Masukآخر مرة رأيتها كانت كئيبة وكل حديثها عن الموت والفراق، لم تتحمل أعصابي كل تلك الجرعة الوافرة من السواد المحيط بها، غادرتها مهددًا إياها بعدم العودة لها مرة أخرى إذا ظلت على تلك الحالة.استأذن حسين كي يروي حلقه الذي جف من التوتر، أعطته ديما كوب الماء، شرب بنهم كأنما جفت كل أجزاء جسده، شرع في مواصلة حديثه فقال بحزن وقد اغرورقت مقلتيه بالعبرات:لما سمعت خبر موتها افتكرت إن جوزها عرف اللي بينا وقتلها! حاولت أدور ورا الموضوع بحجة إنها كانت جارتي وميهمنيش غير مجرد فضول الجيرة، عرفت من شوية جيران إنها انتحرت وإن جوزها لسه ما يعرفش حاجة!هنا صاح أحمد بتساؤل:طب كنتوا بتتواصلوا مع بعض إزاي؟ مكالمات ولا رسايل ولا كنتوا بتكلموا بعض على السوشيال ميديا؟أجابه حسين بتوتر وهو يمسح العرق المتصبب على جبهته:كانت بتحذرني كتير من إني أبعت رسايل أو أتواصل معاها بأي شكل، جبتلها موبايل صغير قديم عشان نكلم بعض عليه كل فين وفين من غير ما جوزها يعرف حاجة.دنا منه أحمد أكثر حتى بات القرب بينهما يوحي بالتحدي والغرابة، هتف أحمد بنبرة ذات مغذى:وإيه اللي خلاها تحذرك من إنك تكلمها على تليفونها التاني؟نظ
تقدما نحوه وأنصتا إليه بلهفة حين قال: مريم كانت بتخون جوزها يا باشا! شهقت ديما واضعة كفها فوق فمها، صاح قصي بعصبية: كمل، وقفت ليه؟ تنهد أحمد بعمق ثم قال بخجل: والجنين اللي في بطنها مش ابنه هو كمان! زادت تعابير وجه ديما التي تعبر عن عدم التصديق، هتفت بتعجب: أنت متأكد من الكلام ده؟ أجابها أحمد وهو يرفع نظارته فوق أنفه باضطراب: للأسف متأكد.. حساب مجهول بس باسم مختلف عن المرة اللي فاتت بعتلها رسالة: "أنا عارف عنك كل حاجة؛ تقدري تقولي إني قدرك اللي مش هتعرفي تهربي منه، وكمان بفضل إنك تسميني جلادك اللي هيحاسبك على أفعالك القذرة، ست متجوزة حديثاً ولسه فيه اللي بيبارك لها ومستني مولودها بفرحة، ولو حد عرف حقيقتك كان هيحب يقتلك ميت مرة في الدقيقة! قدامك أسبوع واحد بس عشان تقتلي نفسك قبل ما الفضيحة تقتلك ويلاحقك العار أنتِ والطفل اللي في بطنك؛ طفل الخطيئة في فراش الخيانة! لو جوزك ما قتلكيش أهلك هيقتلوكي، ولو هما ما قتلوكيش ذنبك هيقتلك، ذنبك اللي هيقرب من حياتك زي ما الأجل بيقرب من مريض الأطباء عجزوا عن إنقاذه!" عقب قصي على حديثه قائلاً بتساؤل: وقدرت توصل للشخص التالت في
طلبت ديما منه فتح باب السيارة لها، انصاع لطلبها بهدوء!لم يعرف سبب هدوئه هذا وصبره عليها والذي لم يكن من عادته؛ أهو صلابة شخصيتها أم حضورها الطاغي هو من يجعله يرضخ لها هكذا، في النهاية هو الآن بصدد متاعب حتمية لأنه سيلاقيها في أيامه المقبلة مع ذلك التكوين المتجسد أمامه على هيئة فتاة قوية الشخصية!توقف بسيارته أمام مبنى قسم الشرطة الذي يعمل به، طلب منها الهبوط من السيارة واللحاق به، راحت عيناها تجوب المكان بتفحص وعناية، صاحت بتعجب وهي تدخل مكتبه الخاص:"مش هستريح شوية من تعب السفر؟ هو ده شغل الـ "جنتل مان"؟ جايبني على الشغل على طول!"فتح فمه ليكيل لها بعض الكلمات اللاذعة، تحدثت بسرعة مستكملة ما بدأته من حديث:خلاص اوك مفيش مشكلة، خلينا نبدأ، أنا بحب النشاط والهمة في الشغل وبكره تضييع الوقت!"قالت جملتها الأخيرة وهي تخلع قبعتها من فوق رأسها لينساب شعرها البني الطويل على ظهرها بنعومة جعلته يتجمد فاتحاً فمه بإعجاب واضح ألجمه عن الرد، أخرجته من تلك الحالة عندما صاحت بجدية:"سمعت كام حاجة عن القضية الجديدة، وعايزة أشوف الأوراق الخاصة بيها."استغرب من سرعة اندماجها بالعمل وجديتها فيه
جال ببصره على تلك الجثة الهامدة الممدّدة على الأرض الغارقة بدمائها، بدا له من اللحظة الأولى أنّها نزفت كثيراً حتى امتدّت بقعة الدماء تحتها بشكل ظاهر، أشار للعسكري.هتف العسكري بسرعة وكأنه يحفظ نصّاً ويلقيه على الحضور:حسّان عبد المتعال عبد المتجلّي؛ عنده تمنية وستين سنة، وعنده ولدين وبنت، ومراته ربنا افتكرها من خمس سنين، ملوش إخوات، والدكتور من المعاينة الأولى قالنا إنها ممكن تكون انتحار!علقت الكلمة داخل عقل الضابط وفكّر باستغراب ما الذي يدفع كهلاً كبيراً في السن كهذا إلى الانتحار؟ حدث نفسه قائلاً بأنّه لابد من وجود حلقة كبيرة مفقودة في الأمر.تفقّد الضابط المكان بدقّة وحِرفية كبيرة تنمّ عن خبرة سابقة مميّزة، راح يطالع أدقّ التفاصيل في المكان، نظر إلى الجثة نظرات متفحّصة لا تخلو من التساؤلات فتلك واقعة غريبة بالنسبة لقرية صغيرة تتعرى تماماً من تلك الأفكار كالانتحار وغيرها!عاد إلى مكتبه ليبدأ في التحقيق والتفكير جيداً فما هي دوافع ذلك المُسِنّ يا ترى.. كي يفرط بآخر سنوات حياته بتلك الطريقة الغريبة!رن هاتف مكتبه الأرضي فرد عليه بانهماك وهو يطالع الأوراق الخاصة بالقضية ومعلومات