Home / الرومانسية / مدينةُ الأطياف / الفصل الثالث: أسير الحب

Share

الفصل الثالث: أسير الحب

Author: Osama Ebrahim
last update publish date: 2026-10-18 22:12:33

الفصل الثالث: أسير الحب

فتحت نورا عينيها ببطء، كأنها تطرد بقايا هدير البحر من أذنيها... ونظرت إلى يد جدتها المستقرة على غلاف الأجندة السوداء... انحبست الأنفاس في الغرفة لحظة طويلة، ثم سألت بصوت مرتجف: — ألم تخافي يا جدتي بعد أن عرفتِ قانون والده الذي دمر حياته؟

أمالت الجدة إلهام رأسها، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة، ثم قالت بصوت خفيض: — الخوف يا صغيرتي هو أسرع ما يدفع الأقدام للفرار… أو يدفع القلوب للجنون. انظري كيف تكلم الخوف فوق صخور ذلك الشاطئ البارد…

زفرت الجدة، فامتد صوت نفسها الطويل في الغرفة، وتحول فجأة إلى هدير أمواج تكسر صمت الجبال الصخرية...

عادت إلهام تنظر إلى ساهر عند حافة البحر… رأت التموجات الملونة في جلده تتراقص بعنف، تفضح حبه وتعلن تمرده على قوانين المدينة. أدركت في تلك اللحظة أن هذا النور النابض الذي تراه بقلبها سيجعل أهل المدينة لا ترحمه ؛ فسيرونه متمرداً خالف ميثاق الموثقين، وسيكون عقابه الموت.

شعرت برعب خاطف عليه، والتفتت نحو الأفق الخالي خلف الأسوار، واندفعت قائلة بلهفة: — ساهر… أنا أرى حبك وصدق مشاعرك في هذا النور، ولن يراها أحد غيري هكذا... هم سيرونك متمرداً خالف القسم! ليس أمامنا حل آخر... يجب أن نهرب الآن، نترك هذه المدينة وقوانينها خلف ظهرنا، ونرحل إلى مكان لا يعرفنا فيه أحد.

توقفت الكلمات في الهواء البارد، وخطا ساهر نحوها، وأمسك كتفيها بكفيه بحنان ونظر في عينيها بحزن عميق وقال: —

الهروب وهم يا إلهام... أنتِ تغفلين عن ميثاق المدينة الأسود... فالقوانين هنا لا تعاقب الفارين وحدهم… بل تمسح نور العائلات أيضاً... إذا هربنا، سيتحول والدي المكسور، وأهلكِ أنتِ، إلى أجساد باهتة يعيشون كالأشباح... الحب يا إلهام مواجهة… والفرار انتحار لمن نحب.

ارتجفت إلهام وسقطت دموعها دافئة على يديه، وقالت بصوت يمزقه الخوف عليه: — لكنك بهذا تعرض نفسك للموت! وسيعتقلونك، وقد تواجه العمى والنفي وحدك عندما يكتشفون أنك وقعت في الحب… فلن يدعوك حتى في الحانات المنطفئة. أخبرني… كيف لي أن أعيش في هذه الدنيا بدونك؟

مسح ساهر دمعتها بإصبعه برفق، وقال بيقين هادئ: — لن يمسني سوء... اسمعيني جيداً… يجب أن تعودي الآن إلى بيتكِ، ولا تظهري شيئاً واتركي لي هذه المواجهة... سأنزل إلى المدينة وأصنع نجاة لم يحسب لها أحد حساباً.

كانت لحظة مصير كاملة راهن فيها ساهر على حبه وحياته.

نظرت إليه بذهول، وحاولت أن تفهم، لكن إصراره الحاسم دفعها للتحرك، فاستدارت ورحلت بخطوات باكية نحو بيتها.

بقي هو وحيداً يرقب ألوانه المتذبذبة، وأحكم إغلاق معطف والدها على جسده، ثم نزل من طريق الجبل متجهاً إلى قلب الصراع.

مر وقت طويل قبل أن يصل إلى أطراف المدينة... وما كاد يخطو داخل أول زقاق مأهول حتى اعترض طريقه حراس الدورية...

وقفوا في البداية باحترام واستعداد ليؤدوا التحية للموثق المعروف، لكن مع تحرك ذراعه، انحسر كم المعطف الثقيل، فرأت أعينهم المحملة بالشك شيئاً يكسر العتمة... تموجاً ملوناً يتسرب من معصمه.

ارتعش الحراس وتراجعوا خطوة إلى الخلف بذهول، ثم تبادلوا النظرات، وانقضوا عليه فجأة وقبضوا عليه بعنف، وقيدوه بالسلاسل قبل أن يتمكن من النطق بكلمة.

تمزق صمت الطرقات بصدى السلاسل وصيحات الحراس... فتح السكان أبوابهم وخرجوا من البيوت يستطلعون مصدر الجلبة المفاجئة، ليصدموا بمشهد "الموثق" مقتاداً كالمتمردين.

خرجت إلهام مع أهلها وسط الحشد المندهش، فانقبض صدرها حين أبصرته بين الجنود... حاولت الاقتراب منه بلهفة، لكنه بإشارة خفية من عينيه جعلها تثبت في مكانها. فرفعت وشاحها لتخفي دموعها وتغير ألوان جلدها.

ساقوه وسط هتاف الناس ونظراتهم الجافة، حتى أودعوه زنزانة الاحتجاز الباردة تحت حراسة مشددة، بعد أن صادروا ريشته العاجية وأجندته الجلدية.

ومع إشراقة الصباح التالي، أعلن عن انعقاد جلسة المحاكمة الطارئة.

أخرج ساهر من عتمة السجن ليقف في منتصف قاعة المحكمة الكبرى ذات الجدران الفضية الباردة، أمام الحكام والقضاة الذين تصدروا مصاطبهم.

كانت ريشته وأجندته موضوعتين على الطاولة أمامهم. وقف القاضي عاصم وشقت المكان كلماته الهادرة: — أيها الموثق… كيف تجرؤ على تدنيس قسم الموثقين بجلدك؟ لمَ تتذبذب ألوانك كالمتمردين؟

تنحنح ساهر بثبات هادئ ورفع رأسه ونظر إلى عيونهم الصارمة... لم يكن في عينيه خوف المذنبين، بل مكر من يعرف ثغرات القانون، ويعلم جيداً أن تذبذب ألوانه الفضية أمامهم ليس دليلاً ثابتاً على خيانة العهد… بل هو المفتاح الذي سيخدع به عقولهم.

أخذ نفساً عميقاً ثبت به رعشة جسده، وتعمد أن يبسط كفيه أمامهم ليروا التموجات الملونة وهي تتحرك فوق جلده بتناسق غريب، كأنه يشرح لهم علة عملية أصابته لا ذنباً ارتكبه.

تقدم خطوة واحدة جعلت أنظار القضاة تتجمّد على معصمه الملون، ثم نطق بكلمات رصينة صنعت فجوة في جدار صمتهم البارد: — منذ اللحظة التي تخرجت فيها وأديت القسم أن أحمي هذه المدينة، وأن أوثق كل شيء دون أن أتغاضى عن أي أمر… وهنا كانت المشكلة في التزامي بالقسم الذي أقسمته.

فأنا لأول مرة وجدت أقدامي تأخذني إلى أبعد مكان لم تكتب عنه أي أحداث من قبلُ… منطقة الحانات المحظورة.

سرت في القاعة همهمة مذعورة، وتبادل الحكام والقضاة نظرات صدمة وذهول، وتهامس الجالسون في ذعر بعد أن نطق ساهر باسم المكان المحرم علانية.

هوت مطرقة القاضي عاصم على المنصة خبطات حادة زلزلت المكان وأعادت الصمت المثقل بالرهبة.

أكمل ساهر بنبرة رصينة ومكر هادئ: — عندما وصلت إليها وبدأت أكتب عنها، بدأ لون جسدي الفضي يتغير إلى هذه الذبذبات من الألوان التي تراها أعينكم الآن... لقد حدث هذا بسبب دقة التوثيق وتأثير ظاهرة المكان الغريبة… لا خيانة العهد.

خيم على قاعة المحكمة صمت مصحوب بذهول.

فالقضاة لم يروا في تاريخ المدينة مثل هذا التموج المنظم من قبل... وفجأة كسر هذا الصمت أحد المحكمين ووقف بصوت جهوري غاضب: — لماذا ذهبت إلى هناك؟ كان لا يجوز لك أن…

وقبل أن يكمل جملته، ألقى القائد مراد نحوه نظرة حادة كالحديد، فتلعثم المحكم وتراجع بارتباك... صعد صوت محكم آخر مقاطعاً وهو ينظر لجسد ساهر بفضول: — يجب أن يسجن حتى ندرس ما يحدث.

هذه حالة جديدة على مدينتنا ويجب أن نفهمها جيداً.

ارتفع صوت محكم ثالث بخوف : — كان يجب أن نعزل هذا المكان كلياً عن مدينتنا! إنه سوف يدمر كل قوانيننا إذا اقترب منا.

كل هذا الصخب يحدث وساهر يقف صامتاً في منتصف القاعة، ينظر إليهم بعيون ثاقبة، حتى صمتت كل الأصوات فجأة مع ضربات قوية من مطرقة القاضي عاصم.

نظر القاضي إلى ساهر بعينين ضيقتين تملأهما الحيرة والوعيد، وقال له: — وما الذي كتبته يا ساهر عن هذه الحانات؟

أجابه ساهر بهدوء ومكر: — يا سيدي… لم ألحق أن أكتب الكثير، لكنني رأيت الكثير... ولكي أستطيع أن أقدم لكم تقريراً كاملاً يليق بمجلسكم الموقر، فإنني أحتاج إلى وقت للرصد والتوثيق.

ضغط القاضي عاصم على قبضة يده، وصمت قليلاً يفكر في خطورة الموقف، ثم نظر إلى المحكمين وأعلن قراره: — نظراً لخطورة هذه الظاهرة، سوف ننتظر إلى الغد للنطق بالحكم النهائي.

ويبقى الموثق قيد الاحتجاز ليلته حتى نتخذ القرار.

بعد أن أخرج ساهر إلى زنزانة الاحتجاز المؤقتة، وأخليت قاعة العامة، انتقل المجلس إلى الغرفة الجانبية المغلقة. ساد المكان زلزال من الغضب والرعب. وقف القاضي عاصم في المنتصف، يشير بيده المرتجفة غضباً نحو الحكام المجلسين حول الطاولة الكبرى، وارتفع صوته هادراً: — أتدركون هول ما نطق به هذا الموثق؟! ... إنه لم يرتكب خطأ عادياً، بل كسر أقسى قوانين المدينة وأكثرها حرمة!

الوصول إلى بقعة الحانات جريمة كبرى لا تغتفر، خرق صريح للميثاق يستوجب الإعدام الفوري أو النفي الأبدي إلى المحاجر بلا تردد!

ارتفعت أصوات الحكام والمحكمين بين الذهول والخوف... وضرب أحدهم المكتب بقبضته: — القاضي عاصم على حق!

كيف نسمح لرجل يدعي التوثيق أن ينتهك الحدود المحظورة؟!

إن مس هذه البقعة يهدد قوانين المدينة كلها، ولو سكتنا عنه اليوم فسيتجرأ غيره غداً!

قال حاكم آخر بنبرة خائفة: — لكن الرجل يقف أمامنا بجسد تغيرت ألوانه بالفعل.

أي قرار بنفيه أو قتله سريعاً دون أن نفهم ما جرى قد يثير بلبلة كبرى بين السكان، خصوصاً أنه الموثق المعروف لديهم!

اشتد النقاش وتعالى الصخب بين المنادين بالتصفية العاجلة، وبين الخائفين من تبعات القضاء عليه صباحاً، حتى قام القائد مراد من مقعده بهدوء حاسم... فسكنت القاعة لهيبته.

مرر القائد مراد نظره الساكن بين الحكام والقاضي عاصم، ثم قال بصوت هادئ يملؤه الثبات: — أيها الحكام… جريمة خرق القانون ثابتة لا نزاع فيها، والجرم كبير يستوجب العقاب.

لكن التسرع بنفيه أو قتله في هذه اللحظة أمام الناس لن يحمي المدينة، بل سيجعل الجميع يتساءلون أكثر.

انحنى قليلاً نحو الطاولة متابعاً: — ساهر يدعي أن هذا التغير ناتج عن دقة التوثيق وما رآه هناك.

الحل الأكثر حكمة أن نمنحه المهلة التي طلبها، ونفرض حصاراً عسكرياً مشدداً حول البقعة المحظورة والجبل كله، كي لا تسول لنفس أحد من السكان محاولة الاقتراب منها.

بهذه الطريقة نكون قد حصرنا الخطر تماماً، ونمنح أنفسنا فرصة لنعرف ما الذي يخفيه حقاً وما الذي رآه هناك… قبل أن ننفذ فيه حكمنا النهائي.

تبادل القضاة والحكام النظرات. وهز القاضي عاصم رأسه بعد أن أدرك منطقية الموقف أمام المجلس، وقال بصوت هادئ: — ليكن إذن… نعلن غداً المهلة والحظر أمام ساحة المدينة.

انفضت الحشود الغاضبة من الساحة مع حلول الليل. عاد الجميع إلى بيوتهم يملؤهم الفضول والخوف، عدا إلهام؛ لم تغادر مكانها قط وبقيت شاخصة طوال الساعات المظلمة، تلتحف وشاحها وتقاوم صقيع المدينة، وعيناها معلقتان بباب المحكمة المغلق، تنتظر مصير قلبها.

داخل غرفة الاحتجاز المظلمة، قضى ساهر ليلته مطوقاً بالصمت. جلس يفكر، يحلل، ويحدد في جدران عقله ثغرة أو حلاً ينقذه، لكن كل الأفكار كانت تتصادم وتستسلم أمام جبروت القوانين... وعندما أعياه البحث، ترك عقله يستسلم، وأغمض عينيه وخياله يعود إلى أجمل اللحظات مع إلهام. تذكر ضحكتها، ودفء نظراتها، وتموج ألوانها الخفية التي جعلت جسده ينبض بالحياة.

وظل هكذا يغزل طيفها في عتمة زنزانته إلى أن غفت عيناه.

ومع شروق شمس اليوم التالي، تجمهر الناس وعادت الحشود لتملأ الساحة ترقباً... فتحت الأبواب الضخمة، وأخذوا ساهر ليقف أمام مصطبة القضاة.

نظر القاضي عاصم إليه بصرامة ونطق بحكمه الحاسِم: — أمامك شهر واحد من الآن لتأتي لنا بكل شيء عن هذه الحانات التي تسببت في تغيير لونك.

بموجب هذا الحكم، فسوف تتوقف تماماً عن توثيق أي أحداث داخل المدينة، ويُمنع عليك التواصل مع أهلها. تبقى في بيتك، ولا يُسمح لك بالتحرك إلا في خط السير المحدد نحو منطقة الحانات فقط... ويُفرض حصار عسكري مشدد حول البقعة المحظورة والجبل. فكوا قيود ساهر حالاً.

تقدم الحراس وفكوا السلاسل عن معصميه... وخرج القاضي من القاعة بخطى سريعة، وعلى الفور تعالت الصيحات والهمسات بين المارة والحشود بعد سماع هذا القرار الصادم الذي جعل ساهر حراً… لكنه حر داخل سجن الرقابة والحصار.

وبمجرد أن خرج ساهر من باب المحكمة الكبرى حراً ومفكوك القيود، تراجع الناس وتفرقوا سريعاً من أمامه خوفاً من لعنة ألوانه المتذبذبة.

في تلك اللحظة، التقت عيناه بعيني إلهام الشاحبتين من السهر والانتظار الطويل أمام الباب.

كان لقاءً صامتاً بين عينين تحملان السر نفسه؛ نظرة واحدة اختصرت الخوف والراحة، وأخبرت كلاً منهما أن الآخر بخير. لم ينطقا، ولم يخطُ أحدهما نحو الآخر خوفاً من أعين الحراس، بل استدارت هي نحو بيتها بقلب يرتجف أملًا، ومضى هو في طريقه بخطى هادئة يزن بها خطوات الغد.

انقضت ساعات النهار المتبقية ببطء شديد، حاملة معها صمت المدينة المثقل بالرقابة والحذر، حتى سقطت خيوط الظلام الأولى وتسلل المساء البارد ليغمر الأزقة.

جلست إلهام في غرفتها، ولأول مرة منذ نشوب هذه الأزمة، غمرتها سعادة دافئة أنستها كل تعب الليلة القاسية.

جلست بجوار الشباك الخشبي تنظر إلى السماء الباردة، وتبتسم خفية لنجاة حبيبها، وتشعر بنبض ألوانها يتموج خلف معصمها بأمان… كأنه يعترف بانتصار الحب.

وفي الجانب الآخر من المدينة، كان ساهر قد دخل بيته وأغلق الباب خلفه بإحكام... لم يستسلم للنوم رغم إرهاقه الشديد... وجلس في عزلته الصامتة، يشعر بحيرة ثقيلة تملأ رأسه:

كيف يستغل هذه المهلة التي انتزعها بمكره؟ ومن أين يبدأ؟

كل فكرة تصطدم بجدار الرقابة، وكل طريق يبدو مغلقاً. لم تكن لديه خريطة، ولا خطة جاهزة، لكن بذور الشك التي غرسها في عقول الحكام كانت خياره الوحيد للنجاة.

أغمض عينيه واستند إلى الجدار الفضي البارد، جاهلاً أن هذا الطريق الذي اختاره بمكره ليصنع به نجاة مؤقتة… لم يكن سوى أولى خطواته نحو الهلاك.

***

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مدينةُ الأطياف   الفصل الرابع: صمت الحانات

    الفصل الرابع: صمت الحاناتتنهدت نورا بعمق يملؤه الشجن، ونظرت بلهفة إلى الجدة وقالت: — كان يحبك جداً يا جدتي..لم تنطق الجدة بحرف، بل اكتفت بابتسامة هادئة... ومع تلك الابتسامة، بدأ بريق جسدها يزداد تموجاً، حتى غمر الغرفة كلها... والتف النور حول الفتاة وذابت فيه بلا خوف، إلى أن انقشعت العتمة رويداً رويداً ليعود الصباح بأنواره الجديدة.مع انبلاج الصباح، فرغ ساهر من مراجعة خرائط المدينة، ثم وقف أمام النافذة يتأمل الطريق الممتد نحو الغرب.كان يعرف أن شهراً واحداً يفصله عن الحكم النهائي، وأن كل خطوة يخطوها ستحدد مصيره ومصير إلهام. طوى الخرائط ووضعها داخل حقيبته، ثم ارتدى عباءته الفضية وأحكم إغلاقها، وانطلق نحو أول طريق للمنطقة الغربية.تجاوز ساهر حواجز الجنود الصارمة بعد أن تحققوا من هويته. وبمجرد عبوره، تراجعت أصوات المدينة خلفه، وارتفع صوت الريح بين صخور الجبل.بعد مسافة قصيرة، وصل إلى مبنى منخفض تعلوه لافتة خشبية قديمة.توقف للحظة، وضربات قلبه تتصاعد؛ فهذه هي المرة الأولى في حياته التي سيطأ فيها بقعة اعتبرها القانون موتاً حتمياً. دفع الباب الخشبي الثقيل ودخل.استقبلته القاعة بهواء ثقيل ل

  • مدينةُ الأطياف   الفصل الثالث: أسير الحب

    الفصل الثالث: أسير الحبفتحت نورا عينيها ببطء، كأنها تطرد بقايا هدير البحر من أذنيها... ونظرت إلى يد جدتها المستقرة على غلاف الأجندة السوداء... انحبست الأنفاس في الغرفة لحظة طويلة، ثم سألت بصوت مرتجف: — ألم تخافي يا جدتي بعد أن عرفتِ قانون والده الذي دمر حياته؟أمالت الجدة إلهام رأسها، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة، ثم قالت بصوت خفيض: — الخوف يا صغيرتي هو أسرع ما يدفع الأقدام للفرار… أو يدفع القلوب للجنون. انظري كيف تكلم الخوف فوق صخور ذلك الشاطئ البارد…زفرت الجدة، فامتد صوت نفسها الطويل في الغرفة، وتحول فجأة إلى هدير أمواج تكسر صمت الجبال الصخرية...عادت إلهام تنظر إلى ساهر عند حافة البحر… رأت التموجات الملونة في جلده تتراقص بعنف، تفضح حبه وتعلن تمرده على قوانين المدينة. أدركت في تلك اللحظة أن هذا النور النابض الذي تراه بقلبها سيجعل أهل المدينة لا ترحمه ؛ فسيرونه متمرداً خالف ميثاق الموثقين، وسيكون عقابه الموت.شعرت برعب خاطف عليه، والتفتت نحو الأفق الخالي خلف الأسوار، واندفعت قائلة بلهفة: — ساهر… أنا أرى حبك وصدق مشاعرك في هذا النور، ولن يراها أحد غيري هكذا... هم سيرونك متمرداً خ

  • مدينةُ الأطياف   الفصل الثاني: الأجندة السوداء

    الفصل الثاني: الأجندة السوداءبعد سنوات طويلة في غرفة خشبية دافئة ، كانت نورا تضع رأسها على قدمي جدتها، وتلعب بأطراف ثوبها القرمزي .رفعت نورا وجهها وقالت بدلال: — جدتي... احكي لي عن جدي ساهر. كيف بدأت حكايتكما؟ابتسمت الجدة إلهام، وبدأ ضوء خفيف يشع من عينيها المنطفئتين، وازداد لمعان جلد يديها حتى غمر المكان. مدت يدها المرتعشة وسحبت من تحت وسادتها الأجندة الجلدية السوداء المغلقة - نفس الأجندة التي سقطت من يد ساهر بين الصخور يومها.مررت كفها فوق غلاف الأجندة الداكن، فانبعث منه وميض قرمزي أذاب جدران الغرفة، لتستعيد الذكرى تلك اللحظة المفصلية حين فتحت باب بيتها العتيق، لتجد الغريب واقفاً في العتمة...وحينها توقفت أنفاس إلهام وساهر... ولم يعد هناك مكان للكلمات بينهما.لم يكن مجرد لقاء بين عابرين، بل كان حباً خاطفاً نبت من النظرة الأولى؛ شرارة مقدسة ولدت في ثانية واحدة لتعيد تشكيل أربعمائة عام من جمود المدينة. أدرك كلاهما في رمشة عين أن مقدرهما قد حُسم، وأن كل سنوات الحرمان لم تكن سوى انتظار لهذه اللحظة الخاطفة.تلاشى الزمن كأنه لم يكن، واختصرت الدنيا أبعادها في تلك النظرة الأولى الفريدة ع

  • مدينةُ الأطياف    الفصل الأول: العمى المقدس

    *** مدينةُ الأطياف *** الفصل الأول: العمى المقدسأنفاس متلاحقة تقطع صمت الشوارع الضيقة، وأصوات أقدام ثقيلة تلاحق الظلال الخائفة على الجدران... لم تسعفه العتمة ولا الممرات الملتوية؛ فخلف المنعطف الأخير اعترضت طريقه أجساد الحراس المسلحين، وانقضوا عليه ليغلقوا القيود الحديدية حول معصميه.سحبوه إلى وسط الساحة الكبرى لمدينة الأطياف، حيث تجمعت الجموع لتشهد عقاب من خالف القانون القديم... وفي أعلى المنصة، كانت المقصلة الفضية تلمع كعين لا تعرف الرحمة.دفعوه بعنف فسقطت ركبتاه على الخشب الصلب... والتفت إليه قائد الحراس بابتسامة ساخرة وقال: — أرنا يا بطل، كيف سينقذك الحب اليوم؟!شعر ساهر ببرودة الحديد فوق عنقه... وحين رفع عينيه بين الزحام، التقت نظراته بعين واحدة يعرفها بقلبه قبل بصره: عيني إلهام... كانت تقف بين الظلال، جلدها يتوهج ببريق قرمزي حزين وجسدها يرتجف خوفاً وشوقاً.وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، اشتعل النبض في جسده وتغيرت ألوانه المنطفئة... وتمنى لو يعود به الزمن ليختار هذا المصير ألف مرة، ما دامت صورتها هي الأخيرة التي ستنطبع خلف جفنيه...قبل ثمانية وعشرين يوماً...في مدينة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status