Share

الفصل الرابع

Penulis: سمر رجب
last update Tanggal publikasi: 2026-06-05 07:40:35

​آخر مرة رأيتها كانت كئيبة وكل حديثها عن الموت والفراق، لم تتحمل أعصابي كل تلك الجرعة الوافرة من السواد المحيط بها، غادرتها مهددًا إياها بعدم العودة لها مرة أخرى إذا ظلت على تلك الحالة.

​استأذن حسين كي يروي حلقه الذي جف من التوتر، أعطته ديما كوب الماء، شرب بنهم كأنما جفت كل أجزاء جسده، شرع في مواصلة حديثه فقال بحزن وقد اغرورقت مقلتيه بالعبرات:

​لما سمعت خبر موتها افتكرت إن جوزها عرف اللي بينا وقتلها! حاولت أدور ورا الموضوع بحجة إنها كانت جارتي وميهمنيش غير مجرد فضول الجيرة، عرفت من شوية جيران إنها انتحرت وإن جوزها لسه ما يعرفش حاجة!

​هنا صاح أحمد بتساؤل:

​طب كنتوا بتتواصلوا مع بعض إزاي؟ مكالمات ولا رسايل ولا كنتوا بتكلموا بعض على السوشيال ميديا؟

​أجابه حسين بتوتر وهو يمسح العرق المتصبب على جبهته:

​كانت بتحذرني كتير من إني أبعت رسايل أو أتواصل معاها بأي شكل، جبتلها موبايل صغير قديم عشان نكلم بعض عليه كل فين وفين من غير ما جوزها يعرف حاجة.

​دنا منه أحمد أكثر حتى بات القرب بينهما يوحي بالتحدي والغرابة، هتف أحمد بنبرة ذات مغذى:

​وإيه اللي خلاها تحذرك من إنك تكلمها على تليفونها التاني؟

​نظر له حسين بارتباك وقال متلعثمًا من قربه المخيف منه:

​كانت قايلالي إن جوزها أول ما بيرجع من الشغل أول حاجة بيعملها إنه يفتش في تليفونها ويدور في كل البرامج والتطبيقات اللي عليه، حتى رسايلها مع صاحباتها كان بيقراها كلمة بكلمة، وكان دايماً بيهددها إنها ما تمسحش أي حاجة، حتى لو مسحتها هو بيعرف يرجعها تاني!

​ضيق أحمد ما بين حاجبيه، ثم نظر إلى قصي قائلًا بثبات:

​أنا خلصت شغلي يا سيادة المقدم، متشكر جداً على وقتك.

​نظر قصي لديما نظرات تنم على احترامه لها ففهمت أنه يتأكد من رغبتها في توجيه مزيد من الأسئلة إلى حسين فهزت رأسها بالنفي.

فهتف بجمود:

​روح بيتك، واعرف إنك تحت نظري، وأي نَفَس بيطلع من صدرك متراقب، ولو احتاجناك هنجيبك قبل ما ترمش عينك.

​تنفس حسين الصعداء، نهض مؤديًا تحية احترام عسكرية بيده وخرج مسرعًا من المكتب.

هتفت ديما بحماس:

​برافو يا أحمد، أسئلتك كانت تحفة.

​اغتاظ قصي من حديثها مع أحمد مقابل إهمالها له، قال بحدة:

​المفروض إن ورانا شغل لازم نخلصه وقضية محيرة محتاجة وقتنا، هنفضل نصفق لبعض وننسى شغلنا!

​زفرت ديما بضيق فقدرتها على تحمله أوشكت على النفاذ!

أجابه أحمد بارتباك:

​بعد إذنك يا باشا، هروح أجيب قهوة عشان محتاجها جداً.

​نهضت ديما وقالت بلا مبالاة:

​استناني يا أحمد.. خدني معاك.

​انتظر قصي حتى خرجا من المكتب، طرق بيده على المكتب بعنف؛ فكلما حاول الاقتراب منها أبعدته، لا يعلم لما يحاول الاقتراب منها لكنه يشعر بأنها تجذبه إليه كمغناطيس قوي الجاذبية، مر على معرفته بها يومان لكن بدت الدقائق بقربها كأنها سنوات!

وتطرق باب قلبك تلك الدقات التي تثبت لك سطوة الحب عليك وتعدها مرارًا وتكرارًا بأنك لن تسمح لها بالمرور حتى من ذلك الثقب الذي لم تستطع بأية طريقة أن تصلحه، وكأن قلبك يهتف بشدة: "اتركها تتسرب إليّ فأنا أحيا بها وأنعم، وإن كانت قاتلتي فلا أهتم!".

​توجه أحمد وديما إلى الساعي، طلبت ديما منه باحترام كوبين من القهوة، اعترض أحمد قائلًا بود:

​خليهم تلاتة يا عم جميل.

​صاحت ديما بغضب:

​عايز تجيب له قهوة! سيبك منه ولا تعبره لأنه ميتعبرش، بيعاملنا زي العبيد وللأسف مضطرين نتعامل معاه!

​أعاد أحمد نظاراته للخلف وقال بضيق:

​قصي باشا أكفأ ظابط ممكن الظروف تهدي ليكي فرصة إنك تشتغلي معاه! لو جربتي تشتغلي مع حد غيره هتعرفي الفرق، لما قالولي إني هشتغل معاه هو بالذات ماكنتش مصدق نفسي من الفرحة وجيت أجري عليه، بنصحك بلاش تثيري غضبه، فهو على قد طيبة قلبه، بيكون بركان غضبه.

​وضعت ديما يديها في خصرها وهزت رأسها باستهزاء وقالت:

​أوه! ده أنت قلقتني، عرفت كل ده منين؟

​أجابها بهدوء:

​هحكيلك من البداية.. من فترة مش كبيرة هنا في البلدة، كانت النيران بتاكل الأخضر واليابس في بيت ست بسيطة مات جوزها وساب لها خمس أطفال، وطفل منهم هو اللي ولع الحريقة وهو بيلعب بالكبريت بالليل والكل نايم، خرجت الست تصرخ بكل قوتها لحد ما أهل البلد اتجمعوا قدام بيتها، وقتها كان قصي في بيته في إجازة مرضية قعد فيها أسبوع بعد ما عمل عملية الزائدة الدودية، خرج زي باقي الناس على صوتها، شافها بتصرخ وبتحط الرماد على راسها وهي بتقول كلمة واحدة "ابني جوه"، ماحدش من الرجالة تجرأ إنه يدخل جوه النار عشان ينقذ الطفل، ورجال الإطفاء اتأخروا.

​الشخص الوحيد اللي اخترق ألسنة النار من غير تردد أو خوف هو قصي، كل العيون كانت بتقوله أنت مجنون ومش هتطلع منها تاني يا مسكين، وبعد شوية خرج شايل الطفل على كتفه، لو تاخدي بالك من الجرح اللي في إيده هتعرفي إيده اليمين اتضررت إزاي من الحريقة دي، حتى جرح العملية كان اتلهب وفضل نايم في المستشفى فترة طويلة!

​ده موقف من ضمن مواقف كتير، لو حكيتلك الباقي الساعات مش هتكفي، ده ليه مع كل واحد في البلد موقف يشرح بسالته وشجاعته وطيبة قلبه.

​قاطعه الساعي قائلًا:

​يا ريت الناس كلها زيه يا بنتي، من ساعة ما قصي "باشا" اشتغل هنا وهو بيحترمني الكبير قبل الصغير، مش بيسمح لأي حد يهيني، وحتى غضبه بيعلى ويرتفع وبعدين في دقايق يروح مع الريح.

​أكمل أحمد حديثه:

​مع احترامي ليكي، عايز أقولك على حاجة صغيرة، ما تفتكريش إن رتبة عمك هي السبب في صبر قصي عليكي، أبداً، ده ما بيخافش غير من اللي خلقه، أنا عارف كويس إن صبره عليكي عشان هو لمس فيكي الذكاء وقوة الشخصية، وهو بيحب يشتغل مع الأقوياء زيه بس! وقسوته عليا عشان عايز يخليني صلب وقوي ومتعود على قسوة الشغل في مكاتب التحقيقات!

​تعجبت ديما من فهمه الزائد عن الحد لشخصية قصي فقالت بتساؤل:

​كأنك عايش معاه! إزاي واعي لشخصيته وطباعه للدرجة دي!

​ابتسم أحمد وقال بحب بالغ:

​أيوه، أنا فعلاً عايش معاه! بس ماحدش هنا يعرف إني أعرفه، ما توسطليش، بالعكس تماماً اتفاجئ بوجودي وحاول يختبرني كذا مرة عشان يخرجني من المهمة، ذاكرت واجتهدت لحد ما بقيت مؤهل أشتغل هنا، لحد دلوقتي قصي لسه بيعاملني كأني غريب عنه تماماً وما شكرش في أي حاجة بعملها! اتعلمت منه أفصل الأمور الشخصية عن الشغل، بتعامل معاه بنفس طريقته كأني ما أعرفهوش!

​ركزت ديما معه وهي تتعجب مما تسمع لحديثه الغريب، قالت بتساؤل:

​هو أنت أخوه؟

​هنا هتف الساعي:

​القهوة جاهزة يا شباب.

​اضطرا لإكمال حديثهما وهما في طريقهما للمكتب حيث قال أحمد بامتنان:

​مش أخوات، قصي ابن خالتي، ابويا وامي ماتوا في حادثة، وكنت ولدهم الوحيد المدلل، طمع عمي في الورث خلاه يستضيفني عشان ياخد الفلوس وبعدين يرميني في ملجأ أو حاجة زي كدة! كان قصي وقتها ظابط لسه متخرج، وقف في وش عمي وأخدني بيته، كنت وقتها طفل في ابتدائي بتلمع عيني كل ما أشوف بطلي المنقذ، كل عالمي ده هو اللي مد إيده عشان يشدني من غياهب الجُب! من وقتها وأنا عايش في بيته، حتى لما اتنقل نقله هنا من سنين ما سابنيش، برغم إني بقيت شاب يقدر يعتمد على نفسه زي ما أنتِ شايفة، ما اتخلاش عني، رباني واحتضنني، لو قدمت له روحي قليلة عليه!

​أُعجبت ديما بشخصية قصي الخفية عن الأنظار، حزنت لأنها حكمت عليه من ظاهريته فقط، قررت أن تتعامل معه بلطف وود!

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • محققتي الحسناء   الفصل الرابع

    ​آخر مرة رأيتها كانت كئيبة وكل حديثها عن الموت والفراق، لم تتحمل أعصابي كل تلك الجرعة الوافرة من السواد المحيط بها، غادرتها مهددًا إياها بعدم العودة لها مرة أخرى إذا ظلت على تلك الحالة.​استأذن حسين كي يروي حلقه الذي جف من التوتر، أعطته ديما كوب الماء، شرب بنهم كأنما جفت كل أجزاء جسده، شرع في مواصلة حديثه فقال بحزن وقد اغرورقت مقلتيه بالعبرات:​لما سمعت خبر موتها افتكرت إن جوزها عرف اللي بينا وقتلها! حاولت أدور ورا الموضوع بحجة إنها كانت جارتي وميهمنيش غير مجرد فضول الجيرة، عرفت من شوية جيران إنها انتحرت وإن جوزها لسه ما يعرفش حاجة!​هنا صاح أحمد بتساؤل:​طب كنتوا بتتواصلوا مع بعض إزاي؟ مكالمات ولا رسايل ولا كنتوا بتكلموا بعض على السوشيال ميديا؟​أجابه حسين بتوتر وهو يمسح العرق المتصبب على جبهته:​كانت بتحذرني كتير من إني أبعت رسايل أو أتواصل معاها بأي شكل، جبتلها موبايل صغير قديم عشان نكلم بعض عليه كل فين وفين من غير ما جوزها يعرف حاجة.​دنا منه أحمد أكثر حتى بات القرب بينهما يوحي بالتحدي والغرابة، هتف أحمد بنبرة ذات مغذى:​وإيه اللي خلاها تحذرك من إنك تكلمها على تليفونها التاني؟​نظ

  • محققتي الحسناء   الفصل الثالث

    تقدما نحوه وأنصتا إليه بلهفة حين قال: ​مريم كانت بتخون جوزها يا باشا! ​شهقت ديما واضعة كفها فوق فمها، صاح قصي بعصبية: ​كمل، وقفت ليه؟ ​تنهد أحمد بعمق ثم قال بخجل: ​والجنين اللي في بطنها مش ابنه هو كمان! ​زادت تعابير وجه ديما التي تعبر عن عدم التصديق، هتفت بتعجب: ​أنت متأكد من الكلام ده؟ ​أجابها أحمد وهو يرفع نظارته فوق أنفه باضطراب: ​للأسف متأكد.. حساب مجهول بس باسم مختلف عن المرة اللي فاتت بعتلها رسالة: "أنا عارف عنك كل حاجة؛ تقدري تقولي إني قدرك اللي مش هتعرفي تهربي منه، وكمان بفضل إنك تسميني جلادك اللي هيحاسبك على أفعالك القذرة، ست متجوزة حديثاً ولسه فيه اللي بيبارك لها ومستني مولودها بفرحة، ولو حد عرف حقيقتك كان هيحب يقتلك ميت مرة في الدقيقة! ​قدامك أسبوع واحد بس عشان تقتلي نفسك قبل ما الفضيحة تقتلك ويلاحقك العار أنتِ والطفل اللي في بطنك؛ طفل الخطيئة في فراش الخيانة! ​لو جوزك ما قتلكيش أهلك هيقتلوكي، ولو هما ما قتلوكيش ذنبك هيقتلك، ذنبك اللي هيقرب من حياتك زي ما الأجل بيقرب من مريض الأطباء عجزوا عن إنقاذه!" ​عقب قصي على حديثه قائلاً بتساؤل: ​وقدرت توصل للشخص التالت في

  • محققتي الحسناء   الفصل الثاني

    ​طلبت ديما منه فتح باب السيارة لها، انصاع لطلبها بهدوء!​لم يعرف سبب هدوئه هذا وصبره عليها والذي لم يكن من عادته؛ أهو صلابة شخصيتها أم حضورها الطاغي هو من يجعله يرضخ لها هكذا، في النهاية هو الآن بصدد متاعب حتمية لأنه سيلاقيها في أيامه المقبلة مع ذلك التكوين المتجسد أمامه على هيئة فتاة قوية الشخصية!​توقف بسيارته أمام مبنى قسم الشرطة الذي يعمل به، طلب منها الهبوط من السيارة واللحاق به، راحت عيناها تجوب المكان بتفحص وعناية، صاحت بتعجب وهي تدخل مكتبه الخاص:​"مش هستريح شوية من تعب السفر؟ هو ده شغل الـ "جنتل مان"؟ جايبني على الشغل على طول!"​فتح فمه ليكيل لها بعض الكلمات اللاذعة، تحدثت بسرعة مستكملة ما بدأته من حديث:خلاص اوك مفيش مشكلة، خلينا نبدأ، أنا بحب النشاط والهمة في الشغل وبكره تضييع الوقت!"​قالت جملتها الأخيرة وهي تخلع قبعتها من فوق رأسها لينساب شعرها البني الطويل على ظهرها بنعومة جعلته يتجمد فاتحاً فمه بإعجاب واضح ألجمه عن الرد، أخرجته من تلك الحالة عندما صاحت بجدية:​"سمعت كام حاجة عن القضية الجديدة، وعايزة أشوف الأوراق الخاصة بيها."​استغرب من سرعة اندماجها بالعمل وجديتها فيه

  • محققتي الحسناء   الفصل الاول

    جال ببصره على تلك الجثة الهامدة الممدّدة على الأرض الغارقة بدمائها، بدا له من اللحظة الأولى أنّها نزفت كثيراً حتى امتدّت بقعة الدماء تحتها بشكل ظاهر، أشار للعسكري.​هتف العسكري بسرعة وكأنه يحفظ نصّاً ويلقيه على الحضور:​حسّان عبد المتعال عبد المتجلّي؛ عنده تمنية وستين سنة، وعنده ولدين وبنت، ومراته ربنا افتكرها من خمس سنين، ملوش إخوات، والدكتور من المعاينة الأولى قالنا إنها ممكن تكون انتحار!​علقت الكلمة داخل عقل الضابط وفكّر باستغراب ما الذي يدفع كهلاً كبيراً في السن كهذا إلى الانتحار؟ حدث نفسه قائلاً بأنّه لابد من وجود حلقة كبيرة مفقودة في الأمر.​تفقّد الضابط المكان بدقّة وحِرفية كبيرة تنمّ عن خبرة سابقة مميّزة، راح يطالع أدقّ التفاصيل في المكان، نظر إلى الجثة نظرات متفحّصة لا تخلو من التساؤلات فتلك واقعة غريبة بالنسبة لقرية صغيرة تتعرى تماماً من تلك الأفكار كالانتحار وغيرها!​عاد إلى مكتبه ليبدأ في التحقيق والتفكير جيداً فما هي دوافع ذلك المُسِنّ يا ترى.. كي يفرط بآخر سنوات حياته بتلك الطريقة الغريبة!​رن هاتف مكتبه الأرضي فرد عليه بانهماك وهو يطالع الأوراق الخاصة بالقضية ومعلومات

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status