LOGINفي أثناء ذهاب الأطفال للرسم بالألوان الضوئية، جلست حليمة وسمر تراقبانهم. كانت سمر تحاول أن تبدو طبيعية قدر المستطاع، لكن عقلها كان في مكان آخر تماماً.
لماذا لم يخبرها حازم عن الحفلة؟ هل هذه هي المرة الأولى أم أن هناك مناسبات أخرى لم يعلمها بها؟ هل ألغى وجودها من حياته؟ أم ماذا؟ هل السبب أنه تعرف على امرأة أخرى؟ أم أنها هي من أخطأت في شيء؟ عندها تكلمت، وشفتاها ترتعشان: "سيدة حليمة..." حليمة: "نعم سيدتي؟" سمر: "أخبريني من فضلك، ودون مجاملة. أنتِ تعرفينني منذ ست سنوات. ما هي الأمور السيئة التي ترينها فيّ؟ سواء في معاملتي أو تصرفاتي... أي شيء." حليمة: "سيدتي، ما هذا السؤال؟ أنتِ سيدة رائعة، بل مثالية ومعطاءة، لا أرى فيكِ أي عيب." سمر: "حسناً، أخبريني بصدق، منذ زواجي... ماذا تغير في شخصيتي؟ كيف كنتُ عند زواجي وكيف أصبحتُ بعد هذه السنوات؟" صمتت حليمة قليلاً ثم قالت: "في الحقيقة يا سيدتي، في البداية كنتِ تهتمين بنفسك وبالسيد حازم كثيراً، وكنتِ أحسُّكِ شخصية أقوى مما أنتِ عليه الآن." "أما الآن، فأنتِ تضعين كل اهتمامك على التوأم، تفعلين كل شيء لأجلهما، وأصبحتِ أكثر رقة وحناناً مما كنتِ عليه من قبل، ومتساهلة جداً. وهذا طبيعي، مع تولد إحساس الأمومة يرق قلبك أكثر." سألتها سمر بصوت خافت: "أتظنين أنني أهملت حازم بعد الولادة؟" "لا، بالعكس سيدتي. كنتِ ولا زلتِ تهتمين به. أرى كيف تعتنين بلباسه ومظهره، لم تقصري يوماً في حقه." تذكرت سمر آخر مرة رأت فيها حازم وأرادت أن تعدل له ربطة عنقه، فابتعد عنها وقال ببرود: "لا بأس، سأقوم بذلك بمفردي." أفاقت من شرودها على كلمات حليمة وهي تقول جملتها التي اخترقت قلبها: "الشخص الوحيد الذي أهملتِه... هو أنتِ يا سيدتي." اتسعت عينا سمر بعد سماع كلمات حليمة. في الحقيقة، ما قالته كان صحيحاً تماماً. لقد حولت كل اهتمامها لولديها، وحتى لا يشعر حازم بالتقصير، ضاعفت جهدها لأجله أكثر. وفي المقابل، خسرت نفسها. لم تعد تجد وقتاً لتهتم بنفسها، وأصبحت مجرد امرأة عادية لا يوجد فيها ما يجذب. عادت بها الذاكرة إلى ما قبل ست سنوات... قبل 6 سنوات - في قصر عائلة فرحات السيد عبد الحليم فرحات والسيدة أنيسة فرحات يجلسان على طاولة الطعام أمام ابنهما حازم. قال الأب بنبرة حاسمة: "في الحقيقة يا حازم، لقد قررنا أنا ووالدتك من ستكون زوجة ابننا المستقبلية." "سمر محمد شريف. إنها من عائلة مرموقة، تمتلك أكبر عدد من المزارع في البلاد، والأولى محلياً في تصنيع الأجبان ومشتقات الحليب." رد حازم ببرود: "تعلمون جيداً أن هذا لا يهمني، لا يهمني المستوى المادي. لكن كما أعلم فهم يقطنون في المنطقة الغربية من البلاد، لماذا وقع الاختيار على عائلة بهذا البعد؟" أجابت أمه: "في الحقيقة يا ولدي، جد هذه العائلة كان صديقاً مقرباً لجدك، وهو من ساعده للخروج من الأزمة التي دخلت فيها شركته. وبعد وفاة جدك وتولي والدك للأمور، كانت عائلة محمد شريف دائماً إلى جانبه. كل أحفادها ذكور، ولديهم حفيدة واحدة فقط. لقد التقيناها عدة مرات أنا ووالدك، إنها شابة يافعة وذكية جداً، أنا متأكدة أنها ستنال إعجابك." سأل حازم: "حسناً، وما هو برنامجكم؟" أجاب الأب: "فكرنا أن ننطلق غداً بالطائرة، سنمكث عندهم أسبوعاً حتى يتسنى لنا الاتفاق على أمور عقد القران." قال حازم: "حسناً، هل هناك شيء آخر؟" قال الأب: "لا، يمكنك الذهاب." سار حازم مغادراً الصالة وهو يحدث نفسه: "لطالما كنت مشغولاً بالعلم وتطوير نفسي لأستلم إمبراطورية أبي، وما إن فعلت حتى زادت المسؤولية والانشغال... ههه حتى الوقت لأبحث عمن تناسبني لم أجده ولم أفكر فيه حتى. لكن لا بأس، سأرضى باختيار والدي."وصلا كل من فادي وسمر أخيراً إلى جناحهما الخاص في منتجع بالي. كان الجناح أشبه بعالمٍ صغيرٍ منفصلٍ عن الدنيا.كان كبيراً جداً وفاخراً، يتوفر على حوض سباحةٍ خاصٍ في وسطه مياهه فيروزيةٌ صافية تلمع تحت اضواء المكان، محاطٍ بأسّرةٍ بيضاء من القش، وشرفاتٍ خشبيةٍ تطل مباشرةً على المحيط، وغرفةٌ زجاجيةٌ بالكامل، مجهزةٌ بكل شيءٍ قد يحلمان به، روائح الفانيليا والياسمين في كل مكان، وصوت الأمواج يأتي من بعيد.رتبا أمتعتهما بصمتٍ متوتر، ثم سألها فادي بلطفٍ وهو يحاول كسر هذا الحاجز:"هل ترغبين أن ترتاحي قليلاً ثم نخرج، أم تريدين أن نستكشف المكان الآن؟"فكرت سمر قليلاً، قلبها يدق بسرعة، ثم قالت وهي تحاول أن تبدو طبيعية:"لنغير ملابسنا ونخرج، أريد أن أرى المكان."كان المنتجع عبارة عن مدينةٍ سياحيةٍ صغيرةٍ متكاملة، يوجد قطارٌ خشبيٌ صغيرٌ ومكشوف يمر على جميع الأماكن داخل المدينة من أجل أن يتعرف عليها السياح الجدد.سألها فادي: "ما رأيكِ أن نبدأ به حتى نتعرف على المكان كله مرةً واحدة؟"قالت بحماسٍ طفولي نسيت معه توترها: "أجل، فكرة رائعة!"دخلا إلى القطار، جلست سمر أمام النافذة الكبيرة وفادي إلى جانبها قريبا
كان كلاهما يشعر بالتوتر من الآخر، فهما الآن زوج وزوجة أمام الناس والقانون، ولكن في الحقيقة اتفقا أن يتصرفا كصديقين فقط، قال فادي وهو يحاول كسر الجليد، وأخذ منشفته:"سأدخل للحمام لأغير ملابسي، خذي راحتكِ في الغرفة."دخل فادي للحمام وأغلق الباب، بينما اتجهت سمر للخزانة الخشبية الكبيرة من أجل اختيار ثوبٍ مريحٍ لتنام به، لتتفاجأ بأن زوجة عمها وضعت لها فقط ثياب نومٍ قصيرةٍ وجريئةٍ جداً من المستحيل أن ترتديها أمام فادي، خاصةً في أول يوم.احمر وجهها وأسرعت إلى جهة فادي في الدولاب، فوجدت قميصاً أبيض قطنياً واسعاً وشورتاً رياضياً، نزعت فستان الزفاف الثقيل ولبستهما بسرعة.القميص كان يبتلعها تماماً فهو يصل إلى ركبتيها، ثم جلست أمام المرآة تنزع مكياجها وتربط شعرها.تعمد فادي أن يطيل في الحمام حتى لا يحرجها ويعطيها وقتها، بعد دقائق نادى من الداخل: "سمر، هل انتهيتِ؟"قالت: "نعم، تفضل."فخرج وهو يجفف شعره، ليتفاجأ من منظرها، كان القميص الأبيض واسعاً عليها جداً ومظهرها كان طفولياً وبريئاً جداً كطالبةٍ في المدرسة، انفجر من الضحك بصوتٍ عالٍ، فلم يكن ينتظر أن يراها بهذا المنظر بعد فستان الزفاف الفخم.س
عادت سمر إلى المنزل ونامت إلى جانب صغيريها، فقد خف توترها كثيراً بعد حديثها مع حازم في الحديقة وتغيرت وجهة نظرها، زيادة على ذلك فهذا الزواج سيكون شكلياً فقط على الورق من أجل ليزا، رغم أن هذا الأمر يساعدها ويخرجها من إحراج جدها، إلا أنها أحست بوجعٍ صغيرٍ وغريبٍ في صدرها عندما فكرت في الأمر، كغصة.فيبدو أنها بدأت تتعلق بفادي هي أيضاً، في حين هو قد قرر الزواج منها لأجل ليزا فقط، كمعروفٍ إنساني.نفضت الأفكار من رأسها بعنف ثم استسلمت للنوم وهي تقول لنفسها: "إنه زواجٌ شكلي، لا أكثر."بعد يومين، كانت سمر في المطار مع سامي وسالي وسيف، كان بانتظارهم هناك ، رحب بهم بحرارة ثم توجهوا جميعاً نحو مزرعة العائلة الكبيرة كانت التحضيرات على قدمٍ وساق، سيكون الحفل على الهواء الطلق في الحديقة الواسعة، كان فريق الديكور يعمل في الخارج بكل حماس.لاحظت سمر شخصين يقفان مع فريق الديكور ويبدوان مألوفين جداً، تقدمت منهما ببطء لتتفاجأ بأنهما لورا وحازم!بقيت مندهشةً وفاتحةً فمها: "ماذا تفعلان هنا؟!"قال حازم وهو يبتسم بفخر: "اعتبريها هديةً بسيطةً لكِ يا سمر، بمناسبة عقد قرانكِ، أردنا أنا ولورا أن نتكفل نحن بكل ا
ضغطت سمر أكثر على ليزا في حضنها وقالت بصوتٍ مبحوحٍ من الدموع:"وأنا أيضاً أحبكِ كثيراً يا حبيبتي، كثيراً جداً."قال فادي بلطفٍ كي يعطيهما مساحة: "ليزا هيا حبيبتي، يجب أن تغيري ملابسكِ وتغتسلي بعد الرسم، هيا."قالت ليزا وهي لا تزال متعلقة بسمر: "حاضر أبي" وقبلت سمر على خدها بقبلةٍ كبيرة وقالت: "إلى اللقاء يا خالتي، أراكِ قريباً جداً" ثم ركضت إلى الأعلى وهي تقفز فرحاً.قال فادي وهو يقترب خطوةً من سمر وصوته مليءٌ بالاعتذار:"أنا آسف يا سمر، لكن ليزا قلبها مرهف وحساسةٌ جداً، أنا لم أقصد أن أضغط عليكِ بها، أنا فقط..."وقفت سمر فجأة، ودون أن تنظر إلى وجه فادي، حتى لا تضعف، قالت بصوتٍ واضحٍ وثابت:"حسناً، أنا موافقة."ثم خرجت مباشرةً من الباب دون أن تضيف أي كلمةٍ أخرى، تركت فادي واقفاً في الصالة مذهولاً، لا يصدق ما سمع.مر ذلك اليوم ثقيلاً جداً على سمر، كان قلبها يتصارع بين عقلها وقلبها.عندما حل الليل، لم تستطع النوم، دعت طفليها سالي وسامي ليناما معها في غرفتها، كعادتها القديمة عندما تكون قلقة.أرادت أن تمهد لهما الأمر بلطف، فسألتهما وهي تلعب بشعرهما:"أخبراني، هل تحبان قضاء الوقت مع ليزا؟"
رأت سمر فادي يقترب من خلف الباب الزجاجي الكبير لمدخل بيته، فتح لها الباب بهدوء، فدخلت بغضبٍ وعيناها تقدحان شرراً، قبل أن تبدأ الكلام سألته بسرعة: "أين ليزا؟!" قال ببرودٍ وهو يغلق الباب: "إنها في دروس الرسم ستعود بعد قليل قالت: "جيد." وبدأت تتحدث بانفعالٍ شديدٍ وصوتٍ عالٍ: "ما الذي تفعله يا فادي؟ هل تظن أن جدي يمزح؟ هل تظن أن موضوع الزواج هذا لعبةٌ تلعب بها؟ كيف تقول له أنك ستأتي لتطلب يدي وأنت لم تسألني حتى؟" أجاب ببرودٍ مستفز وهو يضع يديه في جيبيه: "لا، أنا لا أمزح، أنا فقط أريد أن أستقر اجتماعياً، أريد عائلةً مستقرةً ، وهذا حقي." بقيت تنظر نحوه بغضب، هي ستنفجر من الغضب وهو يتصرف ببرودٍ قاتلٍ كعادته. قالت: "فادي، إذا أردت تأسيس عائلة يوجد الكثير من النساء أفضل مني، أجمل مني وأصغر مني، أرجوك، أرجوك تراجع عن قرارك المجنون هذا أمام عائلتي، اتصل بجدي وقل له أنك كنت تمزح." وبدأ فادي يقترب منها شيئاً فشيئاً بخطواتٍ بطيئة، وهي ترجع للخلف بتوترٍ حتى لم تجد مكاناً. قال وهو يقترب: "ألن يزعجكِ أن أتزوج امرأةً أخرى وأحضرها للبيت؟" ردت بترددٍ وصوتٍ مرتجف: "و... ولما يزعجني؟ هذا شأنك!
هزت سمر رأسها نافيةً ببطء وهي شاردةقالت فيروزة بقلق: "إذاً؟ هل قال ذلك كي ينفذ من إحراج جدكِ فقط ويسايره؟"قالت سمر: "لا أعلم يا أمي، لكن عندما أخبرته أن جدي لا يعرف المزاح وخاصةً في أمور الزواج، نظر إليّ بجديةٍ وقال لي 'لست أمزح' وذهب وتركني واقفة."ابتسمت فيروزة فجأة ونظرت نحو حليمة بفرحٍ كبير وقالت:"إذاً هو جادٌ فيما قاله قبل قليل! يا إلهي، إنه جاد!"نظرت سمر باستغرابٍ لأمها وقالت: "أرى أنكِ سعيدةٌ جداً يا أمي؟"قالت فيروزة: "أجل وكيف لا أكون سعيدة؟ فادي شابٌ رائع، محترم، ناجح، وحنون، لا توجد فتاةٌ في هذا العالم لا تتمناه زوجاً لها، وسيكون أباً رائعاً لسالي وسامي."لكن سمر تغير وجهها فجأة وقالت بجدية:"لكن أمي، أنا لا أريد الزواج."اختفت الابتسامة تدريجياً من وجه فيروزة وقالت بصدمة:"م... ماذا؟! لماذا لا تريدين؟! لماذا تقولين هذا ؟"قالت سمر وصوتها يرتجف: "أمي، لا أريد أن أخوض تجربةً أخرى وتنتهي بالفشل والطلاق والألم مرةً أخرى، تعبت، أريد أن أركز على عملي وشركتي الجديدة وأطفالي فقط، لا أريد رجلاً في حياتي الآن، لا أريد الزواج أبداً."وصعدت لغرفتها بسرعةٍ وأغلقت الباب خلفها بقوة.







