Masukتقدما نحوه وأنصتا إليه بلهفة حين قال:
مريم كانت بتخون جوزها يا باشا! شهقت ديما واضعة كفها فوق فمها، صاح قصي بعصبية: كمل، وقفت ليه؟ تنهد أحمد بعمق ثم قال بخجل: والجنين اللي في بطنها مش ابنه هو كمان! زادت تعابير وجه ديما التي تعبر عن عدم التصديق، هتفت بتعجب: أنت متأكد من الكلام ده؟ أجابها أحمد وهو يرفع نظارته فوق أنفه باضطراب: للأسف متأكد.. حساب مجهول بس باسم مختلف عن المرة اللي فاتت بعتلها رسالة: "أنا عارف عنك كل حاجة؛ تقدري تقولي إني قدرك اللي مش هتعرفي تهربي منه، وكمان بفضل إنك تسميني جلادك اللي هيحاسبك على أفعالك القذرة، ست متجوزة حديثاً ولسه فيه اللي بيبارك لها ومستني مولودها بفرحة، ولو حد عرف حقيقتك كان هيحب يقتلك ميت مرة في الدقيقة! قدامك أسبوع واحد بس عشان تقتلي نفسك قبل ما الفضيحة تقتلك ويلاحقك العار أنتِ والطفل اللي في بطنك؛ طفل الخطيئة في فراش الخيانة! لو جوزك ما قتلكيش أهلك هيقتلوكي، ولو هما ما قتلوكيش ذنبك هيقتلك، ذنبك اللي هيقرب من حياتك زي ما الأجل بيقرب من مريض الأطباء عجزوا عن إنقاذه!" عقب قصي على حديثه قائلاً بتساؤل: وقدرت توصل للشخص التالت في القصة.. "عشيقها"؟ أجابه أحمد بنشاط: الموبايل الحديث فاضي تماماً من أي محادثات بينهم ومفيش فيه أي حاجة مهمة غير الرسالة اللي قريتها دلوقتي، بس الموبايل الصغير ده كارثة بجد! كل محادثاتها ومكالماتها مع عشيقها قدرت أرجعهم بعد ما هي مسحتهم تماماً، طبعاً جوزها ميعرفش عنه أي حاجة! هتفت ديما بحماس يبرز من مقلتيها: عاش! هو ده الشغل، أنا بجد بحييك على كفاءتك وعبقريتك يا أحمد، دلوقتي لازم نستدعي جوزها عشان نحقق معاه، وعشيقها ده نحتجزه لحد ما نشوف هنعمل إيه بهدوء. اغتاظ قصي منها، قاطعها بسخرية: "هاه" ومين كمان يا ست هانم؟ تأمري بإيه تاني؟ شعرت إن حماسها الشديد أفقدها جزءاً من الأدب فاعتذرت قائلة: طبعاً لأ؛ الحماس بس هو اللي أخدني، أنا مش قصدي أي حاجة، طبعاً الكلمة الأولى والأخيرة لحضرتك هنا. ضغط قصي على الجرس الموجود أعلى مكتبه فدخل إليه العسكري، أمره إنه ياخد معلومات عن الشخص المطلوب من أحمد ويجيبه له في الحال وما يرجعش غير بيه. وجه قصي نظره إلى ديما، قال بهدوء: لازم ترتاحي وتأكلي حاجة، هطلب من العسكري يوصلك البيت، ارتاحي وارجعي في الوقت اللي تحبيه، ومن النهاردة العسكري ده هيبقى مسؤول إنه يوصلك لأي مكان تحبي تروحي فيه. شعرت ديما انها بالفعل تحتاج الى بعض الراحة أو على الأقل تحتاج الى الاستحمام وتبديل ملابسها فوافقت على شرط ان تعود بسرعة قبل وصول الشخص المطلوب للتحقيق! وصلت ديما برفقة العسكري، طلبت منه ان ينتظرها بالسيارة مخبرة اياه انها لن تتأخر، تحممت ثم اعدت لنفسها فنجانا كبيرا من القهوة، تذكرت انها لم تتناول شيئا من الصباح فقررت ان تتناول القهوة ثم في طريقها للعمل ستبتاع اي شئ تاكله توجهت لردهة المنزل لتشرب قهوتها، ففوجئت بصينية كبيرة مغطاة بقماشة بيضاء نظيفة تحتوي على أطباق كثيرة من الدجاج والمحشي والحساء؛ فصرخت معدتها جوعاً وأكلت حتى امتلأت، ثم ذهبت لترتدي ثيابها للخروج. اختارت بنطالاً من القماش متعدد الجيوب باللون الأبيض، وقميصاً قطنياً بالكاد يغطي كتفها باللون الزهري، وحذاءً أبيض بخط جانبي زهري اللون، ورفعت شعرها بعشوائية مما منحها مظهراً رقيقاً للغاية. توجهت إلى قسم الشرطة ودخلت مكتب قصي، فوجدته جالساً على كرسيه وقدميه على المكتب، ورأسه للخلف مستنداً على طرف المقعد، وكان يغط في نوم عميق، وكذلك كان أحمد ممدداً على المنضدة المقابلة للمكتب يتلذذ بنوم أعمق. جلست بجوار أحمد بهدوء خشية أن توقظهما، وسحبت الملف من يده بحذر لتنشغل بتفحص أركان القضية الأولى مرة أخرى، وحاولت ربطها بالقضية الثانية؛ فكما يتضح أمامها، مما لا شك فيه أن المحرض على الانتحار شخص واحد نصب نفسه قاضياً وجلاداً فوق رؤوس الناس! طرق العسكري الباب فاستيقظ قصي بفزع واعتدل في جلسته بسرعة، وقال وهو يمسح وجهه كي يفيق: اتفضل. دخل العسكري وأدى التحية، وقال بجمود: المدعو حسين عبد السلام بره يا فندم. نهضت ديما، وضعت يديها في جيوبها بثقة وقالت بثبات: خليه يدخل فوراً. التفت إليها قصي متعجباً، وحدث نفسه قائلاً: هي دي جت إمتى! فهمت ديما نظراته وقالت بذكاء: أيوه، أنا هنا من فترة بس مكنتش عايزة أزعجكم، المهم دلوقتي.. أشارت بيدها للعسكري لكي يجلب الشخص، فزمجر قصي بغضب أرعبها: استني يا آنسة. وجه بصره للعسكري وتابع بغضب: بتاخد أوامرك من مين يا عسكري؟ الآنسة دي ملهاش أي دور هنا، دي متدربة ملهاش قيمة بينا، جت عشان تتعلم، اخرج دلوقتي ولما آمرك بالدخول تيجي جري! استيقظ احمد بسبب صوت قصي العالي، فرك عينيه وقال ببلاهة: في إيه.. إيه اللي حصل؟ نهض قصي والشرر يتطاير من عينيه، وتوجه ناحيتها وهي لا تزال على ثباتها واضعة كفيها في جيوب بنطالها، شامخة كالجبال، تنظر إليه بتحدٍ زاد من غيظه منها، شد على قبضته، فرأته فرفعت رأسها بتعاليٍ عكس ما بداخلها من خوف كبير من غضبه الزائد. استوعب أحمد ما يحدث حوله فنهض بسرعة ووقف بينهما ليهدئ الأمور قليلاً، لكن ديما تحدثت بثقة: ابعد يا أحمد وسيبه يصب غضبه كله عليا ويسيب القضية اللي إحنا موجودين عشانها، طبعاً فيه فرق كبير بين اللي بيعطي الأوامر واللي بيتلقاها، أنت نرجسي قديم، أنصحك تطور من نفسك شوية وتشتغل بروح الفريق عشان نقدر نحل ألغاز القضية دي يا حضرة الضابط العظيم! تنهدت بعمق قبل أن تكمل بصوت واثق: لو ده اللي أنت عايزه "السمع والطاعة" فماشي يا سيدي، في الآخر شغلي أهم من المظاهر الكدابة والألقاب البالية! أدبته ديما بهدوء فاق قدرته على التحمل؛ لم يتوقع أبداً أن تكون بتلك العقلية الكبيرة رغم صغر سنها! صدح صوته الداخلي يحدثه بتساؤل: جبتي الجبروت ده كله منين يا مشاغبة يا صغيرة؟ أنا دلوقتي واقف قدامك زي تلميذ في أولى ابتدائي بسمع الدرس بمنتهى الانصياع، إيه اللي بتعمليه فيا من أول يوم قابلتك فيه؟ أقسم بكل اللي أملك إني ما شفتش ولا هشوف زيك في حياتي، كلهن مدللات وطماعات وفارغات، أنتِ اختلفتِ واختلف معاكي كل معنى أعرفه عن الستات! لم يحب أن يخسر أمامها من أول جولة، فصرخ منادياً على العسكري أن يدخل المدعو حسين "عشيق الضحية الثانية"، ثم نظر إليها وعينيه تشع غضباً، وهتف وهو يجز على أسنانه: الأمور ما انتهتش هنا، حسابنا جاي بعدين، يلا على شغلك. س: اسمك وسنك وعنوانك؟ ج: حسين عبد السلام حسنين، 28 سنة، العنوان (......). س: إيه علاقتك بمريم حسن السكري؟ ج: مفيش أي علاقة يا فندم، كانت جارتي زمان وبعدين اتجوزت وسابت الحي. س: ده رقم تليفونك؟ ج: أيوه يا فندم هو. صرخ قصي في وجهه وحثه على الانضباط وعدم المراوغة، فقاطعته ديما بهدوء: أستاذ حسين، مفيش داعي للتمويه، إحنا عارفين كويس إنك أنت ومريم كنتوا على علاقة عاطفية غير شرعية وعارفين نتيجتها كمان، احكي اللي عندك أحسن ما الجريمة تلبسك. ارتبك حسين، وبدا على قسمات وجهه الخوف والفزع فقال بذعر: جريمة!! أي جريمة؟ أنا ما قتلتهاش، أقسم لكم، الناس بيقولوا إنها انتحرت! جلست ديما على المقعد المقابل له، وضعت ساقاً على الأخرى وقالت بثقة: وهل يعقل إن الناس يعرفوا أكتر مننا؟ أجابها قصي بنفس الثقة: سيبيه على راحته، شكله يحب يكون ضيفنا اللي إحنا عارفين كويس إزاي نكرمه. نطق حسين بهلع: أقسم لك يا فندم ما قتلتهاش، كنت بحبها جداً فإزاي أقتلها؟ إحنا اختلفنا والأجواء توترت بيننا من يومين بس أنا ما.. قاطعه قصي بعصبية: إيه سبب الخلاف؟ اتكلم! ارتعد حسين خوفاً، وعاد بظهره إلى الخلف لكي يهرب من خوفه من قصي، وقال بصوت مهزوز: هتكلم يا فندم، هتكلم.. أنا كنت بروح شقتها وجوزها مسافر و... صرخ به قصي: وإيه؟ انطق! أشارت له ديما أن يهدأ وقالت: اهدأ يا حضرة الضابط عشان نفهم بهدوء إيه اللي حصل بالظبط. ثم وجهت نظرها لحسين وقالت برفق: اتكلم يا حسين، ما تخافش. أجابها حسين باستحياء: كان بينا علاقة غير شرعية بعد ما والدها جوزها لمحمد غصب عني وعنها بعد قصة حب استمرت سنين، فما كانش قدامنا غير إننا نتقابل في السر كل ما جوزها يسافر للشغل، قالتلي أكتر من مرة إن الجنين اللي في بطنها ابني أنا، وده سبب خلاف مستمر بينا الأيام الأخيرة، بس هي ما زهقتش من القصة دي، كان إحساسها بالذنب بيقتلها كل دقيقة لأنها خاينة ومخادعة، وبدل ما الطفل يتسجل باسم أبوه الحقيقي، كانت هترتكب ذنب تاني وتفتري وتدلس عشان جوزها يعيش مع طفل مش من صلبه!آخر مرة رأيتها كانت كئيبة وكل حديثها عن الموت والفراق، لم تتحمل أعصابي كل تلك الجرعة الوافرة من السواد المحيط بها، غادرتها مهددًا إياها بعدم العودة لها مرة أخرى إذا ظلت على تلك الحالة.استأذن حسين كي يروي حلقه الذي جف من التوتر، أعطته ديما كوب الماء، شرب بنهم كأنما جفت كل أجزاء جسده، شرع في مواصلة حديثه فقال بحزن وقد اغرورقت مقلتيه بالعبرات:لما سمعت خبر موتها افتكرت إن جوزها عرف اللي بينا وقتلها! حاولت أدور ورا الموضوع بحجة إنها كانت جارتي وميهمنيش غير مجرد فضول الجيرة، عرفت من شوية جيران إنها انتحرت وإن جوزها لسه ما يعرفش حاجة!هنا صاح أحمد بتساؤل:طب كنتوا بتتواصلوا مع بعض إزاي؟ مكالمات ولا رسايل ولا كنتوا بتكلموا بعض على السوشيال ميديا؟أجابه حسين بتوتر وهو يمسح العرق المتصبب على جبهته:كانت بتحذرني كتير من إني أبعت رسايل أو أتواصل معاها بأي شكل، جبتلها موبايل صغير قديم عشان نكلم بعض عليه كل فين وفين من غير ما جوزها يعرف حاجة.دنا منه أحمد أكثر حتى بات القرب بينهما يوحي بالتحدي والغرابة، هتف أحمد بنبرة ذات مغذى:وإيه اللي خلاها تحذرك من إنك تكلمها على تليفونها التاني؟نظ
تقدما نحوه وأنصتا إليه بلهفة حين قال: مريم كانت بتخون جوزها يا باشا! شهقت ديما واضعة كفها فوق فمها، صاح قصي بعصبية: كمل، وقفت ليه؟ تنهد أحمد بعمق ثم قال بخجل: والجنين اللي في بطنها مش ابنه هو كمان! زادت تعابير وجه ديما التي تعبر عن عدم التصديق، هتفت بتعجب: أنت متأكد من الكلام ده؟ أجابها أحمد وهو يرفع نظارته فوق أنفه باضطراب: للأسف متأكد.. حساب مجهول بس باسم مختلف عن المرة اللي فاتت بعتلها رسالة: "أنا عارف عنك كل حاجة؛ تقدري تقولي إني قدرك اللي مش هتعرفي تهربي منه، وكمان بفضل إنك تسميني جلادك اللي هيحاسبك على أفعالك القذرة، ست متجوزة حديثاً ولسه فيه اللي بيبارك لها ومستني مولودها بفرحة، ولو حد عرف حقيقتك كان هيحب يقتلك ميت مرة في الدقيقة! قدامك أسبوع واحد بس عشان تقتلي نفسك قبل ما الفضيحة تقتلك ويلاحقك العار أنتِ والطفل اللي في بطنك؛ طفل الخطيئة في فراش الخيانة! لو جوزك ما قتلكيش أهلك هيقتلوكي، ولو هما ما قتلوكيش ذنبك هيقتلك، ذنبك اللي هيقرب من حياتك زي ما الأجل بيقرب من مريض الأطباء عجزوا عن إنقاذه!" عقب قصي على حديثه قائلاً بتساؤل: وقدرت توصل للشخص التالت في
طلبت ديما منه فتح باب السيارة لها، انصاع لطلبها بهدوء!لم يعرف سبب هدوئه هذا وصبره عليها والذي لم يكن من عادته؛ أهو صلابة شخصيتها أم حضورها الطاغي هو من يجعله يرضخ لها هكذا، في النهاية هو الآن بصدد متاعب حتمية لأنه سيلاقيها في أيامه المقبلة مع ذلك التكوين المتجسد أمامه على هيئة فتاة قوية الشخصية!توقف بسيارته أمام مبنى قسم الشرطة الذي يعمل به، طلب منها الهبوط من السيارة واللحاق به، راحت عيناها تجوب المكان بتفحص وعناية، صاحت بتعجب وهي تدخل مكتبه الخاص:"مش هستريح شوية من تعب السفر؟ هو ده شغل الـ "جنتل مان"؟ جايبني على الشغل على طول!"فتح فمه ليكيل لها بعض الكلمات اللاذعة، تحدثت بسرعة مستكملة ما بدأته من حديث:خلاص اوك مفيش مشكلة، خلينا نبدأ، أنا بحب النشاط والهمة في الشغل وبكره تضييع الوقت!"قالت جملتها الأخيرة وهي تخلع قبعتها من فوق رأسها لينساب شعرها البني الطويل على ظهرها بنعومة جعلته يتجمد فاتحاً فمه بإعجاب واضح ألجمه عن الرد، أخرجته من تلك الحالة عندما صاحت بجدية:"سمعت كام حاجة عن القضية الجديدة، وعايزة أشوف الأوراق الخاصة بيها."استغرب من سرعة اندماجها بالعمل وجديتها فيه
جال ببصره على تلك الجثة الهامدة الممدّدة على الأرض الغارقة بدمائها، بدا له من اللحظة الأولى أنّها نزفت كثيراً حتى امتدّت بقعة الدماء تحتها بشكل ظاهر، أشار للعسكري.هتف العسكري بسرعة وكأنه يحفظ نصّاً ويلقيه على الحضور:حسّان عبد المتعال عبد المتجلّي؛ عنده تمنية وستين سنة، وعنده ولدين وبنت، ومراته ربنا افتكرها من خمس سنين، ملوش إخوات، والدكتور من المعاينة الأولى قالنا إنها ممكن تكون انتحار!علقت الكلمة داخل عقل الضابط وفكّر باستغراب ما الذي يدفع كهلاً كبيراً في السن كهذا إلى الانتحار؟ حدث نفسه قائلاً بأنّه لابد من وجود حلقة كبيرة مفقودة في الأمر.تفقّد الضابط المكان بدقّة وحِرفية كبيرة تنمّ عن خبرة سابقة مميّزة، راح يطالع أدقّ التفاصيل في المكان، نظر إلى الجثة نظرات متفحّصة لا تخلو من التساؤلات فتلك واقعة غريبة بالنسبة لقرية صغيرة تتعرى تماماً من تلك الأفكار كالانتحار وغيرها!عاد إلى مكتبه ليبدأ في التحقيق والتفكير جيداً فما هي دوافع ذلك المُسِنّ يا ترى.. كي يفرط بآخر سنوات حياته بتلك الطريقة الغريبة!رن هاتف مكتبه الأرضي فرد عليه بانهماك وهو يطالع الأوراق الخاصة بالقضية ومعلومات