LOGINالفصل الثاني: الأجندة السوداء
بعد سنوات طويلة في غرفة خشبية دافئة ، كانت نورا تضع رأسها على قدمي جدتها، وتلعب بأطراف ثوبها القرمزي .
رفعت نورا وجهها وقالت بدلال: — جدتي... احكي لي عن جدي ساهر. كيف بدأت حكايتكما؟
ابتسمت الجدة إلهام، وبدأ ضوء خفيف يشع من عينيها المنطفئتين، وازداد لمعان جلد يديها حتى غمر المكان. مدت يدها المرتعشة وسحبت من تحت وسادتها الأجندة الجلدية السوداء المغلقة - نفس الأجندة التي سقطت من يد ساهر بين الصخور يومها.
مررت كفها فوق غلاف الأجندة الداكن، فانبعث منه وميض قرمزي أذاب جدران الغرفة، لتستعيد الذكرى تلك اللحظة المفصلية حين فتحت باب بيتها العتيق، لتجد الغريب واقفاً في العتمة...
وحينها توقفت أنفاس إلهام وساهر... ولم يعد هناك مكان للكلمات بينهما.
لم يكن مجرد لقاء بين عابرين، بل كان حباً خاطفاً نبت من النظرة الأولى؛ شرارة مقدسة ولدت في ثانية واحدة لتعيد تشكيل أربعمائة عام من جمود المدينة. أدرك كلاهما في رمشة عين أن مقدرهما قد حُسم، وأن كل سنوات الحرمان لم تكن سوى انتظار لهذه اللحظة الخاطفة.
تلاشى الزمن كأنه لم يكن، واختصرت الدنيا أبعادها في تلك النظرة الأولى الفريدة عندما التقت أعينهما أمام أعتاب الدار.
رأت إلهام النور الفضي المتمزق المنبعث من جسد الموثق الشاب في عتمة الزقاق، وشعرت بقلبها ينبض لأول مرة بلغة لا تعرفها...
ورأى ساهر ملامح وجهها المضيء للمرة الأولى بلا حجاب؛ كانت تفاصيلها تفيض برقة عذبة شقت جفاف قلبه الذي صنعته المدينة، وصدمته بالحقيقة التي حاول الهروب منها طوال حياته: أنه أحبها من النظرة الأولى حباً لا يملك أمامه مهرباً ولا خياراً.
التقت عيناهما في ذهول مفاجئ، فأغلقا عينيهما معاً في اللحظة نفسها، كأنهما يخافان أن يستيقظا من حلم دافئ... أو أن يسرق واقع المدينة الصارم هذا الضوء الوليد منهما.
شعر ساهر بشيء سحري يسحبه نحوها، فخطا خطوة تلقائية نحو الباب، وتحركت أقدامهما في الممر الضيق حتى لم يعد يفصل بينهما سوى الضوء الخافت فوق أجسادهما... وفي لحظة مباغتة، تشابكت أصابعهما.
انتفضت إلهام كمن أيقظتها صدمة، ونظرت برعب إلى يدها المدسوسة بين أصابعه... سرت في جسدها رعدة خوف جعلت أنفاسها تتلاحق، فسحبت يدها بسرعة وذعر، كأنما تفر من خطيئة كبرى يعاقب عليها قانون المدينة بالعمى الأبدي.
في هذه المدينة، الحب ليس مشاعر مجردة… الحب يعني العقاب المباشر، والمحاكمة، والعمى.
نظرت إلهام إلى جلده؛ فاللون الفضي البارد الذي يكسوه كموثق بدأ يتكسر أمام عينيها، وتتداخل فيه تموجات دافئة تفضح سره... تراجعت خطوات إلى الخلف، وتسمرت كفاها على صدرها بارتباك.
نظر ساهر إلى معصمه بذعر؛ ذلك اللون الفضي الثابت لم يعد مستقراً على الإطلاق، وبدأت أطياف ملونة تتحرك تحت جلده بعنف، لتفضح بصرياً كل ما يدور في صدره.
دس ساهر ريشته العاجية بسرعة داخل جيب أجندته الجلدية المطوية تحت ذراعه، يتشبث بها كمن يحتمي بها كآخر حبل نجاة كي لا تسقط في هاوية العشق، وحرر كفيه ليرتكز بهما على الجدار... التفت حوله يميناً وشمالاً يخاف أن يلمح هذا الوهج أحد الحراس.
فرأت إلهام الخوف يرتجف في حدقتيه وفي معصمه المتوهج، وأدركت الخطر... استدارت وجرت نحو أزقة بيتها تتوارى بين الظلمة والدموع تخنق أنفاسها.
وقف ساهر يراقب طيفها يغيب خلف العتمة، وانقبضت ملامح وجهه؛ بدأ الوهج الدافئ ينطفئ في جلده ببطء شديد، حتى عاد اللون الفضي باهتاً كرماد بارد، وجثا على ركبته يطرق رأسه انكساراً.
لكن خلف باب الدار الموارب، كانت إلهام تستند بظهرها والخوف يمزق صدرها.
رفعت عينها من بين ثقوب الخشب العتيق، فرأت ذلك الموثق الصارم يجثو في التراب كراية مهزومة، ورأت برودة الشارع تلتهم توهجه... سرت في قلبها رحمة مباغتة شقت رعبها الأولي؛ لم تحتمل أن تراه يقتل بنورها، فاندفعت نحو خزانة الدار وسحبت معطف والدها الثقيل، ثم فتحت الباب وخاطرت بكل شيء لتخرج إليه.
سمع ساهر وقع خطوات سريعة تقطع الممر المظلم... كانت هي.
وقفت أمامه لاهثة تحمل بين يديها المعطف الثقيل، ومدت يدها بالثوب وقالت بصوت متقطع مشفق: — ارتدِ هذا سريعاً… حتى لا يراك أحد بجلدك المتوهج.
التقت أيديهما مجدداً فوق قماش المعطف، فاهتزت ملامح ساهر وعادت الابتسامة تشق صقيع وجهه ببطء ودفء، وبدأ الضوء الدافئ يتدفق إلى جلده من جديد.
أشار إليها بحركة هادئة أن تتبعه للابتعاد عن عيون الحراس المتربصة... ترددَت إلهام لثوانٍ؛ نظرت خلفها نحو باب بيتها الآمن، ثم تطلعت إلى ساهر وإلى الضوء الذي يرجوها في عينيه... كانت تعلم أن السير معه خطوة واحدة هو اندفاع نحو خطر محقق، لكن الخوف عليه والجذوة التي اشتعلت في صدرها جعلت أقدامها تتحرك خلفه دون قدرة على المقاومة.
انطلقا يركضان بظلال خفيفة، يحتميان بتجاويف الجدران الصخرية للأزقة الباردة. وفجأة، تردد في الممر صدى خطوات عسكرية ثقيلة لدورية حراس تجوب المنطقة.
انحبست أنفاسهما... اندفع ساهر بجسده ليغطيها، والتصقا بالجدران الصخرية في العتمة المطلقة، يراقبان الحراس وهم يمرون على مسافة شبر منهما وتتلألأ دروعهم البرونزية حتى ابتعدوا وراء المنعطف.
التفتت إليه إلهام، ونفسها ما زال لاهثاً... وجذبت طرف المعطف على ذراعه وقالت بنبرة يملؤها الخوف الصادق: — ألوانك ما زالت تفضحك… أرجوك، غطِ جسدك أكثر واحكم الرداء قبل أن يرى الحراس هذا الضوء.
نظر ساهر في عينيها بصمت وامتنان، وعادا يسيران بحذر شديد يتجنبان الطرق الواسعة.
وحين حاولا الالتفاف للعودة، اكتشفا أن الجنود قد أقاموا الحواجز وأغلقوا كافة المنافذ المؤدية لوسط المدينة.
لم يعد أمامهما أي خيار سوى المضي قدماً وسلوك الدرب الغربي النائي؛ هبطا ممر زلقاً بين صخور الجبل، ووصلا إلى طريق الحانات العتيقة الممتد غربا.
وعندما وصلا هناك، تطلعا بقلق الى هذا المكان المحظور على المنطقة الشرقية الوصول اليه ... ومن خلال النوافذ الخشبية المحطمة: رأيا على أحد الجانبين أناساً انطفأت أرواحهم وأجسادهم تماماً، يعيشون في صمت ثقيل بلا نبض وبلا بصر قلب كأشباح هائمة. وعلى الجانب المقابل، كانت هناك حانات يخرج منها ضوء برتقالي مشوه، وتتصاعد منها أصوات رقص صاخب وخمر، لمن باعوا قلوبهم وعواطفهم وعاشوا بلا حب.
دفعهما الرعب البصري لهذا المشهد إلى الإسراع بالركض وتجاوز روائح المكان الصدمية... عبرا بوابات الميناء الصدئة، وانفتحت الأسوار أمامهما، حتى هبطا درباً صخرياً واعراً يقود خارج حدود المدينة ليستقرا أخيراً على شاطئ صخري بعيد ومعزول.
كانت أمواج البحر الهائجة تضرب الصخور السوداء بعنف، بينما تحيط بهما الجبال الشاهقة كحراس يحجبون السماء وتحمي هذا المكان النائي من أعين السلطة.
هناك عند حافة البحر الثائر، استسلمت إلهام لبرودة الهواء، وشعرت أن وجود ساهر يمنحها سكينة أمام المشاعر العاصفة... تراجعت خطوة ونظرت في عينيه بحذر وشغف قائلة بصوت مرتعش: — مَنْ أنت؟ وما حكايتك التي جعلت خطاي تتبعك إلى أقصى الأرض؟
تقدم ساهر نحوها بخطوة هادئة، ونظر إلى ارتباكها بعمق، ثم أجابها بصوت دافئ يخرج من أقصى قلبه: — أنا ساهر… موثق هذه المدينة، والهارب من صقيع قوانينها المعتمة منذ اللحظة التي التقيتك فيها. وقبل أن أخبرك عن خوفي الذي يحوطني… ما اسمك يا مَنْ غيرتِ كل شئ في داخلي؟
أنزلت الفتاة رأسها خجلاً، وسرت حمرة دافئة في وجهها، ثم رفعته والتمعت عيناها ببريق مضيء: — اسمي إلهام.
اقترب منها ساهر أكثر، وشعر بأنفاسها، ثم همس بصوت خفيض: — أتعلمين أن حياتي تغيرت منذ الثانية الأولى التي رأيتك فيها؟ أخبريني يا إلهام… كيف جعلتِ جسداً بارداً كالحجر يتدفق فيه النبض ويشعر بنور الشمس؟ ... كيف جعلتِني أخرج من سجني؟
تراجعت إلهام خطوة لترد أنفاسها، وبدأ جلدها يفشي سرها؛ إذ سرت فيه تموجات وردية دافئة تجيب همسه قبل أن ينطق لسانها.
أدار ساهر وجهه بهدوء، وأخذ خطوة للوراء ليمنحها مساحة لتنفسها، ثم استند بظهره إلى صخرة سوداء قريبة، ونظر إلى امتداد البحر المظلم وهو يتحدث بالشجن:
—أتعلمين إن سجني يا إلهام بدأ منذ زمن بعيد… حين أقسمت أمام الحكماء أن أقتل النبض في صدري وأحمي نفسي من مظلمة العشق. كنت أظن البرودة أمناً، وأن القلب إذا أحب فقد الحقيقة والحياه.
اقتربت منه إلهام بخطوة هادئة، وتسمرت عيناها على وجهه، ثم قالت بنبرة حنون: — أكل هذا الثمن تدفعه من أجلي يا ساهر؟ ... أمن قسوة القانون تهرب معي إلى هذا الظلام... أم أنك تهرب من صقيع سنواتك القديمة؟
أدار ساهر عينيه نحوها، وانعكس الوهج الدافئ في عينيه وهو يواصل بحسم: — أهرب من خوف قديم زرعه الظلام في روحي… إن سجني يا إلهام بدأ منذ زمن بعيد… مع أبي.
اقتربت منه إلهام بخطوة هادئة، وتسمرت عيناها على وجهه وهو يتابع صمت الموج، ثم أكمل بمرارة هادئة: — بعد رحيل أمي، صرنا أقرب من مجرد أب وابن. كنا صديقين يتقاسمان وحشة البيت وصمته. كان يجلس معي، يفتح لي خبايا صدره ويحكي لي عن أيامه كأنني مرآته. ومن بين كلماته عرفتُ أنه لم يكن هذا الرجل البارد دائماً؛ ففي شبابه، كان عاشقاً يفيض قلبه بالنور لامرأة جعلته يذوب في حبها، لكنها تركته وغادرت، مما أصابه بانطفاء حادّ في روحه وفي جلده.
ارتجف الضوء الدافئ على وجنتي إلهام، وتسللت يدها ببطء نحو كفّه لتلامس أطراف أصابعه بحنان، كأنها تعتذر له نيابة عن ذلك الماضي.
تنهد ساهر وتطلعت عيناه إلى الأفق البعيد: — قاوم أبي ليستعيد توازنه، لكنّ تلك القسوة تحولت بمرور الزمن إلى سجن حصين... كان كلّما تذكرها، يضحك ضحكة جافة وساخرة من نفسه… كأنّه يعاقب قلبه على كلّ لحظة صدق عاشها... وكان يكرر على مسامعي دائماً قانوناً مرعباً يزن به المشاعر، ويقول فيه:
" الحبُّ الأولُ يدومُ، والثاني انتقامٌ، والثالثُ إما استقرارٌ أو دمارٌ" .
ورأيت بعينَيّ كيف تحولت حياته إلى جحيم وانتقام من ذاته بعد أن فقد حبّه الأول، فاستبدّ بي الرعب الشديد من أن ألقى مصيره، أو أن ينتهي بي المطاف غارقاً في حزن لا ينتهي.
صمت لثوانٍ، ثم قال وهو ينظر إلى أضواء مدينته البعيدة بنبرة يملؤها الحزن: — لذلك هربت من قدري، وقبلت أن أكون موثقاً لأحمي نفسي...
جعلت جلدي بارداً كالقانون، وريشتي لا تعرف النبض... كان سجني هو قسمي الذي أعيش به… لكنّني اليوم، وأنا أقف أمامكِ، أدركت أن كل السطور التي دونتها طوال عمري كانت سطوراً ميتة ورماداً، لأنّها لم تُكتب بصدق القلب ونبضه.
النور الذي سرى في جلدي معك يا إلهام قتل الخوف في صدري… والأجندة والريشة اللتان شهدتا هذا التوهج لن تسجلا البرودة بعد اليوم، ولن أعود إلى ذلك الصقيع أبداً.
فى تلك اللحظة رفعت الجدة كفها بهدوء عن الغلاف الداكن للأجندة السوداء... وانطفأ اللمعان القرمزي، وتلاشت صخور الشاطئ وهدير البحر، لتعود عتمة الغرفة الخشبية العتيقة تفرض حضورها.
نظرت نورا إلى جدتها بأنفاس محبوسة تنتظر بشغف بقية الحكاية.
مررت الجدة أصابعها فوق الغلاف الجلد المغلق، وقالت بصوت يحمل ثقل عمر السنين وصدى الماضي: — هنا يا صغيرتي… انتهت الخطوة الأولى ورقصة الأرواح المشتاقة فوق الصخور الباردة.
وبدأت الحرب الحقيقية الكبرى بين صدق النبض وقسوة قانون المدينة… حرب لن تترك أي طريق للرجوع.
الفصل الرابع: صمت الحاناتتنهدت نورا بعمق يملؤه الشجن، ونظرت بلهفة إلى الجدة وقالت: — كان يحبك جداً يا جدتي..لم تنطق الجدة بحرف، بل اكتفت بابتسامة هادئة... ومع تلك الابتسامة، بدأ بريق جسدها يزداد تموجاً، حتى غمر الغرفة كلها... والتف النور حول الفتاة وذابت فيه بلا خوف، إلى أن انقشعت العتمة رويداً رويداً ليعود الصباح بأنواره الجديدة.مع انبلاج الصباح، فرغ ساهر من مراجعة خرائط المدينة، ثم وقف أمام النافذة يتأمل الطريق الممتد نحو الغرب.كان يعرف أن شهراً واحداً يفصله عن الحكم النهائي، وأن كل خطوة يخطوها ستحدد مصيره ومصير إلهام. طوى الخرائط ووضعها داخل حقيبته، ثم ارتدى عباءته الفضية وأحكم إغلاقها، وانطلق نحو أول طريق للمنطقة الغربية.تجاوز ساهر حواجز الجنود الصارمة بعد أن تحققوا من هويته. وبمجرد عبوره، تراجعت أصوات المدينة خلفه، وارتفع صوت الريح بين صخور الجبل.بعد مسافة قصيرة، وصل إلى مبنى منخفض تعلوه لافتة خشبية قديمة.توقف للحظة، وضربات قلبه تتصاعد؛ فهذه هي المرة الأولى في حياته التي سيطأ فيها بقعة اعتبرها القانون موتاً حتمياً. دفع الباب الخشبي الثقيل ودخل.استقبلته القاعة بهواء ثقيل ل
الفصل الثالث: أسير الحبفتحت نورا عينيها ببطء، كأنها تطرد بقايا هدير البحر من أذنيها... ونظرت إلى يد جدتها المستقرة على غلاف الأجندة السوداء... انحبست الأنفاس في الغرفة لحظة طويلة، ثم سألت بصوت مرتجف: — ألم تخافي يا جدتي بعد أن عرفتِ قانون والده الذي دمر حياته؟أمالت الجدة إلهام رأسها، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة، ثم قالت بصوت خفيض: — الخوف يا صغيرتي هو أسرع ما يدفع الأقدام للفرار… أو يدفع القلوب للجنون. انظري كيف تكلم الخوف فوق صخور ذلك الشاطئ البارد…زفرت الجدة، فامتد صوت نفسها الطويل في الغرفة، وتحول فجأة إلى هدير أمواج تكسر صمت الجبال الصخرية...عادت إلهام تنظر إلى ساهر عند حافة البحر… رأت التموجات الملونة في جلده تتراقص بعنف، تفضح حبه وتعلن تمرده على قوانين المدينة. أدركت في تلك اللحظة أن هذا النور النابض الذي تراه بقلبها سيجعل أهل المدينة لا ترحمه ؛ فسيرونه متمرداً خالف ميثاق الموثقين، وسيكون عقابه الموت.شعرت برعب خاطف عليه، والتفتت نحو الأفق الخالي خلف الأسوار، واندفعت قائلة بلهفة: — ساهر… أنا أرى حبك وصدق مشاعرك في هذا النور، ولن يراها أحد غيري هكذا... هم سيرونك متمرداً خ
الفصل الثاني: الأجندة السوداءبعد سنوات طويلة في غرفة خشبية دافئة ، كانت نورا تضع رأسها على قدمي جدتها، وتلعب بأطراف ثوبها القرمزي .رفعت نورا وجهها وقالت بدلال: — جدتي... احكي لي عن جدي ساهر. كيف بدأت حكايتكما؟ابتسمت الجدة إلهام، وبدأ ضوء خفيف يشع من عينيها المنطفئتين، وازداد لمعان جلد يديها حتى غمر المكان. مدت يدها المرتعشة وسحبت من تحت وسادتها الأجندة الجلدية السوداء المغلقة - نفس الأجندة التي سقطت من يد ساهر بين الصخور يومها.مررت كفها فوق غلاف الأجندة الداكن، فانبعث منه وميض قرمزي أذاب جدران الغرفة، لتستعيد الذكرى تلك اللحظة المفصلية حين فتحت باب بيتها العتيق، لتجد الغريب واقفاً في العتمة...وحينها توقفت أنفاس إلهام وساهر... ولم يعد هناك مكان للكلمات بينهما.لم يكن مجرد لقاء بين عابرين، بل كان حباً خاطفاً نبت من النظرة الأولى؛ شرارة مقدسة ولدت في ثانية واحدة لتعيد تشكيل أربعمائة عام من جمود المدينة. أدرك كلاهما في رمشة عين أن مقدرهما قد حُسم، وأن كل سنوات الحرمان لم تكن سوى انتظار لهذه اللحظة الخاطفة.تلاشى الزمن كأنه لم يكن، واختصرت الدنيا أبعادها في تلك النظرة الأولى الفريدة ع
*** مدينةُ الأطياف *** الفصل الأول: العمى المقدسأنفاس متلاحقة تقطع صمت الشوارع الضيقة، وأصوات أقدام ثقيلة تلاحق الظلال الخائفة على الجدران... لم تسعفه العتمة ولا الممرات الملتوية؛ فخلف المنعطف الأخير اعترضت طريقه أجساد الحراس المسلحين، وانقضوا عليه ليغلقوا القيود الحديدية حول معصميه.سحبوه إلى وسط الساحة الكبرى لمدينة الأطياف، حيث تجمعت الجموع لتشهد عقاب من خالف القانون القديم... وفي أعلى المنصة، كانت المقصلة الفضية تلمع كعين لا تعرف الرحمة.دفعوه بعنف فسقطت ركبتاه على الخشب الصلب... والتفت إليه قائد الحراس بابتسامة ساخرة وقال: — أرنا يا بطل، كيف سينقذك الحب اليوم؟!شعر ساهر ببرودة الحديد فوق عنقه... وحين رفع عينيه بين الزحام، التقت نظراته بعين واحدة يعرفها بقلبه قبل بصره: عيني إلهام... كانت تقف بين الظلال، جلدها يتوهج ببريق قرمزي حزين وجسدها يرتجف خوفاً وشوقاً.وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، اشتعل النبض في جسده وتغيرت ألوانه المنطفئة... وتمنى لو يعود به الزمن ليختار هذا المصير ألف مرة، ما دامت صورتها هي الأخيرة التي ستنطبع خلف جفنيه...قبل ثمانية وعشرين يوماً...في مدينة







