تسجيل الدخولقصر الأمير في المدينة الصغيرة
البيت الكلاسيكي الكبير، البيت كله مبني علي الطراز الكلاسيكي رغم أنه من الداخل عصري جدًا، ثلاثة طوابق غير الطابق الأراضي والسطح المجهز للحفلات والسهرات التي تعدها السيدة هلين، والدة هاري هي من تولت إنشاء هذا البيت. السيدة هلين في بداية عقدها السادس، تتابع أحدث الأزياء وآخر الصيحات، أنيقة عصرية وجميلة والعمر لم يقتنص منها أي شيء بسبب المال والرفاهية بالطبع، لا تستطيع أن تقول عنها أنها تتصابي أو ما شابه، هي تعرف ما يناسبها بالتحديد، تدخن السجائر وهذه هي العادة الغير صحية الوحيدة التي تفعلها هذا والسيطرة على هاري، ولا تشرب إلا البرتقال مخلوط بالفودكا في المناسبات، لديها أصول انجليزية نبيلة الأصل مما يجعلها تتعجرف فوق ترفعها الفطري. تستغل كون أن لديها أصول إنجليزية بأن تضع مبدأ أن العائلة في المقام الأول لذا لم ينتقل هاري ليعيش وحده كأمريكي عصري، ربما لأن هذا لا يشكل فارق بالنسبة له، فهو يفعل ما يحلو له في منزل مريح كبير وفي الأخير منزله عن والده، إلا أن الأمر بالنسبة إليها يعد الأهم في حياتها، لا تحتمل الحياة دون هاري، تحبه هاري كثيرًا فهو طفلها الوحيد من إريك، بعض الأطباء النفسيين يمكنهم القول أن حبها له حب مرضي غير صحي لكلاهما، أو أنها تعامله كزوج بعد رحيل زوجها، لكنها والدته ولن يلومها أحد لأنها تحب ابنها أكثر من الطبيعي، أحدي مزايا أن تكوني أم هي أن تصرفاتكِ دومًا مبررة بأنكِ أم! هاري لم يعرف إريك جيدًا فهو فارق الحياة قبل أن يتم العاشرة، تولت هلين العمل وتربيته حتى تولي هو العمل والعناية بها، تحبه كثيرًا ومن كثرة ما أحبته لم تكتفي بكونه وسيم كوالده إلا أنها منحته كل ما يجعله لا يقاوم، لكن دون أن يبتعد عنها، أضحى بيته مُلقب ببيت الأمير التي تأتي كل فتاة إلى المناسبات والحفلات المُقامة به بحلم أن تلفت نظر الأمير. لديها ثلاثة أشقاء، واحد منهم يعيش في نيويورك متخلصًا من المدن الصغيرة إلى صخب الحياة في الولاية، شريك في مكتب محامي مرموق، غير متزوج ولديه العديد من العلاقات التي لا تدم أكثر من شهرين، هو الألطف بين أشقائه، وشقيق آخر يعيش عبر الولادية في ميسوري، لديه عده مشاكل مع الدائنين لأن مشاريعه تخسر كما يخسر في مضاربات البورصة والقمار، لكن هلين القادرة تمامًا على مساعدته تمتنع لأنها لن تقدم بنسًا واحدًا في غير مكانه، يحاول شقيقه المحامي مساعدته لكن في كل مرة يصبح الأمر أصعب وعليه أن يحافظ على سمعته، وشقيقة وحيدة بفارق عام بينهما وبين هلين، تحيا على بعد ثلاثة أحياء منها، متزوجة ممن كان مدير مكتب إريك قبل وفاته وأثناء تولي هلين الإدارة حتى خفضت رتبته ضمنيًا لإدارة معمل صغير ضمن المؤسسة لأن هذا ما يستطيع فعله حسب رأي الفتى الذي سيرث كل شيء، ومن وقتها وهي تحاول التفكير في طريقة لتنال بعضًا مما سيرثه، حاولت بمنتهي التقليدية زج ابنتها عليه وهو الأمر التي كانت هلين سترحب به إن حدث، ليس لأنها ابنه شقيقتها ولكن لأنها ستضمن بقائه الأبدي معها وعدم تخطيها بحب أخرى، لكنه لَم يحدث لأنه حين كان في الحادي عشر ظهرت مارال في المدينة والمدرسة، وتم اختيارها فور رؤيتها وعين نفسه الأمير حارس الملكة الصغيرة. كانت تبغض مارال كثيرًا لأن اهتمام هاري بالكامل كانت تحوذه ودون أي مجهود، لم يقبل أن يضايقها أحد أو تزعجها كلمة، حريص على أن يكون قريب لها، وأن تكون الشخص الأول الذي يشاطره كل شيء، بدءً من ألعابه التي كانت تحضرها له وثيابه حتى سيارته الأولى وتغيراته الحياتية ومشاعره الجديدة، كان يمكنها أن تقرأ في عينيه حينما يحدث شيئا جديدًا في حياته بأنه راغب في مشاركته في ذات اللحظة معها، شعورها بأنها تخطف ابنها منها كان يجعلها تبغضها أكثر فأكثر رغم كل محاولاته ومحاولاتها لتصبح على وفاق معها، لكن أن تحثه على تركها والرحيل عن المدينة كان شيئا آخر تمامًا، حينها فقط عزمت على إنهاء علاقتهما لأن هذا الأصلح لابنها، أو هذا ما هي مقتنعةً به تمامًا دلف هاري المنزل، ألقي نظرة علي غرفة المكتبة القابعة في المنتصف بين غرفة الطعام الكبرى وغرفة الاستقبال المتوسطة، هلين تجلس في مكتبها تتابع شيئا ما في تركيز وهو يحتاج أن يجلس وحده، صعد الدرج بسرعة حتى وصل للطابق الأول وقبل أن يتابع للطابق الثاني حتى يصل غرفته، آته صوتها بنبرتها الهادئة الأنيق. " لقد عدت مبكرًا عن موعدك.” استند علي الحافة المموج للدرج ونظر إلي أسفل حيث كانت تقف أمه، أشاح بيده وحرك كتفيه ببساطة. “لم يكن هناك شيء هام، وقد شعرت ببعض الصداع فرحلت." سحبت نفسًا من السيجارة التي بين أصابعها ثم أخرجته ببطء، وحينما أكمل جملته كانت تصعد الدرج في سرعة، حاول تهدئتها وهو يزفر دون أن تراه، اقتربت منها واضعة يدها فوق جبهته. "بماذا تشعر؟ لديك حرارة أو ألم في أي مكان." وضع كلتا كفيه فوق كفها يطمئنها. "أنا بخير، فقط لدي صداع ورأسي مشوش بكثير من الأمور فقررت آخذ بقية اليوم عطلة ليس إلا." ربتت فوق وجنته وهي تخفض كفيها، ترمقه بنظرة كالصقر الذي يدرك مكمن فريسته. "أهذا الصداع يدعى مارال." أنها تعرفه، بالطبع هيلين تعرف كل شيء، هي جزء من كل شيء، هي سليلة أحدى العائلات المؤسسة، لا شيء يحدث في كايد فيلج دون أن تعرفه أو أن يمر بها. في الواقع إذا كان صريح مع نفسه فهذا هو محور جميع مشاكله مع مارال.التفتت آن لتغادر، لكن كلماتها تركت في الهواء هدوءًا مخيفًا. كانت هيلين تراقب ظهرها وهي تبتعد، وتفكر بتمعن في هذه الفتاة الشابة التي تظن أنها تستطيع السيطرة على كل شيء. بالنسبة لهيلين، كانت آن خيارًا ممتازًا وأمن؛ لأنها كانت تعرف أن هاري لا يحبها، بل يتخذها كشريكة عملية يعوض بها غياب مارال. هيلين كانت سعيدة بهذا البرود؛ لأن المرأة التي لا تمتلك قلب ابنها لن تستطيع أبدًا أن تبعده عن أمه. آن كانت المناسبة تمامًا لأنها لم تكن منافسة عاطفية، بل مجرد واجهة اجتماعية ممتازة لشركات العائلة، وامرأة جميلة مع ابنها. لكن ما لم تكن هيلين تدركه بالكامل، هو ما كان يدور في عقل آن سيجال في تلك اللحظة بالذات. بينما كانت آن تمشي مبتعدة في الرواق، كان عقلها القيادي، الذي صقلته دراستها في هارفارد، يعمل كآلة حاسبة دقيقة. آن لم تكن غبية؛ كانت تفهم تمامًا نظرات هيلين، وتفهم سبب رغبتها العارمة في إتمام هذا الزواج، كانت تقرأ أنانية هيلين وحب التملك الخانق الذي تمارسه على هاري ككتاب مفتوح. كانت تعلم أن هيلين تفضلها هي لأنها مناسبة، ولأنها تظن أنها لن تجهل هاري يرحل ويتركها. "تظنين أنكِ ذكية
تفرست في وجوهن لنصف دقيقة قبل تضيف. "لكنها مجرد شبح من الماضي يا ماريان، وشبح الماضي لا يملك أثر، ولا صوت، في الحاضر الذي نصنعه بأيدينا اليوم، فقط مجموعة من الذكريات، هاري يعرف تمامًا أين تقع مسؤولياته تجاه عائلته وتجاه المدينة والعمل وحبيبته، ويعرف ما تعنيه التقاليد والوعود التي قطعناها لعائلة سيجال." صمتت هيلين للحظة، تركت كلماتها تستقر في عقولهن، ثم تابعت وعيناها تدوران على كل سيدة جالسة بتهديد مبطن ومباشر في آن واحد: "كايد فيلج بنيت على أسس متينة من الالتزام والصورة المشرفة، والنسيج الذي يربط عائلاتنا الأربع أقوى من أن تهزه أو تبعثره عودة عابرة لشخص لم يكن يومًا جزءًا من هذا النسيج، ولن يكون، لن أسمح لأي شائعة، أو لأي شخص كائنًا من كان، أن يهدد الاستقرار العائلي الذي حاربنا طويلًا للحفاظ عليه بعد وفاة زوجي.. لن يحدث هذا أبدًا ما دمت أتنفس." تبادلت السيدات نظرات سريعة ومرتبكة، وهززن رؤوسهن بالموافقة السريعة تحاشيًا غضب هيلين وتأكيدًا على كلام "السيدة الأولى" للمدينة، التي تجمعها بمارال تاريخ قبيح، ليس لأنها تمردت عليها، ولكن لأنها لم تمنح أي من ذلك اعتبار، بل جابهتها كأنها امرأة
تجلس السيدات في الشرفة الزجاجية الفسيحة للنادي الريفي لمدينة "كايد فيلج"، حيث تطل الطاولات ذات المفارش البيضاء الناصعة على ملاعب الغولف الممتدة خلف الزجاج المصقول. من يرى المشهد من بعيد، عبر تلك الواجهة الزجاجية الضخمة، يظنها لوحة كلاسيكية من خمسينيات القرن الماضي؛ شمس صباحية دافئة تلعق حواف الكؤوس الكريستالية، طقس مثالي، وضحكات خافتة تتطاير في الهواء كفقاعات الصابون. لكن خلف هذا النقاء الظاهري، وفي العمق من هذا المجتمع الصغير المعزول، كانت تدور طاحونة خفية من النميمة والحرب الباردة. طاحونة لا تصدر صوتًا، لكنها تطحن السمعة، والتاريخ، والعلاقات، وتجبر الجميع على ارتداء قناع مثالي مشوه ليناسب الصورة التي رسمها الأجداد للمدينة. ترأست "هيلين إدوارد" الطاولة بجسدها الرشيق الذي تحدى سنواتها الخمسة والخمسين بضراوة ناتج نظام شديد الصرامة. كانت ترتدي فستانًا من الحرير الأخضر الداكن، يلتف حول قوامها بعناية فائقة، ويتماشى بدقة مع خضرة عينيها القاتمتين اللتين تحرسان كل شاردة وواردة في المكان. لم تكن هناك خصلة شعر واحدة في غير مكانها؛ فاللون الذهبي لشعرها مصبوغ بعناية دورية صارمة تعكس هوسها
لكنها تعلم بوجود شقيقة لإيثان، في الماضي القريب كانت محض ثرثرة تسمعها، هوية مجهولة لشقيقة لا تعيش في أمريكا من الأساس، ولكنها التقت به في أحدى عطلاته التي لم تستطيع مرافقته إليها بفضل أمه أولًا ثم كرامتها تاليًا، وحينها أعجبها، اللطف أحيانا يفسر على إنه هوى أو بداية على الأقل، وحاولت ولكن هاري مخلص، قديس في زمن لا يحيا فيه سوى الخائنون أرباب الشياطين، ثرثرة في هيئة مزحة عن رفضه للمرأة التي لا ترفض رغم رغبتها الواضحة، وعلى ما يبدو كسبت في النهاية. دفعت شعرها خلف كتفها بحركة مستعرضة، سارت تجاهها وكعب حذائها يطرق الأرضية بنغمة منخفضة. “عندما قرر هاري أن يعثر لكِ على عمل، عرضت عليه وكالة إيثان لأنه في حاجة لشخص يستطيع العمل وأقنعته بذلك." عبرت لتجلس فوق رأس طاولة الاجتماعات المستديرة، في منتصفها بالضبط تعلن السيطرة، حركت الأخرى رأسها. "أنتِ مقنعة جيدة." استدارت لتواجهها، تضع كفيها فوق العقد التي فقدت الرغبة في توقيعه، لكنها لا تستطيع العودة، لا يمكنها أن تنهزم أمامها بهذه الطريقة المُهينة، هي عليها أن تعمل لدي شقيقها، لقد أحضرتها هنا لهذا العرض، وهي سوف تمنحه لها. "كل امرأة لديها طُ
عبرت إلى المكتب ببطء، المكتب ضخم وأنيق وعصري ويدل على الثراء، هذه هي نوعية الناس الذي يعرفهم هاري، لكن الشخص التي رأته كانت تعرفه، لذا رفعت رأسها ودلفت للحجرة وابتسامة كبيرة ممتلئة بالتعجب على محياها. "إيثان!" نهض ضاحكًا يبسط يده مرحبًا بها بابتسامة، كان طويل للغاية وهي تتذكره بهذا الطول، كان أكثر ما يميزه مع عينيه الخضراء. "صباح الخير مارال.. مرحبًا بعودتكِ." التقطت أنامله الممدود في مصافحة بسيطة، ابتسمت وهي تجلس حيث يشير لها. “لقد مر وقت طويل منذ أن رأيتكِ أخر مرة." هزت رأسها بابتسامة مجاملة، هزت كتفيها بلا معني وهي تتذكر إيثان أحد أصدقاء هاري المقربين رغم أنه يكبره بخمسة سنوات، لقد التقت به مررًا مع هاري في الحفلات وعلى الشاطئ، كان يدرس في لندن لسنوات وكان يعمل في نيويورك لفترة قبل أن يقرر العودة نحو كايد فليج، ليس لأنه يحبها بل لأنه قد خسر المال الذي أعطاه له والده ليبدأ مشروعه، وقد شرط عليه أن يأتي للعمل في المدينة تحت عيناه كي يمنحه المزيد، وعلى ما يبدو قد عاد بفكرة الوكالة الصحافية في مؤسسة والده التي تملك المبني. "أعتقد مدى دهشتك أن هاري لم يخبرك أن العمل معي." هزت
أنت فقط تعود وكل الفوضى تحدث. استيقظت مبكرًا جدًا عُقب ليلة لم تنال فيها النوم إلا متقطعًا، الأمس كان يوم سيء للغاية لدرجة أنها اقتصته من منتصفه واختبأت في غرفتها حتى شمس اليوم التالي. كل شيء كان فوضوي بشكل مربك حتى أنها لم تحصل على الوقت الكافي لإعادة تأهيل نفسها، كانت لفترة طويلة في جحيم ولم يمهلها أحد الفرصة لترميم ذاتها ولملمة شتات نفسها. لم تصدق كيف لهذه المدينة الصغيرة أن تكون غارقة في تعاستها لهذا الحد، الجميع يدور في دائرة دون أن يحطمها، كأنهم ضحايا لعنة ما ألقيت في زمان غابر ولم يعد أحد يهتم لكسرها. لم تحب أبدًا ما حدث مع جوان بالأمس، لم تحب موضع الخائنة ولا مساواتها بها لرغبة سوداء طفت على سطح لسانها في أن تتساوى بها.حسنًا؛ كل شخص لديه خطاياه وأخطائه. لم تحاسبها أبدًا حتى أنها في بعض الأحيان توقفت عن نُصحها، ليس لأنها لا تهتم بها ولكن كي لا تخدشها بحديثها، كي لا تترفع عنها بالأفضلية، طالما ساعدتها دون أن تتحدث، لأجلها احتملت الشجارات مع عائلتها وذهبت إلى أماكن معها لَمَ تتصور أبدًا أن تذهب إليها، لقد ساعدتها لتتخلص من طفلين حينما كان أصغر من يتعاملا مع الأمر، حينما كان







