LOGINشعر سمر أسود داكن، وحتى الطول ليس نفسه. وابنتهما شعرها بني وقصير، وليس بهذا الطول أبداً. إذن، من أين جاءت هذه الشعرة؟
سقطت على الأرض وهي ترتجف. مشاعر مختلطة تعصف بداخلها. "كيف أبني استنتاجاً على مجرد شعرة؟ لكن في نفس الوقت... قد تكون هذه هي الحقيقة." أعادت القميص إلى مكانه بتردد، وأخذت تلك الشعرة الصفراء وخبأتها في صندوق مجوهراتها، كأنها دليل إدانة. دخلت الحمام وغسلت وجهها، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى المرآة. لم تعرف نفسها. "من هذه؟ هذه ليست سمر. سمر لم تكن هكذا أبداً. كانت دائماً صامدة، واثقة من نفسها. أما الآن... فهي مجرد امرأة تعيسة لا تبعث على الحياة. ما الذي أوصلني إلى هنا؟" جففت وجهها، وعدلت مكياجها بسرعة حتى لا يلاحظ الأطفال شيئاً، ثم نزلت إلى الحديقة لتتناول الغداء مع طفليها. ما إن رأياها حتى تهلل وجهاهما فرحاً، فقد كانا ينتظرانها. أشارت للسيدة حليمة أن تسكب الطعام في الأطباق. وعلى عكس المتوقع، كانت سمر تأكل بنهم، حتى أنها طلبت المزيد، مما أثار دهشة الأطفال وحليمة معاً، فهي بالعادة تكتفي بطبق واحد. عندما لاحظت دهشتهم، قالت مبتسمة لتداري ما بداخلها: "الجو منعش والطعام لذيذ، ولا تنسوا أنني لم أفطر. أظن أن هذا من حقي." وضحكت، فضحك الجميع معها. ثم سألت: "سالي، سامي، ماذا تريدان أن نفعل بعد الغداء؟" قال سامي بحماس: "نذهب إلى مدينة الملاهي!" أيدته سالي: "أجل أجل، أمي!" قالت: "حسناً، لكما ذلك. اذهبا لتغيير ملابسكما، وسأغير ملابسي أنا أيضاً وننطلق. سيدة حليمة، ستأتين معنا أيضاً لتغيير الجو." بعد أن جهزوا أنفسهم، ركبت سمر سيارتها، بجانبها حليمة، وفي المقعد الخلفي يجلس الطفلان بكل حماس. عند الوصول، بدأ الطفلان في اختيار الألعاب، وسمر تلبي طلباتهما وتتبعهما هي وحليمة. بعد أن انتهوا من لعبة العجلة الدوارة، طلبا من والدتهما أن يذهبا لشراء غزل البنات. وبينما هم يتجهون نحو الكشك المخصص لبيعه، فوجئت بسامي يقول لسالي: "هاي، انظري من هناك !" وانطلقا مسرعين نحو فتاة في سنهما وهما يناديان: "ليزا! ليزا!" التفتت ليزا واتسعت ابتسامتها: "ياااه! سالي وسامي هنا أيضاً!" راقبت سمر الموقف ثم تنهدت بارتياح عندما عرفت سبب اندفاع طفليها. ففي الحقيقة، ليزا هي ابنة فادي عبد العزيز، أحد شركاء حازم في مشروع تصنيع الأنابيب وتصديرها. التقت به من قبل في عدة مناسبات، كما أن الأولاد تعارفوا خلال تلك اللقاءات. توفيت زوجته عند ولادة ليزا ولم يتزوج بعدها، لذا فهو المسؤول الأول عن ابنته ولا يبعدها عنه أبداً. إذن، من المؤكد أنه هنا. اقتربت ليزا مع الأطفال نحو سمر. انحنت سمر وربتت على شعرها وقالت: "ليزا، كيف حالك؟" "أنا بخير خالتي سمر، وأنتِ؟" ابتسمت سمر وقالت: "مسرورة برؤيتك." "هل ترغبين في الانضمام إلينا؟" لمعت عينا ليزا وكادت أن تقول نعم، ثم تذكرت أنها يجب أن تسأل والدها أولاً. التفتت ليزا خلفها، فوجدت والدها قادماً نحوها بخطى ثابتة. قدم التحية لسمر أولاً: "سيدة فرحات، يسرني لقاؤك." عند سماعها لتحية فادي، تذكرت أنها منذ مدة لم تسمع أحداً يناديها بكنية زوجها، لأنها لم تعد تحضر المناسبات الرسمية. ردت عليه: "أهلاً بك." "إذن، أين السيد فرحات؟ أليس معكم؟" قالت: "في الحقيقة لا، فهو مشغول دائماً هذه الأيام." "أجل، خاصة مع اقتراب رأس السنة، لكن يبدو أنكِ مشغولة أكثر منه لغيابك عن حفلة الأسبوع الماضي." هنا وكأن دلو ماء بارد سُكب عليها. "ماذا يقول؟ حفلة في الأسبوع الماضي؟ لماذا ليس لي علم بهذا؟ أو ربما أخطأ؟" قالت مرتبكة: "عفواً؟!" قال: "أتحدث عن الحفلة التي أقامها حازم للاحتفال بعقد شراكته الجديد صُدمت، لكنها لم تستطع أن تبدي أي ردة فعل، وتمالكت نفسها وقالت: "آه... بالطبع، لقد كان التوأم مصابين بالحمى فلم أستطع تركهما." قال: "إنكِ حقاً أم رائعة، فأنتِ تضعينهم في المرتبة الأولى." ابتسمت ومالت بناظرها نحو الأطفال الذين انسجموا في الحديث مع بعضهم، ثم نظرت إلى فادي وأخبرته: "هل بإمكان ليزا الانضمام إلينا؟" قال فادي: "في الحقيقة كنا على وشك المغادرة، فلدي اجتماع الآن." ظهر العبوس على وجوه الأطفال، لكن سمر تدخلت وقالت: "يمكنها أن تبقى معنا، ثم سأوصلها بنفسي إلى البيت عندما ننتهي." قال فادي: "لكن ثلاثة أطفال سيتعبونك." قالت سمر: "لا، بالعكس سيستمتعون مع بعضهم، وحليمة هنا تساعدني في رعايتهم." جثا فادي على ركبتيه وأشار لليزا بالتقدم نحوه، ولما صارت أمامه قال لها: "ستكونين مطيعة وتسمعين أوامر الخالة سمر، ولا تبتعدي عنها مهما كان." أومأت برأسها وقالت وهي في غاية الفرحة: "حاضر أبي." اعتدل بعدها في وقفته وخاطب سمر: "شكراً جزيلاً لكِ." قالت: "شكراً لك لأنك لبيت رغبة الأطفال." لوح لهم بيده وقال: "إلى اللقاء، نلتقي في المساء." أوقفته سمر للحظة: "هل لدى ليزا أي حساسية من الأطعمة؟" أعجبه انتباهها لأدق التفاصيل وقال في نفسه: لا عجب أن السيد حازم يترك لها مسؤولية الأطفال، فهي حريصة جداً. أجاب: "أجل، في الحقيقة ممنوع عليها تناول الفول السوداني، فهي تتحسس منه." قالت: "حسناً، لا تقلق." شكرها مجدداً وابتعد نحو سيارته. بعد أن ركب سيارته، اندهش من نفسه كيف سمح لها بترك ابنته. هذه أول مرة يفعلها، وحتى ليزا نفسها لا تجرؤ أبداً على الابتعاد عنه، لكنها هذه المرة أرادت ذلك بشدة. ثم شغل محرك السيارة وانطلق نحو الشركة.وصلا كل من فادي وسمر أخيراً إلى جناحهما الخاص في منتجع بالي. كان الجناح أشبه بعالمٍ صغيرٍ منفصلٍ عن الدنيا.كان كبيراً جداً وفاخراً، يتوفر على حوض سباحةٍ خاصٍ في وسطه مياهه فيروزيةٌ صافية تلمع تحت اضواء المكان، محاطٍ بأسّرةٍ بيضاء من القش، وشرفاتٍ خشبيةٍ تطل مباشرةً على المحيط، وغرفةٌ زجاجيةٌ بالكامل، مجهزةٌ بكل شيءٍ قد يحلمان به، روائح الفانيليا والياسمين في كل مكان، وصوت الأمواج يأتي من بعيد.رتبا أمتعتهما بصمتٍ متوتر، ثم سألها فادي بلطفٍ وهو يحاول كسر هذا الحاجز:"هل ترغبين أن ترتاحي قليلاً ثم نخرج، أم تريدين أن نستكشف المكان الآن؟"فكرت سمر قليلاً، قلبها يدق بسرعة، ثم قالت وهي تحاول أن تبدو طبيعية:"لنغير ملابسنا ونخرج، أريد أن أرى المكان."كان المنتجع عبارة عن مدينةٍ سياحيةٍ صغيرةٍ متكاملة، يوجد قطارٌ خشبيٌ صغيرٌ ومكشوف يمر على جميع الأماكن داخل المدينة من أجل أن يتعرف عليها السياح الجدد.سألها فادي: "ما رأيكِ أن نبدأ به حتى نتعرف على المكان كله مرةً واحدة؟"قالت بحماسٍ طفولي نسيت معه توترها: "أجل، فكرة رائعة!"دخلا إلى القطار، جلست سمر أمام النافذة الكبيرة وفادي إلى جانبها قريبا
كان كلاهما يشعر بالتوتر من الآخر، فهما الآن زوج وزوجة أمام الناس والقانون، ولكن في الحقيقة اتفقا أن يتصرفا كصديقين فقط، قال فادي وهو يحاول كسر الجليد، وأخذ منشفته:"سأدخل للحمام لأغير ملابسي، خذي راحتكِ في الغرفة."دخل فادي للحمام وأغلق الباب، بينما اتجهت سمر للخزانة الخشبية الكبيرة من أجل اختيار ثوبٍ مريحٍ لتنام به، لتتفاجأ بأن زوجة عمها وضعت لها فقط ثياب نومٍ قصيرةٍ وجريئةٍ جداً من المستحيل أن ترتديها أمام فادي، خاصةً في أول يوم.احمر وجهها وأسرعت إلى جهة فادي في الدولاب، فوجدت قميصاً أبيض قطنياً واسعاً وشورتاً رياضياً، نزعت فستان الزفاف الثقيل ولبستهما بسرعة.القميص كان يبتلعها تماماً فهو يصل إلى ركبتيها، ثم جلست أمام المرآة تنزع مكياجها وتربط شعرها.تعمد فادي أن يطيل في الحمام حتى لا يحرجها ويعطيها وقتها، بعد دقائق نادى من الداخل: "سمر، هل انتهيتِ؟"قالت: "نعم، تفضل."فخرج وهو يجفف شعره، ليتفاجأ من منظرها، كان القميص الأبيض واسعاً عليها جداً ومظهرها كان طفولياً وبريئاً جداً كطالبةٍ في المدرسة، انفجر من الضحك بصوتٍ عالٍ، فلم يكن ينتظر أن يراها بهذا المنظر بعد فستان الزفاف الفخم.س
عادت سمر إلى المنزل ونامت إلى جانب صغيريها، فقد خف توترها كثيراً بعد حديثها مع حازم في الحديقة وتغيرت وجهة نظرها، زيادة على ذلك فهذا الزواج سيكون شكلياً فقط على الورق من أجل ليزا، رغم أن هذا الأمر يساعدها ويخرجها من إحراج جدها، إلا أنها أحست بوجعٍ صغيرٍ وغريبٍ في صدرها عندما فكرت في الأمر، كغصة.فيبدو أنها بدأت تتعلق بفادي هي أيضاً، في حين هو قد قرر الزواج منها لأجل ليزا فقط، كمعروفٍ إنساني.نفضت الأفكار من رأسها بعنف ثم استسلمت للنوم وهي تقول لنفسها: "إنه زواجٌ شكلي، لا أكثر."بعد يومين، كانت سمر في المطار مع سامي وسالي وسيف، كان بانتظارهم هناك ، رحب بهم بحرارة ثم توجهوا جميعاً نحو مزرعة العائلة الكبيرة كانت التحضيرات على قدمٍ وساق، سيكون الحفل على الهواء الطلق في الحديقة الواسعة، كان فريق الديكور يعمل في الخارج بكل حماس.لاحظت سمر شخصين يقفان مع فريق الديكور ويبدوان مألوفين جداً، تقدمت منهما ببطء لتتفاجأ بأنهما لورا وحازم!بقيت مندهشةً وفاتحةً فمها: "ماذا تفعلان هنا؟!"قال حازم وهو يبتسم بفخر: "اعتبريها هديةً بسيطةً لكِ يا سمر، بمناسبة عقد قرانكِ، أردنا أنا ولورا أن نتكفل نحن بكل ا
ضغطت سمر أكثر على ليزا في حضنها وقالت بصوتٍ مبحوحٍ من الدموع:"وأنا أيضاً أحبكِ كثيراً يا حبيبتي، كثيراً جداً."قال فادي بلطفٍ كي يعطيهما مساحة: "ليزا هيا حبيبتي، يجب أن تغيري ملابسكِ وتغتسلي بعد الرسم، هيا."قالت ليزا وهي لا تزال متعلقة بسمر: "حاضر أبي" وقبلت سمر على خدها بقبلةٍ كبيرة وقالت: "إلى اللقاء يا خالتي، أراكِ قريباً جداً" ثم ركضت إلى الأعلى وهي تقفز فرحاً.قال فادي وهو يقترب خطوةً من سمر وصوته مليءٌ بالاعتذار:"أنا آسف يا سمر، لكن ليزا قلبها مرهف وحساسةٌ جداً، أنا لم أقصد أن أضغط عليكِ بها، أنا فقط..."وقفت سمر فجأة، ودون أن تنظر إلى وجه فادي، حتى لا تضعف، قالت بصوتٍ واضحٍ وثابت:"حسناً، أنا موافقة."ثم خرجت مباشرةً من الباب دون أن تضيف أي كلمةٍ أخرى، تركت فادي واقفاً في الصالة مذهولاً، لا يصدق ما سمع.مر ذلك اليوم ثقيلاً جداً على سمر، كان قلبها يتصارع بين عقلها وقلبها.عندما حل الليل، لم تستطع النوم، دعت طفليها سالي وسامي ليناما معها في غرفتها، كعادتها القديمة عندما تكون قلقة.أرادت أن تمهد لهما الأمر بلطف، فسألتهما وهي تلعب بشعرهما:"أخبراني، هل تحبان قضاء الوقت مع ليزا؟"
رأت سمر فادي يقترب من خلف الباب الزجاجي الكبير لمدخل بيته، فتح لها الباب بهدوء، فدخلت بغضبٍ وعيناها تقدحان شرراً، قبل أن تبدأ الكلام سألته بسرعة: "أين ليزا؟!" قال ببرودٍ وهو يغلق الباب: "إنها في دروس الرسم ستعود بعد قليل قالت: "جيد." وبدأت تتحدث بانفعالٍ شديدٍ وصوتٍ عالٍ: "ما الذي تفعله يا فادي؟ هل تظن أن جدي يمزح؟ هل تظن أن موضوع الزواج هذا لعبةٌ تلعب بها؟ كيف تقول له أنك ستأتي لتطلب يدي وأنت لم تسألني حتى؟" أجاب ببرودٍ مستفز وهو يضع يديه في جيبيه: "لا، أنا لا أمزح، أنا فقط أريد أن أستقر اجتماعياً، أريد عائلةً مستقرةً ، وهذا حقي." بقيت تنظر نحوه بغضب، هي ستنفجر من الغضب وهو يتصرف ببرودٍ قاتلٍ كعادته. قالت: "فادي، إذا أردت تأسيس عائلة يوجد الكثير من النساء أفضل مني، أجمل مني وأصغر مني، أرجوك، أرجوك تراجع عن قرارك المجنون هذا أمام عائلتي، اتصل بجدي وقل له أنك كنت تمزح." وبدأ فادي يقترب منها شيئاً فشيئاً بخطواتٍ بطيئة، وهي ترجع للخلف بتوترٍ حتى لم تجد مكاناً. قال وهو يقترب: "ألن يزعجكِ أن أتزوج امرأةً أخرى وأحضرها للبيت؟" ردت بترددٍ وصوتٍ مرتجف: "و... ولما يزعجني؟ هذا شأنك!
هزت سمر رأسها نافيةً ببطء وهي شاردةقالت فيروزة بقلق: "إذاً؟ هل قال ذلك كي ينفذ من إحراج جدكِ فقط ويسايره؟"قالت سمر: "لا أعلم يا أمي، لكن عندما أخبرته أن جدي لا يعرف المزاح وخاصةً في أمور الزواج، نظر إليّ بجديةٍ وقال لي 'لست أمزح' وذهب وتركني واقفة."ابتسمت فيروزة فجأة ونظرت نحو حليمة بفرحٍ كبير وقالت:"إذاً هو جادٌ فيما قاله قبل قليل! يا إلهي، إنه جاد!"نظرت سمر باستغرابٍ لأمها وقالت: "أرى أنكِ سعيدةٌ جداً يا أمي؟"قالت فيروزة: "أجل وكيف لا أكون سعيدة؟ فادي شابٌ رائع، محترم، ناجح، وحنون، لا توجد فتاةٌ في هذا العالم لا تتمناه زوجاً لها، وسيكون أباً رائعاً لسالي وسامي."لكن سمر تغير وجهها فجأة وقالت بجدية:"لكن أمي، أنا لا أريد الزواج."اختفت الابتسامة تدريجياً من وجه فيروزة وقالت بصدمة:"م... ماذا؟! لماذا لا تريدين؟! لماذا تقولين هذا ؟"قالت سمر وصوتها يرتجف: "أمي، لا أريد أن أخوض تجربةً أخرى وتنتهي بالفشل والطلاق والألم مرةً أخرى، تعبت، أريد أن أركز على عملي وشركتي الجديدة وأطفالي فقط، لا أريد رجلاً في حياتي الآن، لا أريد الزواج أبداً."وصعدت لغرفتها بسرعةٍ وأغلقت الباب خلفها بقوة.







