Masukأخذت ليفيا نفسًا عميقًا وهي تغادر الغرفة بعد أن انتهت من تبديل ملابسها.ورغم أنها كانت ترتدي فستانًا أنيقًا وبسيطًا، إلا أن ثقتها بنفسها اختفت تمامًا منذ تلك اللحظة التي فُتح فيها الباب دون سابق إنذار.كلما تذكرت نظرة أدريان الهادئة وكلماته بعد ذلك، شعرت بحرارة تصعد إلى وجنتيها من جديد.هزت رأسها بقوة.“اهدئي… إنه مجرد عشاء.”لكنها لم تكن مقتنعة حتى هي بكلماتهاما إن دخلت غرفة الطعام حتى رحبت بها إليانور بابتسامتها المعتادة.“تعالي يا عزيزتي، كنا بانتظارك.”ابتسمت ليفيا وجلست في المقعد الفارغ، تحاول إشغال نفسها بترتيب أدوات المائدة.بعد ثوانٍ قليلة، دخل أدريان.رفع رأسه، فوقعت عيناه عليها للحظة خاطفة.وفي اللحظة نفسها، أنزلت ليفيا بصرها سريعًا.لاحظ ذلك… لكنه لم يعلّق.اتجه بهدوء نحو المقعد المجاور لها وجلس وكأن الأمر طبيعي تمامًا.أما هي، فازدادت توترًا.بدأت الخادمة بتقديم الطعام، وبينما كانت تحاول ملء كأسها بالماء، مد أدريان يده وأخذ الإبريق منها دون كلمة.ملأ الكأس ووضعه أمامها.همست بخفوت:“شكرًا.”اكتفى بإيماءة بسيطة.لكن إيثان، الذي كان يراقب كل شيء، ابتسم بمكر.“يبدو أن الرحلة
أغلقت ليفيا باب الغرفة خلفها وهي تزفر براحة. “أخيرًا…” ألقت حقيبتها على المقعد، واتجهت نحو الخزانة تبحث عما ترتديه على العشاء. ظنت أن أدريان لا يزال في الأسفل مع إيثان والدته، لذلك لم تستعجل وتخلصت من طبقة ملابسها الخارجية بارتياح. وفي اللحظة التي التفتت فيها… انفتح الباب فجأة. تجمدت في مكانها وعيناها متسعتان من الصدمة وهي تراه يقف على العتبة. رمش أدريان ببطء، وتسمر مكانه للحظة؛ لم تتحرك ملامحه بابتسامات عابثة أو كلمات مستفزة، بل استقرت عيناه عليها بذهول تام ونظرة عميقة ومباشرة التهمت كل تفصيلة فيها بصمت مطبق. شهقت بخفة، وتلفتت بذعر محاولة إيجاد أي شيء تستر به نفسها، وصوتها يرتجف: “أدريان!” دخل بخطوات هادئة وأغلق الباب خلفه، لكنه لم يتحرك بعيدًا؛ بل واصل التقترب منها ببطء، وعيناه المعتمتان لا تفارقان جسدها أبدًا وكأنه عاجز عن سحب ناظريه عنها. اقترب لدرجة جعلت أنفاسها تختلط بأنفاسه، بينما بقيت هي محاصرة بينه وبين الخزانة، ووجهها يشتعل خجلًا. همست بصوت مقطوع وارتباك شديد: “أ… أدريان، ابتعد! كنت أظنك في الأسفل، وتخيل… تخيل لو أن إيثان كان يقف خلفك وفتح الباب في هذه اللحظة؟!” ت
توقف إيثان في منتصف ممر الحافلة وهو يحمل زجاجتي ماء وكيسًا من المخبوزات. تنقل بصره بين أخيه وليفيا أكثر من مرة، ثم اتسعت ابتسامته. “حسنًا…” “سأعتبر أنني لم أرَ شيئًا.” لم تستطع ليفيا حتى رفع رأسها. أما أدريان… فاكتفى بنظرة واحدة نحوه. لم تكن حادة، لكنها حملت تحذيرًا واضحًا. اختفت ابتسامة إيثان في الحال، فرفع يديه باستسلام. “حسنًا… فهمت.” “صامت تمامًا.” استدار وهو يضحك بخفوت، ثم نزل من الحافلة وكأنه لم يشاهد شيئًا. زفرت ليفيا بارتباك، وأعادت خصلة من شعرها خلف أذنها وهي تحاول استعادة هدوئها. أما أدريان، فلم يبعد عينيه عنها. قال بهدوء: “ما زلتِ لا تستطيعين النظر إلي.” ابتلعت ريقها. “ليس الآن.” ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة. “إذن… سأنتظر.” ارتبكت أكثر، وأشاحت بنظرها بسرعة. في الخارج… لمح إيثان أفراد العائلة يهمّون بالعودة إلى الحافلة. نظر إلى الباب، ثم إلى أخيه في الداخل، قبل أن يبتسم بمكر. لو دخل الجميع الآن… فلن تنجو ليفيا من الإحراج. رفع صوته فجأة: “عمي جورج!” التفت جورج إليه. “أعتقد أن السائق يسألك عن الطريق المؤدي إلى الطريق السريع.” قطب جورج حاجبيه. “
عاد الجميع إلى الحافلة بعد انتهاء الاستراحة، وما إن جلس كلٌ في مكانه حتى عادت الحافلة تشق طريقها نحو المدينة. في البداية، امتلأت الأجواء بالأحاديث والضحكات؛ كان إيثان يروي موقفًا طريفًا جعل والدته تضحك أكثر من مرة، بينما انشغل جورج ووالد أدريان في حديث طويل. أما مينا، فكانت تحاول بين الحين والآخر إشراك أدريان في الحديث، لكنه اكتفى بإجابات قصيرة قبل أن يعود إلى صمته المعتاد.جلست ليفيا إلى جواره، وأسندت رأسها إلى النافذة، تتابع الطريق بعينين شاردتين. لم تلتفت إليه ولو مرة واحدة، ولم تسأله عن شيء، حتى عندما كان يجيبها أحد أفراد العائلة، كانت تكتفي بابتسامة هادئة ثم تعود إلى صمتها.لاحظ أدريان ذلك منذ الدقائق الأولى.كانت طبيعية مع الجميع…إلا معه.لم يكن صمتها يشبه صمتها المعتاد، بل كان أشبه بمسافة وضعتها بينهما دون أن تنطق بكلمة.لم يحاول أن يجبرها على الحديث.لكنه لم يتوقف عن مراقبتها.⸻بعد قرابة ساعة، خففت الحافلة سرعتها، ثم أعلن السائق:“سنتوقف عشر دقائق قبل دخول المدينة.”بدأ الجميع بالنهوض. تمدد إيثان وهو يضحك:“أخيرًا… أشعر أن ظهري لم يعد ملكي.”ضحكت والدته وهي تنزل، واتجه جورج
توقفت الحافلة أخيرًا أمام محطة استراحة هادئة. ما إن فتح السائق الباب، حتى بدأ الجميع بالنزول واحدًا تلو الآخر. تمدد الرجال وهم يتنفسون الهواء النقي، بينما اتجهت السيدات نحو المقهى الصغير المجاور. أما ليفيا… فبقيت جالسة لثوانٍ. كانت ساقها تؤلمها قليلًا بعد ساعات طويلة من الجلوس. وضعت يدها على المقعد أمامها محاولة الوقوف. وقبل أن تتمكن من ذلك… وقف أدريان أمامها. لم يقل شيئًا. بل مد يده إليها بهدوء. نظرت إلى يده للحظة، ثم وضعت يدها داخل كفه. ساعدها على النزول ببطء حتى وصلت إلى الأرض بأمان. وقبل أن يترك يدها قال بصوت منخفض: “لا تضغطي على قدمك كثيرًا.” أومأت بابتسامة خفيفة. “سأحاول.” في الجهة الأخرى… كانت مينا تراقبهما بصمت. اقتربت من أدريان وهي تبتسم. “أتذكر هذه المحطة؟” التفت إليها. “مررنا بها ونحن صغار.” ضحكت بخفة. “كنت تسبقني دائمًا إلى آلة القهوة، ثم تعود بكوب الشوكولاتة الساخنة قبل أن أصل.” سكتت لحظة وهي تنظر إليه. “حتى عندما كبرنا… لم تنسَ ذلك.” كانت تتحدث وكأنها وحدها الموجودة. وكأن ليفيا لم تكن تقف على بعد خطوات. شعرت ليفيا بانقباض خفيف في صدرها. مرة
عاد الهدوء إلى الحافلة بعدما انتهت موجة الضحكات. انشغل الكبار بأحاديثهم من جديد، بينما تمددت أشعة الشمس عبر النوافذ، لترسم خطوطًا ذهبية على أرضية الحافلة. أما ليفيا… فلم تعد تسمع شيئًا. كانت تحدق عبر النافذة، لكن عينيها لم تكونا تريان الطريق. كانت ترى… طفلًا لم تعرفه يومًا. طفلًا اسمه أدريان. ذلك الطفل الذي وصفته مينا قبل قليل. الطفل الذي كان يركض خلفها في الحديقة. يضحك معها. يحملها على ظهره. ويصر على إعادة اللعبة إن خسر. ابتسمت بمرارة. “إذن… كنت تبتسم هكذا.” “كنت تعرف كيف تضحك.” “كنت تعرف كيف تكون قريبًا من شخص.” خفضت رأسها قليلًا. وشعرت بشيء يضغط على قلبها ببطء. لم تكن تغار من مينا… بل كانت تغار… من تلك السنوات. من الذكريات التي امتلكتها معه. من نسخة أدريان التي لم تحصل هي حتى على فرصة لرؤيتها. منذ أن دخل حياتها… كان دائمًا الرجل نفسه. هادئًا. رزينًا. مهذبًا. لكنه بعيد. بعيد إلى درجة أنها كانت تخشى أحيانًا أن تمد يدها نحوه. أما مينا… فكانت تتحدث عنه وكأنه صديق طفولتها. وكأنها تعرف ضحكته… وشجاره… وغضبه… ولعبه. أغمضت عينيها للحظة. “لماذا…؟” “لماذ







