بيت / التشويق / الإثارة / مارفيل / عيون في عتمة الزقاق

مشاركة

عيون في عتمة الزقاق

مؤلف: كاتب
last update تاريخ النشر: 2026-07-16 02:35:52

لم تكن شمس الشتاء الدافئة التي أشرقت على القاهرة في أواخر عام 1937 تحمل الدفء المعتاد؛ بل كانت تجلب معها برودة غامضة ملأت أركان المحروسة بالترقب. في قصر العيني، كان الدكتور أحمد فاروق مغربي يؤدي عمله الرسمي ببراعة أذهلت رؤساءه من الأطباء الإنجليز والمصريين على حد سواء. كان يرتدي معطفه الأبيض الناصع، ويبتسم للمرضى الفقراء، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً؛ كان هناك، خلف الجدران السميكة لقبو قصر عابدين، وفوق السطوح العتيقة بالجمالية.

لقد تناهى إلى مسامعه، من خلال همسات الممرضين وأروقة المشفى، أن القائد العام لقوات الاحتلال البريطاني في مصر قد جن جنونه. كيف لجنود وضباط إنجليز أن يختفوا في عتمة الليل، وكيف للجرحى من الفدائيين المصريين ألا يتركوا أثراً في أي مستشفى حكومي أو خاص؟ لقد أدرك الإنجليز أخيراً أن هناك "شبكة إنقاذ" سرية، عصبها طبيب عبقري يداوي جراح أعدائهم في الخفاء.

الزائر المريب في قهوة الفيشاوي

في عشيّة يوم خميس غائم، كان أحمد عائداً إلى الحارة والتعاب يرتسم على ملامحه. قبل أن يخطو خطواته الأولى نحو السلالم السبعة، استوقفه مشهد غير مألوف.

عند القهوة العتيقة، كان هناك رجل غريب يرتدي طربوشاً مائلاً ومعطفاً أسود فاخراً، يجلس واضعاً رجلاً فوق رجل، ويتبادل أطراف الحديث مع العم سامي. لم يكن الرجل من أهل الحي؛ فنظراته الحادة كانت تمسح المارة، ويداه تبحثان في تفاصيل الزقاق كأنه يرسم خريطة في ذهنه. كان هذا "يوسف أفندي الشناوي"، أحد أمهر مخبري البوليس السياسي المتعاونين مع الاستخبارات البريطانية.

تظاهر أحمد بالهدوء، وعدّل من وضع نظارته الطبية، وتقدم ببطء. لمحه العم سامي، فتنحنح بصوت جهوري مألوف، معطياً الإشارة المتفق عليها للحي بأكمله:

"يا مرحب بدكتور الحارة.. أهلاً بالدكتور أحمد! كيف حال المرضى اليوم في قصر العيني؟"

التفت يوسف أفندي ببطء، وتفرّس في وجه أحمد بابتسامة صفراء لا تصل إلى عينيه:

"أنت إذاً الدكتور أحمد فاروق؟ الأول على الدفعة الأخيرة.. غريب جداً يا دكتور! طبيب نابغة مثلك، تفتح له عيادات جاردن سيتي والزمالك أبوابها، ويرفضها ليبقى في غرفة فوق السطوح؟ أليس هذا هدراً للموهبة.. أم أن في السطوح ما هو أثمن من عيادات الأثرياء؟"

أجاب أحمد بثبات وثقة، مبرزاً لهجته الصعيدية الهادئة التي يخفي خلفها دهاءً كبيراً:

"أهلاً بك يا أفندي. أهل الجمالية هم أهلي، ومنهم تعلمت أن قيمة الطبيب ليست في فخامة عيادته، بل في تخفيف آلام من لا يملكون ثمن الدواء. ثم إن هواء السطوح نقيّ، يساعدني على المذاكرة والبحث."

ضحك المخبر ضحكة باردة، وقام واقفاً، ثم اقترب من أحمد وهمس بصوت منخفض:

"هواء نقي فعلاً.. لكن احذر يا دكتور، فالرياح هذه الأيام عاتية، وقد تطير باللوحات الخشبية المعلقة على الأبواب.. خصوصاً تلك التي تحمل أسماء غريبة مثل مارفل."

انصرف يوسف أفندي تاركاً وراءه غيمة من الشك والتوتر. نظر العم سامي إلى أحمد بقلق وقال بصوت خافت: "الذئب يشم رائحة الدم يا دكتور.. لقد جاء يسأل عن الشاب المصاب الذي دخل الحارة ليلة أول أمس. الحارة صامتة كالقبر، لكن العيون البريطانية بدأت تحوم حولنا."

الليلة الطويلة: الجراحة تحت الحصار

لم يكد أحمد يلتقط أنفاسه في غرفته حتى طرق الباب بعنف ثلاث طرقات متتالية، ثم طرقتين؛ إنها شفرة الباشمهندس عاصم.

فتح أحمد الباب ليجد عاصم باشا شاحب الوجه، يرتدي ملابس عامة الشعب للتمويه، ومعه اثنان من الفدائيين يحملون جسداً شبه ميت. كان المصاب هذه المرة هو "النقيب محمود"، أحد الضباط الأحرار المقربين لعاصم، والذي أصيب برصاصة مستقرة في جدار الشريان الأورطي أثناء عملية نوعية لمصادرة شحنة أسلحة إنجليزية بضواحي العباسية.

قال عاصم والدموع تحتبس في عينيه:

"أحمد.. محمود يموت. الإنجليز يقلبون القاهرة رأساً على عقب، وقد رأيت دوريات عسكرية تتجه نحو باب الخلق.. إنهم يقتربون من الجمالية. لا يمكننا نقله لأي مكان آخر. أنت أملنا الأخير."

نظر أحمد إلى حالة الضابط؛ النبض ضعيف للغاية، والنزيف الداخلي يهدد حياته في كل ثانية. لم يكن هناك وقت للخوف أو التردد.

أمر أحمد فوراً:

الست أم أمينة: تقوم بغلي كميات ضخمة من الماء وتجهيز ملاءات نظيفة.

الخطاط مفتي: يقف عند أول السلم لمراقبة الحركة، وفي حال اقتراب أي قوة، يشعل النيران في كومة قش أسفل السطوح كإنذار.

العم سامي: يجمع رجال القهوة لتعطيل أي دورية قد تدخل الزقاق بحجة حدوث "شجار عائلي" أو "زفة فرح" وهمية.

شمر "مارفل" عن ساعديه، وبدأت أصابعه الذهبية تعزف سيمفونية الموت والحياة. تحت الضوء الخافت للمبة الجاز، وبأدواته البسيطة المعقمة بالسبيرتو، شق الصدر بحذر شديد. كانت الرصاصة تكاد تمزق الشريان الرئيسي، وأي حركة خاطئة بمقدار مليمتر واحد تعني الوفاة الفورية.

كان العرق يتصبب من جبين أحمد، بينما كانت الست أم أمينة تمسحه بقطعة قماش مبللة وهي تتمتم بالدعاء والقرآن. في هذه الأثناء، تردد في الأفق صوت صفارات الإنذار البريطانية، وبدأت أصوات جزم الجنود الخشنة تقترب من أطراف الزقاق.

شجاعة الحارة ودهاء "مارفل"

تعالت الأصوات في الأسفل. لقد وصلت دورية بريطانية يقودها ضابط إنجليزي برفقة المخبر يوسف أفندي الشناوي.

في الأعلى، كانت يد أحمد ثابتة كالصخر رغم الضوضاء في الأسفل. كان يمسك بالإبرة الطبية، ويقوم بترقيع جدار الشريان بمهارة فائقة وسرعة لا تصدق. قال لنفسه: "لن يموت على سريري.. ليس الليلة."

في الأسفل، وقف العم سامي والعم محمود الخياط ورجال الجمالية كحائط سد أمام الجنود. صاح الضابط الإنجليزي باللغة العربية الركيكة مطالباً بتفتيش السطوح بحثاً عن "فدائيين هاربين". تقدم العم سامي بوقار وثقة متناهية وقال:

"يا خواجة، البيوت لها حرمة.. وليس عندنا هنا سوى حريمنا وأطفالنا، ودكتور الحارة الشاب الذي يعالج امرأة عجوز تموت في الأعلى. هل يرضى ملك بريطانيا العظيم أن تروعوا النساء والوفيات؟"

حاول يوسف أفندي دفع العم سامي قائلاً: "تنحَّ جانباً يا عجوز، نحن نعلم أن الطبيب يخفي أشباحاً هنا!"

في تلك اللحظة الحرجة، تعالت صرخات وعويل نساء الحارة من السطوح المجاورة، حيث قامت الست أم أمينة بالاتفاق مع جاراتها بتمثيل "جنازة" وصراخ على مريض يحتضر، مما أربك الجنود الإنجليز الذين يخشون دائماً ثوران الأحياء الشعبية بسبب انتهاك الأعراض والحرمات.

تردد الضابط الإنجليزي، ونظر إلى الحشود الغاضبة التي بدأت تتجمع من كل زقاق يحملون العصي وهتافاتهم الصامتة بوعيد شديد، فأمر جنوده بالتراجع مؤقتاً لتجنب معركة غير محسوبة في أزقة الجمالية الضيقة.

النبوءة تقترب

في غرفته العلوية، كان أحمد يضع الغرزة الأخيرة في صدر النقيب محمود. تنهد بعمق وهو يستمع إلى نبضات قلب الضابط الشاب وهي تعود إلى إيقاعها الطبيعي والمنتظم. لقد نجت الروح، ونجت الحارة، ونجت المقاومة.

سند أحمد ظهره إلى الحائط الملطخ بالدماء والماء، ونظر من النافذة الصغيرة إلى الجنود الإنجليز وهم ينسحبون في عتمة الليل الفجرية.

صعد الباشمهندس عاصم مسرعاً، وعندما رأى استقرار حالة رفيقه، انحنى وقبّل رأس أحمد وقال بنبرة تخنقها العبرات:

"يا أحمد.. أنت لم تعد طبيباً فحسب. أنت جندينا المجهول الذي لا يرتدي بزّة عسكرية، لكن مشرطك أقوى من مدافعهم."

ومع خيوط الفجر الأولى لعام 1938، نزل أحمد إلى الشارع ليستنشق الهواء النقي. وجد العم سامي يمسح زجاج نظارته السميكة بابتسامة نصر هادئة. نظر العجوز إلى اللوحة الخشبية "مارفل" التي كادت الرياح تقتلعها الليلة الماضية، ثم قال لأحمد:

"أرأيت يا بني؟ الرياح هزت اللوحة.. لكنها ثبتت في الجدار. والآن، لم يعد الإنجليز يبحثون عن أشباح.. لقد باتوا يعلمون أن للأشباح درعاً بشرياً اسمه الجمالية، وقائداً اسمه مارفل."

ابتسم أحمد، وشعر بنبضات وطنه تدق في عروقه معلنةً أن المعركة الكبرى لم تبدأ بعد، وأن القادم سيكون أشد ضراوة ،

بعد تلك الليلة العصيبة التي حبست أنفاس الزقاق، تلاشت غيوم الخوف لتفسر عن نهار دافئ، وتتحول عتمة القلق إلى أمسية قاهرية طيبة تفوح منها رائحة الألفة والنصر الصامت.

​فوق السطوح، وفي غرفة أحمد العلوية، كان النقيب محمود يغط في نوم عميق وآمن، بينما كان الباشمهندس عاصم يجلس على المقعد الخشبي وعيناه تلمعان بالارتياح. ولم يكن يكتمل هذا الأمان دون "الست أم أمينة"، التي قررت أن تداوي خوف الليلة الماضية على طريقتها المصرية الأصيلة.

​نزلت الست أم أمينة سحراً إلى السوق، وتوجهت رأساً إلى دكان "العم عرفة الجزار". والعم عرفة لم يكن مجرد جزار عابر في الجمالية؛ بل كان رجلاً ذو معدن نفيس، صعيدياً سميراً هاجر من أقصى أسوان ليحط رحاله في قلب القاهرة. كان يشتهر بأمانته وبشاشة وجهه، وبعلاقته الخاصة بأهل الحي؛ فهو يعلم من منهم يملك الثمن ومن لا يملك، ولا يرد سائلاً قط.

​اشترت منه الست أم أمينة قطعاً من اللحم الطازج المقطع بعناية، وكالعادة، لفها العم عرفة في ورق الجرائد القديمة، وهو يهمس لها بابتسامه جنوبية طيبة:

​"هذا الطبيب الشاب 'أحمد' ولدنا، ويرفع رأس الصعيد كله.. اجعليه يتقوّى يا ست أم أمينة، فالحِمل الثقيل يحتاج إلى عصب قوي."

 

​عادت الست أم أمينة إلى السطوح، وشمرت عن ساعديها تبث في المكان دفء الأمهات. وضعت القدر النحاسي فوق موقد الجاز الصغير، وبدأت تطبخ لهم اللحم الطازج مع المرق الغني بالبهارات وحبات الحبهان. سرعان ما انتشرت الرائحة الذكية في أرجاء السطوح، لتطرد تماماً رائحة السبيرتو والدم وخوف الليلة الفائتة.

​جلس أحمد وعاصم باشا يراقبانها بامتنان كبير. سحبت الست أم أمينة طبقاً كبيراً، ووضعت فيه قطع اللحم الناضجة مع خبز "الملتوت" الساخن، وقدمته لهما قائلة:

​"كُل يا باشمهندس.. كُل يا دكتور أحمد. لولا الله ثم أنتم لما تنفسنا الصباح اليوم. هذا لحم طازج من يد العم عرفة، بركة أسوان في حارتنا."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • مارفيل    نهاية الرحلة

    مرّ قطار العمر سريعاً كطيف خاطف، وعصفت بالبلاد رياح التغيير العاتية حتى انقضت اثنا عشر عاماً كاملة من الصبر والنضال. اثنا عشر عاماً تبدلت فيها ملامح المحروسة؛ فسقطت عروش، وارتفعت رايات، حتى أشرق الفجر الجديد وجلا آخر جندي بريطاني عن أرض مصر.لكن ضريبة الحرية كانت غالية، وجسد الجمالية القديم طوى من صفحاته أوفى القلوب؛ فقد ترحل العم سامي المثقف عن جواده، ورحل هادئاً وهو يمسك بجريدته الأخيرة، تاركاً كرسيه الخشبي العتيق عند ناصية القهوة يغلفه الصمت. ولم تمضِ شهور حتى لحق به رفيق دربه العم محمود الخياط، الذي قضى عقوده الأخيرة يغزل بخيوطه دروع المقاومة ويكفن جراح الفدائيين بأقمشته الطاهرة.شعر الدكتور أحمد فاروق مغربي أن جدار الحارة الحصين الذي كان يحميه قد تداعى، وأن جيل التأسيس قد سلّم الأمانة ورحل. ومع انتهاء عهد المقاومة السرية وجلاء المحتل، رفض أحمد المناصب الرنانة في العاصمة، وقرر أن يبدأ فصلاً جديداً يتسق مع روحه الزاهدة؛ فعُيّن طبيباً جراحاً عاماً في إحدى المستشفيات الحكومية بالريف المصري الساحر، حيث الحقول الخضراء الممتدة تحت عين الشمس، والمياه الجارية في الترع التي تعكس صفاء قلوب

  • مارفيل    لعنة إسماعيل بك الراوي".

    مسح أحمد كشافه اليدوي برفق، وظل جاثياً على ركبتيه يتأمل تلك الآثار في الطين. ورغم محاولاته المستمرة لإخضاع كل شيء لمنطق المشرط والعلم، إلا أن الكلمة التي همس بها فكري البقال في الصباح عادت لتطن في أذنيه بقوة، كأنها نذير شؤم يتردد صداه مع حفيف القصب: "لعنة إسماعيل بك الراوي".لم تكن "اللعنة" في قاموس دكتور أحمد تعويذة سحرية تُلقى في الهواء، بل كانت أثراً ملموساً لشرّ صُنع بأيدي البشر وظل حياً يتنفس في الخفاءأمسك أحمد بكتلة الحجر الكبيرة التي لاحظ تخلخل الطين حولها. وبقوة ذراعيه، دفعها جانباً ليتصاعد من خلفها صوت احتكاك خشن، كاشفاً عن فجوة مظلمة تمتد عميقاً أسفل جدار البيت المهجور.وجه أحمد شعاع كشافه اليدوي إلى داخل الفجوة. لم تكن مجرد حفرة في الأرض، بل كانت بداية سلم حجري ضيق وهابط، تفوح منه رائحة الرطوبة العفنة، مع خليط غريب ومنفر من روائح كيميائية قديمة تشبه الكبريت والكلوروفورم المحترق.وقبل أن يخطو خطوة واحدة للداخل، انبعث من أعماق ذلك السرداب المظلم صوت آهة خافتة.. لكنها هذه المرة كانت واضحة وقريبة للغاية. لم تكن آهة شبح، بل كانت تنهيدة ألم بشرية حقيقية، تلاها صوت خشخشة خفيفة لس

  • مارفيل    كشف اللغز

    في الصباح الباكر، كانت خيوط الشمس الذهبية تداعب أوراق شجر الجميز، وتغسل الحقول من رهبة الليل الغامض. تبخر الخوف المكتوم تدريجياً مع حركة الفلاحين الجياد وصياح الديكة، لكن الفضول ظل ينهش عقلك نهشاً.حملت خطواتك نحو دكان العم فكري البقال؛ ذلك الرجل العجوز الذي طبعت الأيام تجاعيدها على وجهه، والذي يعيش في هذا الريف منذ ما يزيد عن نصف قرن، يعرف شجرها وحجرها، وكل شاردة وواردة فيها.وقفت عنده تشتري بعض حاجيات الصباح، وبنبرة حاولت أن تجعلها عادية، بادرت بفتح الموضوع:"صباح الخير يا عم فكري.. أقول لك، ألا تسمع أحياناً أصواتاً غريبة بالليل؟ آهات تأتي من جهة الحقول خلف الترعة؟"توقفت يد العم فكري التي كانت تزن السكر. نظر إليك ببطء، وتراجعت البسمة عن وجهه الصبوح لتتحول إلى نظرة قلق حذرة. التفت حوله ليتأكد من خلو الدكان من الزبائن، ثم انحنى فوق الطاولة الخشبية وقال بصوت هامس يرتجف قليلاً:"يا بني.. كنت أظنك تنام ملء جفنيك كباقي الغرباء. لكن يبدو أن أذنك التقطت لعنة ذلك المكان."على بعد خمسمائة متر من غرفتك، بعد أن تعبر الجسر الخشبي الصغير فوق الترعة، يقبع هناك منزل قديم من الطوب الأحمر المهجور، ت

  • مارفيل    طبيب الريف

    مرّ قطار العمر سريعاً كطيف خاطف، وعصفت بالبلاد رياح التغيير العاتية حتى انقضت اثنا عشر عاماً من النضال والصبر. اثنا عشر عاماً تبدلت فيها ملامح المحروسة؛ فسقطت عروش، وارتفعت رايات، حتى أشرق الفجر الجديد وانطوت صفحة الاحتلال البريطاني، ليرحل آخر جنودهم عن أرض مصر وتتحقق نبوءة الأحرار.لكن ضريبة الحرية كانت غالية، وجسد الجمالية القديم أخذته السنون وطوت من صفحاته أوفى القلوب ،في غمرة الفرحة بالجلاء، عاشت الحارة حزناً نبيلاً وهي تودع شيوخها.ترجل العم سامي المثقف عن جواده، ورحل هادئاً وهو يمسك بجريدته الأخيرة، تاركاً خلفه كرسيه الخشبي العتيق عند ناصية القهوة، ونظارته السميكة التي رأى بها ما لم يره الآخرون. مات العم سامي وفي عينيه بريق النصر، بعد أن اطمأن أن السفينة التي تنبأ بها يوماً قد عبرت بالفعل بحر الحارة لتمخر عباب الوطن الأكبر.ولم تمضِ شهور حتى لحق به رفيق دربه العم محمود الخياط؛ ذلك الرجل الطيب الذي قضى عقوده الأخيرة يغزل بخيوطه دروع المقاومة ويكفن جراح الفدائيين بأقمشته الطاهرة. صعدت روحه إلى بارئها وأصابعه لا تزال تحمل أثر الإبرة، تاركاً مقصه العتيق معلقاً في مشغله كأثر من عهد

  • مارفيل    ورق الجرائد.. رسائل غير مقصودة

    بينما كان أحمد يتناول طعامه بشهية افتقدها منذ أيام، وقعت عيناه على ورقة الجريدة التي كانت تلف اللحم، والتي بُسطت على الطاولة الخشبية كـ "مفرش" مؤقت. كانت بقع الدهن قد أصابت أجزاءً منها، لكن العناوين كانت واضحة تماماً.كانت الورقة جزءاً من جريدة قديمة تتحدث عن تحركات الجيش البريطاني في منطقة القناة، وفي أسفل الصفحة، وجد أحمد خطاً أحمر صغيراً مكتوباً بالقلم الرصاص تحت أسماء بعض الضباط الإنجليز. التفت أحمد إلى عاصم باشا وعرض عليه الورقة خلسة.ابتسم عاصم باشا دليلاً على دهاء ومكر المقاومة وقال بصوت خافت:"العم عرفة ليس مجرد جزار يا أحمد.. ورق الجرائد الذي يلف به اللحم يمر على الكثير من معسكرات الإنجليز في العباسية بحكم توريده للحوم هناك. إنه يرسل لنا معلومات مغلفة برائحة الطيب والمعدن الأصيل."تحولت تلك الأمسية إلى واحدة من أطيب الأماسي في تاريخ الحارة؛ حيث امتزجت طعامة اللحم الطازج، ببركة الجنوب، ووعي أهل المحروسة الذين باتوا يغزلون خيوط الثورة ضد المحتل من وراء لفة جزار وطبخة أم على سطوح الجمالية. ومع هبوط الليل، نامت الحارة هادئة، وهي تعلم أن "مارفل" ورجاله يتناولون عشاءهم في حمايتها

  • مارفيل    عيون في عتمة الزقاق

    لم تكن شمس الشتاء الدافئة التي أشرقت على القاهرة في أواخر عام 1937 تحمل الدفء المعتاد؛ بل كانت تجلب معها برودة غامضة ملأت أركان المحروسة بالترقب. في قصر العيني، كان الدكتور أحمد فاروق مغربي يؤدي عمله الرسمي ببراعة أذهلت رؤساءه من الأطباء الإنجليز والمصريين على حد سواء. كان يرتدي معطفه الأبيض الناصع، ويبتسم للمرضى الفقراء، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً؛ كان هناك، خلف الجدران السميكة لقبو قصر عابدين، وفوق السطوح العتيقة بالجمالية.لقد تناهى إلى مسامعه، من خلال همسات الممرضين وأروقة المشفى، أن القائد العام لقوات الاحتلال البريطاني في مصر قد جن جنونه. كيف لجنود وضباط إنجليز أن يختفوا في عتمة الليل، وكيف للجرحى من الفدائيين المصريين ألا يتركوا أثراً في أي مستشفى حكومي أو خاص؟ لقد أدرك الإنجليز أخيراً أن هناك "شبكة إنقاذ" سرية، عصبها طبيب عبقري يداوي جراح أعدائهم في الخفاء.الزائر المريب في قهوة الفيشاويفي عشيّة يوم خميس غائم، كان أحمد عائداً إلى الحارة والتعاب يرتسم على ملامحه. قبل أن يخطو خطواته الأولى نحو السلالم السبعة، استوقفه مشهد غير مألوف.عند القهوة العتيقة، كان هناك رجل غريب ير

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status