LOGINقال الجد مبتسماً: "العدل أنكم ستبقون هنا أمام عيني، أما هي فستغادرنا."
دمعت عينا سمر وقالت: "حسناً جدي، سأبقى هنا ولن أتزوج." قالت السيدة أنيسة بحنان: "لا يا ابنتي، ستتزوجين بشخص يستحقك ويقدرك ولن يجعلك تحسين بالوحدة أو البعد، وأكيد ستزورين أهلك بصفة متواصلة. أليس كذلك يا حازم؟" تفطن حازم لكلام أمه وأومأ برأسه: "نعم، بالطبع." وبما أن الموضوع فُتح، استغل عبد الحليم الفرصة لطلب يد سمر رسمياً: "أيها الجد، أنت تعلم مسبقاً سبب زيارتنا، أليس كذلك؟" قال الجد: "بالطبع." قال عبد الحليم: "نحن نعتز بأن تكون ابنتكم سمر زوجة لابننا حازم، ولا يمكن أن نجد عائلة بأخلاقكم وكرمكم." قال الجد: "ونحن نتشرف بكم، وأعتز بحفيدي الغالي أن يكون صهراً لي." قال أحد الشباب: "إذن لنشرب نخب هذه المناسبة السعيدة!" وحمل الجميع الكؤوس ثم أخذوا رشفة. لاحظ حازم خجل سمر، فيدها ترتعش على كأسها وكأن ثباتها قد تلاشى. طلب الجد من حازم وسمر الخروج للتحدث في الحديقة بمفردهما. خرج حازم أولاً وتبعته سمر، وعند الباب سمح لها بالعبور قبله. أخذا مكاناً في الحديقة وجلسا. كان حازم يفكر كيف يبدأ الكلام، فلا يعرف ماذا تريد أن تتحدث، وأثناء تفكيره كسر صوت سمر الصمت قائلة: "هل أعجبك المكان؟" "أجل كثيراً، هادئ والخضرة تريح النفس." "تأقلمت بسرعة." "أجل، فلا يوجد أفضل من الطبيعة." ردت سمر مبتسمة. ثم قالت فجأة: "إذن ما هي شروطك سيد حازم؟" تفاجأ من جرأتها، فقالت بكل هدوء: "نحن نعلم أننا سنصبح شريكين، فمن الجيد أن نضع النقاط على الحروف من الآن." أعجبه كونها لا تحب اللف والدوران، لقد أتته من الآخر. أجابها: "ليس لدي شروط، فقط قد أكون كثير الانشغال، أريد أن تعذري ضيق وقتي، لكني بالمقابل سأحرص على وقتك الخاص، لن أهملك." أجابت: "أكيد، فأنا أعرف ما يعنيه رجل أعمال، بالعكس سأدعمك." بقي ينظر إلى ملامحها، رقيقة لكنها قوية، كلماتها قوية رغم نبرتها الهادئة، تجعلك تثق بها كثيراً. "وأنتِ ما هي شروطك يا آنسة سمر؟" "مممم... لا شيء، لكن أتمنى أن لا تزعجك نشاطاتي، فأنا أركب الخيل، أحب التزلج على الجليد، ركوب المظلات..." قاطعها: "يمكنك أن تفعلي أي شيء تريدينه، فقط لا تؤذي نفسك." نظرت إليه بشرود، أحست أن نظراته إليها حنونة وكلامه كان دافئاً، وأحست برعشة في قلبها. بعدما أكملا الحديث عادا للقصر. قالت أنيسة: "تبدو الأمور جيدة." قال حازم: "أكيد، هل لديكِ شك في تعامل ابنك؟" قالت: "لا طبعاً، إذن متى يمكن تحديد موعد الزفاف؟" قالت سمر: "فقط يجب أن أسلم أعمالي في الشركة لأحد من إخوتي، بعدها يمكنني الرحيل... بعد أسبوعين تقريباً." "حسناً." قال الجد: "إذاً الأمور واضحة وسيكون الفرح بعد أسبوعين." انقضى الأسبوع الأول في قصر عائلة محمد شريف، كانت فيروز وأنيسة تقومان بالتحضيرات، وأرادوا أن يكون العرس مشتركاً في فندق بالعاصمة. الرجال كانوا كل يوم يقومون بزيارة مكان في البلدة، أما سمر فكانت منشغلة بإنهاء مهامها في الشركة، وكانت تلتقي حازم كل يوم بعد العشاء يتحدثان قليلاً. في آخر سهرة لهما قبل عودته لبلدته، كانا يتحدثان كالعادة، وعندما حان وقت توديعها أخبرها: "في الأول كنتِ اختيار والديّ، لكن بعد هذا الأسبوع أصبحتِ اختياري أنا." ثم أخرج خاتماً من جيبه وقال: "أتمنى أن تبادليني نفس المشاعر في المستقبل، وسأكون سندك، صديقك، أخاك وشريكك." غمرتها السعادة وهي تسمع هذه الكلمات، خاصة من الشخص الذي ستكمل حياتها معه. قدمت يدها نحوه وهو بدوره ألبسها الخاتم، واقترب منها أكثر حتى أصبحت تحس بأنفاسه الحارة على وجهها. تسمرت في مكانها ولم تستطع أن ترفع وجهها إليه، أحست باقترابه أكثر ثم وضع قبلة دافئة على جبينها وهو يضع يده خلف رأسها وقال لها: "هيا اذهبي إلى النوم، تصبحين على خير." ابتعدت مسرعة وقلبها يدق وتشعر أنه سيخرج من صدرها: "يا إلهي ما هذا الشعور؟!" وهو كان لا يقل عنها توتراً، لو بقيت أكثر لتهور.وصلا كل من فادي وسمر أخيراً إلى جناحهما الخاص في منتجع بالي. كان الجناح أشبه بعالمٍ صغيرٍ منفصلٍ عن الدنيا.كان كبيراً جداً وفاخراً، يتوفر على حوض سباحةٍ خاصٍ في وسطه مياهه فيروزيةٌ صافية تلمع تحت اضواء المكان، محاطٍ بأسّرةٍ بيضاء من القش، وشرفاتٍ خشبيةٍ تطل مباشرةً على المحيط، وغرفةٌ زجاجيةٌ بالكامل، مجهزةٌ بكل شيءٍ قد يحلمان به، روائح الفانيليا والياسمين في كل مكان، وصوت الأمواج يأتي من بعيد.رتبا أمتعتهما بصمتٍ متوتر، ثم سألها فادي بلطفٍ وهو يحاول كسر هذا الحاجز:"هل ترغبين أن ترتاحي قليلاً ثم نخرج، أم تريدين أن نستكشف المكان الآن؟"فكرت سمر قليلاً، قلبها يدق بسرعة، ثم قالت وهي تحاول أن تبدو طبيعية:"لنغير ملابسنا ونخرج، أريد أن أرى المكان."كان المنتجع عبارة عن مدينةٍ سياحيةٍ صغيرةٍ متكاملة، يوجد قطارٌ خشبيٌ صغيرٌ ومكشوف يمر على جميع الأماكن داخل المدينة من أجل أن يتعرف عليها السياح الجدد.سألها فادي: "ما رأيكِ أن نبدأ به حتى نتعرف على المكان كله مرةً واحدة؟"قالت بحماسٍ طفولي نسيت معه توترها: "أجل، فكرة رائعة!"دخلا إلى القطار، جلست سمر أمام النافذة الكبيرة وفادي إلى جانبها قريبا
كان كلاهما يشعر بالتوتر من الآخر، فهما الآن زوج وزوجة أمام الناس والقانون، ولكن في الحقيقة اتفقا أن يتصرفا كصديقين فقط، قال فادي وهو يحاول كسر الجليد، وأخذ منشفته:"سأدخل للحمام لأغير ملابسي، خذي راحتكِ في الغرفة."دخل فادي للحمام وأغلق الباب، بينما اتجهت سمر للخزانة الخشبية الكبيرة من أجل اختيار ثوبٍ مريحٍ لتنام به، لتتفاجأ بأن زوجة عمها وضعت لها فقط ثياب نومٍ قصيرةٍ وجريئةٍ جداً من المستحيل أن ترتديها أمام فادي، خاصةً في أول يوم.احمر وجهها وأسرعت إلى جهة فادي في الدولاب، فوجدت قميصاً أبيض قطنياً واسعاً وشورتاً رياضياً، نزعت فستان الزفاف الثقيل ولبستهما بسرعة.القميص كان يبتلعها تماماً فهو يصل إلى ركبتيها، ثم جلست أمام المرآة تنزع مكياجها وتربط شعرها.تعمد فادي أن يطيل في الحمام حتى لا يحرجها ويعطيها وقتها، بعد دقائق نادى من الداخل: "سمر، هل انتهيتِ؟"قالت: "نعم، تفضل."فخرج وهو يجفف شعره، ليتفاجأ من منظرها، كان القميص الأبيض واسعاً عليها جداً ومظهرها كان طفولياً وبريئاً جداً كطالبةٍ في المدرسة، انفجر من الضحك بصوتٍ عالٍ، فلم يكن ينتظر أن يراها بهذا المنظر بعد فستان الزفاف الفخم.س
عادت سمر إلى المنزل ونامت إلى جانب صغيريها، فقد خف توترها كثيراً بعد حديثها مع حازم في الحديقة وتغيرت وجهة نظرها، زيادة على ذلك فهذا الزواج سيكون شكلياً فقط على الورق من أجل ليزا، رغم أن هذا الأمر يساعدها ويخرجها من إحراج جدها، إلا أنها أحست بوجعٍ صغيرٍ وغريبٍ في صدرها عندما فكرت في الأمر، كغصة.فيبدو أنها بدأت تتعلق بفادي هي أيضاً، في حين هو قد قرر الزواج منها لأجل ليزا فقط، كمعروفٍ إنساني.نفضت الأفكار من رأسها بعنف ثم استسلمت للنوم وهي تقول لنفسها: "إنه زواجٌ شكلي، لا أكثر."بعد يومين، كانت سمر في المطار مع سامي وسالي وسيف، كان بانتظارهم هناك ، رحب بهم بحرارة ثم توجهوا جميعاً نحو مزرعة العائلة الكبيرة كانت التحضيرات على قدمٍ وساق، سيكون الحفل على الهواء الطلق في الحديقة الواسعة، كان فريق الديكور يعمل في الخارج بكل حماس.لاحظت سمر شخصين يقفان مع فريق الديكور ويبدوان مألوفين جداً، تقدمت منهما ببطء لتتفاجأ بأنهما لورا وحازم!بقيت مندهشةً وفاتحةً فمها: "ماذا تفعلان هنا؟!"قال حازم وهو يبتسم بفخر: "اعتبريها هديةً بسيطةً لكِ يا سمر، بمناسبة عقد قرانكِ، أردنا أنا ولورا أن نتكفل نحن بكل ا
ضغطت سمر أكثر على ليزا في حضنها وقالت بصوتٍ مبحوحٍ من الدموع:"وأنا أيضاً أحبكِ كثيراً يا حبيبتي، كثيراً جداً."قال فادي بلطفٍ كي يعطيهما مساحة: "ليزا هيا حبيبتي، يجب أن تغيري ملابسكِ وتغتسلي بعد الرسم، هيا."قالت ليزا وهي لا تزال متعلقة بسمر: "حاضر أبي" وقبلت سمر على خدها بقبلةٍ كبيرة وقالت: "إلى اللقاء يا خالتي، أراكِ قريباً جداً" ثم ركضت إلى الأعلى وهي تقفز فرحاً.قال فادي وهو يقترب خطوةً من سمر وصوته مليءٌ بالاعتذار:"أنا آسف يا سمر، لكن ليزا قلبها مرهف وحساسةٌ جداً، أنا لم أقصد أن أضغط عليكِ بها، أنا فقط..."وقفت سمر فجأة، ودون أن تنظر إلى وجه فادي، حتى لا تضعف، قالت بصوتٍ واضحٍ وثابت:"حسناً، أنا موافقة."ثم خرجت مباشرةً من الباب دون أن تضيف أي كلمةٍ أخرى، تركت فادي واقفاً في الصالة مذهولاً، لا يصدق ما سمع.مر ذلك اليوم ثقيلاً جداً على سمر، كان قلبها يتصارع بين عقلها وقلبها.عندما حل الليل، لم تستطع النوم، دعت طفليها سالي وسامي ليناما معها في غرفتها، كعادتها القديمة عندما تكون قلقة.أرادت أن تمهد لهما الأمر بلطف، فسألتهما وهي تلعب بشعرهما:"أخبراني، هل تحبان قضاء الوقت مع ليزا؟"
رأت سمر فادي يقترب من خلف الباب الزجاجي الكبير لمدخل بيته، فتح لها الباب بهدوء، فدخلت بغضبٍ وعيناها تقدحان شرراً، قبل أن تبدأ الكلام سألته بسرعة: "أين ليزا؟!" قال ببرودٍ وهو يغلق الباب: "إنها في دروس الرسم ستعود بعد قليل قالت: "جيد." وبدأت تتحدث بانفعالٍ شديدٍ وصوتٍ عالٍ: "ما الذي تفعله يا فادي؟ هل تظن أن جدي يمزح؟ هل تظن أن موضوع الزواج هذا لعبةٌ تلعب بها؟ كيف تقول له أنك ستأتي لتطلب يدي وأنت لم تسألني حتى؟" أجاب ببرودٍ مستفز وهو يضع يديه في جيبيه: "لا، أنا لا أمزح، أنا فقط أريد أن أستقر اجتماعياً، أريد عائلةً مستقرةً ، وهذا حقي." بقيت تنظر نحوه بغضب، هي ستنفجر من الغضب وهو يتصرف ببرودٍ قاتلٍ كعادته. قالت: "فادي، إذا أردت تأسيس عائلة يوجد الكثير من النساء أفضل مني، أجمل مني وأصغر مني، أرجوك، أرجوك تراجع عن قرارك المجنون هذا أمام عائلتي، اتصل بجدي وقل له أنك كنت تمزح." وبدأ فادي يقترب منها شيئاً فشيئاً بخطواتٍ بطيئة، وهي ترجع للخلف بتوترٍ حتى لم تجد مكاناً. قال وهو يقترب: "ألن يزعجكِ أن أتزوج امرأةً أخرى وأحضرها للبيت؟" ردت بترددٍ وصوتٍ مرتجف: "و... ولما يزعجني؟ هذا شأنك!
هزت سمر رأسها نافيةً ببطء وهي شاردةقالت فيروزة بقلق: "إذاً؟ هل قال ذلك كي ينفذ من إحراج جدكِ فقط ويسايره؟"قالت سمر: "لا أعلم يا أمي، لكن عندما أخبرته أن جدي لا يعرف المزاح وخاصةً في أمور الزواج، نظر إليّ بجديةٍ وقال لي 'لست أمزح' وذهب وتركني واقفة."ابتسمت فيروزة فجأة ونظرت نحو حليمة بفرحٍ كبير وقالت:"إذاً هو جادٌ فيما قاله قبل قليل! يا إلهي، إنه جاد!"نظرت سمر باستغرابٍ لأمها وقالت: "أرى أنكِ سعيدةٌ جداً يا أمي؟"قالت فيروزة: "أجل وكيف لا أكون سعيدة؟ فادي شابٌ رائع، محترم، ناجح، وحنون، لا توجد فتاةٌ في هذا العالم لا تتمناه زوجاً لها، وسيكون أباً رائعاً لسالي وسامي."لكن سمر تغير وجهها فجأة وقالت بجدية:"لكن أمي، أنا لا أريد الزواج."اختفت الابتسامة تدريجياً من وجه فيروزة وقالت بصدمة:"م... ماذا؟! لماذا لا تريدين؟! لماذا تقولين هذا ؟"قالت سمر وصوتها يرتجف: "أمي، لا أريد أن أخوض تجربةً أخرى وتنتهي بالفشل والطلاق والألم مرةً أخرى، تعبت، أريد أن أركز على عملي وشركتي الجديدة وأطفالي فقط، لا أريد رجلاً في حياتي الآن، لا أريد الزواج أبداً."وصعدت لغرفتها بسرعةٍ وأغلقت الباب خلفها بقوة.







