولعباً يا ابنتي! إن كنتِ تظنين أن دماء السلالة وحدها ستنقذكِ أو تحيي هذه الأرض، فأنتِ واهمة. الطاقة العظيمة تشبه المارد النائم؛ إن لم توقظيها بجهدك وعرَقكِ، التهمتْكِ قبل أن تدركي كنهها!» اعتدلتُ في وقفتي، وأنا أمسح قطرات العرق عن جبيني، وأردف بنبرة متذمرة خافتة: — «حسناً، حسناً يا جدي... لكن ألم يكن بالإمكان التدريب بطريقة هادئة لا تتضمن عصاً خشبية موجهة نحو رأسي مباشرة؟» أشار إليّ ببطء أن أتقدم نحوه، وتوسطنا الباحة الحجرية الواسعة التي كانت تحيط بها جدران القصر المتهالكة والمرجان باهت اللمعان. — «اجلسي ترفعي على الأرض، واشبكي يديكِ هكذا»، قالها وهو يوجهني بحركة صارمة، ثم تابع بصوت عميق: «أغمضي عينيكِ تماماً، وأبعدي عن رأسكِ كل ترهات البشر وصخب الحياة التي عشتِها طوال السنين الماضية. استشعري ما تحت قدميكِ؛
لم أحتمل صمت الجدران أكثر، فانفلت صوتي محملاً بفضولٍ مشوب بالخوف: — «عذراً يا جدي... لكن، ما الذي يعنيه حقاً أن نكون نحن؟ لماذا ترون فيّ معجزةً لم أتبين ملامحها بعد؟ لقد استمر هذا العالم في غيابنا دهراً!» تنهد الجد، فكأنما أخرج من جوفه صقيع السنين ومرارة التاريخ، وقال بصوتٍ شابه نحيب مكبوت: — «لأن دماءكم عتيقة يا ليونا... ليست مجرد دماء تسري في عروق، بل هي "مِعراج" طاقة مقدسة قادرة على بعث الحياة في هذا المرجان الميت الذي جثم عليه دمار الأجداد. لقد كان ازدهارنا مرهوناً بهذا السحر؛ كنا سادة هذا العمق الأحيائي، واليوم... لا نقتات إلا على فتات المنفى.» عقدت حاجبيّ بذهول مطبق، وهمست بتهدّج: — «أي طاقةٍ تقصد يا جدي؟ أنا حقاً... لا أدرك شيئاً!» وفي قرارة نفسي، سرت قشعريرة جليدية لا علاقة لها ببرودة المكان، إذ تذكرت تلعثمي بالأمس، وتلك الرؤيا المرعبة حين استشعرت ذاكرة "لؤلؤة" وأبصرت قصر أخي يرتعش في لحظة عناق! قطع الجد أفكاري بصوتٍ مشبع بالرجاء واليأس معاً: — «ولأجل هذا السر بالذات... جلبكِ كاريون إلى هنا.» خطا العجوز نحوي بخطواتٍ متهدجة، ومد يده المرتعشة ليلامس جبه
تجولنا في ذاك السوق الشعبي المزدحم، حيث تتقاطع خيوط اليأس بالصمود، وما إن وطأت أقدامنا الساحة حتى توقفت إحدى الجنيات العجائز عن بيع أعشابها، وحدقت مطولاً نحو رفيقتنا. لم تمضِ ثوانٍ معدودات حتى انطلق صوتها مخترقاً ضجيج السوق بذهول:— «لؤلؤة؟! أأنتِ حقاً لؤلؤة؟! كيف ظهرتِ فجأة بعد عشرين عاماً من الغياب؟ كيف عدتِ والموت كان رداء تلك الليلة؟!»كحريق سرى في الهشيم، التفتت الأنظار نحونا، وتسمّر الجميع في أماكنهم لبرهة قبل أن ينفجر السوق بهتافات مدوية وصيحات ممزوجة بالدموع:— «عادت لؤلؤة! لقد عادت لؤلؤة!»تجمهر الحشد حولنا في لحظات، وتقدم الجميع بملامح يملؤها الشوق العارم، متشوقين لمعرفة تفاصيل ذلك الاختفاء الأسطوري، كأنما وجدوا وميض أمل شحيح في عتمة أيامهم الطويلة. التفتُّ إليها مذهولة من هذا الفيضان البشري الجارف، وهمست بصوت خفيض يملؤه التعجب:— «يالؤلؤة... كيف يعرفكِ كل هذا الكم الهائل من الناس؟ وكأنكِ كنتِ هنا بالأمس فقط!»التفتت إليَّ لؤلؤة بابتسامة حنونة ومشاكسة، وأجابتني بخفة:— «يا صبيتي، لؤلؤة ليست اسماً عابراً هنا؛ فأنا الجنية الوحيدة الباقية من جيل الخفقات الأولى في أرضهم.»ول
في صباح اليوم التالي، لملمنا أمتعتنا وانطلقنا بحذر، مغادرين نحو مدينة عشيرتي. وما إن اقتربنا حتى تبدت لنا على حقيقتها؛ مدينةً تزخر بالحركة وتملأ الضحكات أركانَها، رغم أن أسوارها العتيقة قد غطتها الشقوق، وباتت قطع المرجان التي تزين بنيانها متهالكةً كعظام متعبة. بدت المدينة كأنها تنبض بروح مستقلة بذاتها؛ روح جُرحت عمقاً لدرجة يستحيل معها التئام ندوبها إلا بعد مرور آلاف السنين.. هكذا حدثني الخال كاريون بنبرة يملؤها الأسى والوقار. ومع ذلك، كان أهلها يواصلون الحياة بهدوء وصمود أسطوري.التفتُّ إلى الخال وأنا أتأمل التفاصيل من حولي متسائلة:— «يا خال.. المدينة لا تحتاج لحاكم حقيقي، فلماذا قد تحتاج لحاكم أصلاً مادام الشعب يعيش حياته هكذا؟»أجابني الخال بنبرة حكيمة وهادئة وهو يرسل نظراته بعيداً في الأفق:— «هذا الشعب لا يعيش يا بنيتي، إنه يقاوم فقط ليبقي رمقه على قيد الحياة.. وعليكِ أن تعلمي، لقد عيّنوا سيداً لهذه العشيرة من شيوخها، أكبرهم سناً ومقاماً، ليدير شؤونهم بمعية مجلس الشيوخ.»ثم أردف محذراً بنبرة حازمة:— «يا لؤلؤة.. سنتجه إليهم الآن، لكن إياكِ ثم إياكِ أن تفصحي عن هويتك الحقيقية
بمجرد أن أحاطت ليونا الجنيةَ «لؤلؤة» بذراعيها في عناقٍ دافئ، تحول الزمان حولهما إلى سائل زجاجي مهدد بالانكسار في أي لحظة. لم يكن عناقاً عادياً، بل كان بوّابة سحرية خفية انفتحت بلا ميعاد؛ فبدأت أطياف المكان وذكرياته تتناثر في الأفق كشظايا من النور الأرجواني والذهبي. غرقت ليونا في ذاك العالم الساحر بخيالها الواسع، متخطية حدود الزمان والمكان، كأنما غاصت في قاع محيط عميق ينبض بأسرار الطفولة الأولى ودفء الذكريات الدفينة.في تلك اللحظة الفاصلة، انطلق صوت «لؤلؤة» مخترقاً غشاوة الرؤية بحدة وألم:— «آآه... ليونا، أترُكيني! ما بكِ؟! تكادين تكسرين جناحاي بهذه الشدة!»لكن ليونا كانت في عالم آخر تماماً؛ فقد أدركت بيقين ساطع وهي غائصة في أعماق الرؤية المدهشة، أن بإمكانها العبور إلى ما هو أبعد. تبدت لها الحقيقة المذهلة بوضوح ساطع: تلك الغابة الكثيفة وتلك الأشجار العتيقة المهيبة لم تكن سوى «تمويه» محكم وخداع بصري عظيم، يستر خلفه عالماً أسطورياً لا يراه البشر العاديون أبداً!إنها بلدة الجنيات الخفيّة؛ معمورة مقدسة للجان تنبض بالسحر والجمال الخارق، تقع على مقربة شديدة من ذلك القصر الأسطوري... قصر أخ
تمتمت ليونا باسمها كمن تعيد تهجئة تعويذة سحرية قديمة:— «مرجانة... مرجانة!»رفعت رأسها فجأة، واتسعت عيناها بذهول ممتزج بالرعب الجميل كأنما صاعقة من النور ضربت عقلها. هبت واقفة من على الفراش الوثير، وخطت نحو الخال بخطوات متسارعة، وصوتها يرتجف بوقع الاكتشاف:— «انتظر يا خال... مرجانة! اسمعني جيداً، لقد سمعت هذا الاسم... نعم، سمعته من تلك السيدة الغامضة التي نقلتني إلى قصرها، نعم سيدة الماء التي التقيْتُ بها في ذاك العالم الغريب .. والتي نظرت إلى عمق عينيّ وقالت لي بصوت يشبه خرير الموج: "اذهبي واكتشفي سر الترابط الخفي بالمكان"!»التفتت «لؤلؤة» بسرعة، وقد انعكس وميض الحيرة على وجهها، بينما تسمّر الخال في مكانه، وابتسامة هادئة .— «لم يكن اسماً عابراً سمعته صدفة... لقد كانت هي! خالتي مرجانة نفسها هي من التقيْتُ بها في بداية الدرب، وهي من وجهت خطاي إلى هنا !»لاكن لماذا لم تخبرني أنها خالتي ولماذا تركتني وحيدة .يتطلع الخال «كاريون» إلى «ليونا» بنظرة تجمع بين الفخر والأسى الخفيف، ثم يعدل نظاراته الفضية ويبتسم بمرارة واضحة ليجيب عن تساؤلاتها المعلقة:— «لا أضن أنها أرادت ترككِ وحيدة ي