Share

مضى قارب التجديف، ولم يبقَ من أهل الأمس أحد
مضى قارب التجديف، ولم يبقَ من أهل الأمس أحد
Author: الولد الثاني

1الفصل

Author: الولد الثاني
أُنزِل القارب الجديد المزيَّن بالورود الحمراء إلى الماء، وتعالت أصوات المزاح والدفع بين الحاضرين.

"سارة، أسرعي واصعدي على متن القارب!"

"يا سارة، لقد مرّت سبع سنوات، وأخيراً ستكللان قصة حبكما بالزواج!"

كانت نبرة شيماء مفعمة بالحماس، وكانت سعيدة من أجلي حقًا.

نزل زياد من القارب تحت أنظار الجميع، ثم اتجه نحوي.

توقف عندي لبرهة قصيرة، ثم مرّ من جانبي.

وتوقف أخيراً أمام مايا، وقال بنبرة خفيفة مدللة: "هذه هدية عيد ميلادك، هل أعجبتك؟"

ساد صمت غريب في المكان.

غطت مايا فمها بكفيها، وامتلأت عيناها بالدهشة والفرح.

تشابكت أيديهما، ثم توجّها معًا نحو القارب.

توقف زياد هذه المرة أثناء مروره بجانبي، ملقياً كلماته ببرود واستهانة: "يا سارة، سأمنح مايا هذا القارب أولاً، والقارب التالي قيدُ البناء بالفعل، فلا تتعجلي."

ترقب البعض المشهد بفضول، بينما تتسمر الأنظار حولي.

ينتظر الجميع بفارغ الصبر أن تشتعل نبرتي الحادة لأفتعل مشاجرة صاخبة.

تأملته بهدوء تام دون أن أبدي أي انفعال.

ونطقت بنبرة حاسمة: "لا داعي لذلك يا زياد."

بدا عليه الذهول للوهلة الأولى، كأنه لم يتوقع مني رد الفعل هذا.

تدخل أصدقاء زياد لمحاولة تدارك الموقف وإصلاح الأجواء بعد أن شعروا بالتوتر: "يا سارة، لا تسيئي الظن، فزياد لم يفعل سوى تلبية أمنية عيد ميلادها!"

"أجل، فالمؤكد أن العروس المنتظرة ستكونين أنتِ وحدك."

استمعت إلى أعذارهم الواهية وكدت أضحك.

أطبقت شيماء على أسنانها بغيظ شديد وهي تقف بجواري.

وأطلقت تمتماتها الغاضبة: "كيف تجرأ زياد على فعل هذا!"

"ألا يعلم يقيناً أن الرجل في قريتنا لا يصنع سوى قارب تجديف واحد طوال حياته؟"

تتسللت مرارة حارقة إلى أعماق صدري.

نعم، في قريتنا، حتى الطفل في الثالثة من عمره يعلم أن الرجل فقط إذا تزوّج مستخدمًا أول قارب صنعه، فإنه يرمز إلى حب يدوم مدى الحياة.

جاء صوتها مختنقًا بجانبي.

"يا سارة، إنني أكاد أختنق قهراً نيابة عنكِ..."

"هي مجرد مساعدة تحاول التسلق، هل أصابه العمى؟"

أدركت أن الأمر يتجاوز حدود المساعدة بكثير، فهي ابنة صديق قديم للعائلة أُوكلت رعايتها إلى عائلة مهران.

ولهذا منحها زياد تفضيلًا لا حدود له.

واصطحبها إلى مختلف المناسبات، وشاركها حتى الهدايا التي كان يقدّمها لي في الأعياد.

بل وحتى قارب الزفاف الذي انتظرته طوال سبعة أعوام، استطاع أن يهديه لها لمجرد تحقيق أمنية عيد ميلاد.

ربّتُّ على يدها برفق: "لم يعد الأمر مهمًا يا شيماء."

وأتمّ الاثنان على القارب مراسم التدشين سريعًا، ثم صعدا إلى الشاطئ.

ولا تزال ابتسامة خفيفة تعلو وجه مايا، إذ اقتربت بخطواتٍ مرِحة، وقالت بنبرتها المعتادة اللطيفة: "سارة، لقد لبّى زيزو أمنية عيد ميلادي فقط، فلا تُسيئي الفهم."

زيزو… يا له من نداءٍ حميم.

وكدتُ أفتح فمي لأتكلّم، لكن قاطعني زياد حين تقدّم وأمسك بكتفي: "سارة، إنه مجرد قارب."

"هناك كثيرون هنا، لا تفتعلي مشكلة."

ظلّت نبرته لطيفة، لكن عينيه حملتا تحذيرًا واضحًا.

"لن أفعل."

تراجعت خطوة إلى الخلف، ثم ابتسمتُ لمايا وأومأت لها: "عيد ميلاد سعيد."

وما إن انتهت كلماتي، حتى خيّم صمتٌ غريب على المكان.

ونظر زياد إلى يده الفارغة، فبدا عليه الذهول لحظة.

أجل، فلو كان الأمر في السابق، لكنتُ قد أحدثتُ ضجّة منذ زمن.

لم تحتمل شيماء ذلك، فرفعت صوتها تسأله بحدّة: "زياد، بعدما منحتها القارب، بماذا تنوي أن تتقدّم لخطبة سارة؟"

"لقد انتظرتك سبع سنوات، أعطِنا جوابًا واضحًا!"

توجّهت أنظار الجميع إليه.

ونظرتُ إليه بهدوء، وقد ارتفع في قلبي أمل صغير وضعيف.

يا زياد، هذه آخر فرصة لك.

مرّت ثانية… ثم ثانية.

وبينما أضغط بأصابعي بقسوة على راحة يدي، وفي اللحظة التي كنت سأنطق فيها لأبرر له الموقف وأختلق له عذراً.

أطلق زياد ضحكة خفيفة، ثم قال بلا مبالاة: "في المرة القادمة، بالتأكيد."

جاءت كلماته خفيفة عابرة، مراوِغة ومليئة بالاستخفاف.

تلاشى آخر خيطٍ من الحب في قلبي، كبالونٍ مثقوب، وانتهت الأمور ببرود وسكون تام.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مضى قارب التجديف، ولم يبقَ من أهل الأمس أحد   الفصل 10

    شعر زياد وكأنه فقد كل قوته، ولم يستطع إلا أن يراقبها وهي تحمل ذلك الوعاء من الحساء، وتدخل إلى ذلك المبنى.وتذكّر الماضي.كان دائمًا لا يتناول الإفطار، وكان كثيرًا ما يعاني من ألم في معدته.فكانت سارة تغيّر طرق إعداد الحساء باستمرار من أجله، فكان كلما عاد من العمل إلى المنزل، كان يجد على المائدة وعاء حساء لم يتكرر أبداً."يا زياد، تعال وتذوّق بسرعة، إنها نكهة جديدة، أضمن لك أن معدتك ستشعر بالدفء!"لكن الآن، ما زال ذلك الحساء يُطهى، لكنه لم يعد من أجله.غطّى زياد وجهه بكفّيه، ولم يستطع بعدها كبح نفسه، فانفجر باكيًا بصوتٍ عالٍ.وحين التقى بسارة مجددًا، كان ذلك بعد خمس سنوات.وبناءً على طلب والدته فريدة، اصطحبته ابنة خالته إلى الخارج.وفي أحد مراكز التسوق، صادف توأمًا من الفتيات الصغيرات.كانتا تتقاسمان سرًا مثلجة واحدة."كلي بسرعة، وإلا ستكتشف أمي!""حان دوري لأقضمها! حان دوري لأقضمها!"شرد زياد في النظر إليهما، لأنهما كانتا تشبهان سارة إلى حد كبير.حتى ناداه الرجل الواقف بجانبه قائلاً: "سيد زياد، يا لها من مصادفة."رفع عينيه، فإذا به لؤي.وفي تلك اللحظة، شعر وكأن الدنيا تدور من حوله.وعل

  • مضى قارب التجديف، ولم يبقَ من أهل الأمس أحد   الفصل 9

    تفرّق الحشد شيئًا فشيئًا، وانتقل العروسان أيضًا إلى المكان التالي للاحتفال.ونظرت مايا إلى زياد الجالس منهارًا على الأرض.ثم قالت بهدوء: "يا زياد، كنتُ أعلم منذ وقت طويل أن سارة ستتزوج اليوم."نظر إليها زياد فجأة، وعيناه مليئتان بعدم التصديق.وسألها: "إذاً، لهذا السبب جعلتِني أرافقكِ طوال هذه المدة؟"أومأت مايا برأسها.وقالت: "أردتُ فقط أن أجعلك ترى بوضوح أنها لا تحبك على الإطلاق!""أنا أحببتك طوال هذه المدة! أنا أنسب لك من سارة!""وأنت أيضًا تحبني، أليس كذلك؟"أغمض زياد عينيه بشدة، وشعر وكأن يدًا خفية تعصر قلبه بعنف.كان يظن أن سارة ستنتظره إلى الأبد.وكان يظن أنها أسهل شخص يمكن إرضاؤه.بل إنه ظن بسذاجة أن وثيقة زواج واحدة قادرة على محو كل ما بدر منه من انحياز لغيرها وخيانته لها.لقد كان أحمق.حين فتح عينيه مجددًا، امتلأتا بالحزم.فقال: "يا مايا، لقد أوفيتُ بما وعدتُكِ به!""لن أكون معك، لقد كنت أعتبرك دائمًا أختًا."حين سمعت مايا هذا، ضحكت بصوتٍ عالٍ.وقالت: "يا زياد، ومن الذي ينام مع أخته؟"خفض زياد عينيه، وقال بصوتٍ أجشَّ: "أنا حقير، اطلبِي ما تشائين.""لكن ما أريده أنا، هو سارة وح

  • مضى قارب التجديف، ولم يبقَ من أهل الأمس أحد   الفصل 8

    أمسكت مايا به من الخلف، وقالت: "يا زياد، اهدأ قليلًا!"لكنه دفعها جانبًا، وبينما كان على وشك أن يواصل الصراخ، أوقفه صوت صارم."زياد."التفت، فإذا بها سهير الشامي.فقالت بحدة: "هل أتيت لتفسد الزفاف؟"فتقدّم زياد نحوها بخطوات واسعة، كأنه تمسّك بآخر قشّة نجاة.وقال: "يا عمة، ما الذي يحدث؟ كيف تكون سارة هنا؟ وأصبحت العروس!"وتابع: "نحن على وشك تسجيل زواجنا بالفعل!"حين سمعت سهير هذا الكلام، ضحكت بسخرية، ورمقت مايا بنظرة ازدراء.وقالت: "سيد زياد، أي مزاح هذا، أليست هذه حبيبتك؟ فأي زواج هذا الذي تريد تسجيله مع ابنتي سارة!"شحب وجه زياد فجأة.خفت صوته قليلًا، وشابه ارتباك لم يلحظه هو نفسه.وقال: "لا ياعمة، أنا أعامل مايا كأخت فقط...""علاقتنا استمرت سبع سنوات!""لقد اتفقت بالفعل مع سارة أن نذهب لتسجيل زواجنا غدًا."ضحكت سهير بصوت عالٍ.وقالت: "وهل تعلم أنت أيضًا أنك أضعت من عمر ابنتي سبع سنوات؟ دعني أسألك، إن كنت تريد الزواج من ابنتي، فأين قارب زفافها؟ على حد علمي، قاربك الأول أهديته بالفعل إلى أختك العزيزة."بدأ عرقٌ خفيف يتصبب على جبين زياد، فحاول أن يدافع عن نفسه.فقال: "الأمر ليس كذلك، لق

  • مضى قارب التجديف، ولم يبقَ من أهل الأمس أحد   الفصل 7

    وفي تلك اللحظة التي كان الغطاء على وشك أن ترفعه الريح، ضغطت عليه وصيفة العروس التي بجانبها فورًا.لكن مع حركتها هذه، استدار وجه الوصيفة، فإذا بها شيماء.كانت شيماء هي أعزّ صديقات سارة.كاد قلبه يقفز إلى حلقه، وتسمّرت عيناه على العروس.كلما نظر إليها، ازداد شعوره بأنها مألوفة للغاية، واجتاحه إحساس قوي بالغرابة.لماذا خطر بباله، ولو للحظة واحدة، أن العروس هي سارة؟هذا أمر سخيف تمامًا!لكن ذلك الشعور الغريب لم يستطع كبحه مهما حاول.قالت مايا بنبرة مرحة وهي تمسك بذراعه: "يا زياد، انظر بسرعة، القارب الأول مليء بأزهار الماغنوليا، إنه جميل جدًا!"كان هذا الصوت كالرعد المكتوم، دوّى في ذهنه.تذكّر كلام قالته سارة من قبل."يا زياد، يوم زفافي، سأملأ قارب زفافي بأزهار الماغنوليا! سيكون فريدًا من نوعه بالتأكيد!"انقبض قلبه فجأة بشدة.مستحيل!مستحيل تمامًا!كيف يمكن أن تكون العروس هي سارة؟كبح زياد بالقوة الاضطراب الذي في أعماقه، وظل يخدع نفسه باستمرار.لكن ذهنه وبدون سيطرة، امتلأ رغمًا عنه بتفاصيل لا حصر لها كان قد تجاهلها.واحدةً تلو الأخرى.كانت نظرتها الهادئة يوم مراسم التدشين، دون بكاء أو افتعا

  • مضى قارب التجديف، ولم يبقَ من أهل الأمس أحد   الفصل 6

    خلال الأسبوع التالي، ظلَّ زياد يرافق مايا باستمرار.ويلبّي مختلف رغباتها.وخلال هذه الفترة، كان زياد أحيانًا يرسل رسائل إلى سارة، لكنها لم ترُدّ عليه أبدًا.وفي مساء اليوم السادس، اصطحبته مايا إلى حفلة مع أصدقائها المقرّبين.طوال الليل، كان زياد شارد الذهن تمامًا.لأن سارة لم تردّ على رسائله منذ مدة طويلة.ولم تكتفِ بعدم الرد، بل لم تسأله كعادتها، متى سيعود.هذا غير طبيعي، هل يُعقل أنها ما زالت غاضبة؟لكنه قال لها بوضوح إنه بمجرد عودته سيذهبان لتسجيل الزواج رسميًا، فماذا بقي لها لتغضب منه؟ثم شرب كأسًا أخرى من الخمر بضيق.وبدأت صديقات مايا بالمزاح.فقالت إحداهن: "حبيب مؤقت لسبعة أيام لطيف للغاية، في رأيي، أي مؤقت هذا، إنه إعلانٌ رسمي عن حب حقيقي!"وقالت الأخرى: "هذا ليس رفقةً عابرة أبدًا، أرى أنكما عاجلًا أم آجلًا ستنتهيان بالزواج في النهاية، فلا أحد يناسبها مثلك!"احمرّت وجنتا مايا، وأسندت رأسها على كتف زياد، وردّت بصوتٍ ناعم: "لا تقلن هذا الهراء."هذا المشهد زاد من ضجيج الهتاف حولهما.لكن أصابع زياد انقبضت قليلًا، فأبعد يدها التي كانت متشبثة بذراعه. وقال زياد: "أنا فقط أحقق أمنية عي

  • مضى قارب التجديف، ولم يبقَ من أهل الأمس أحد   الفصل 5

    بدت بطاقة دعوة الزفاف تلك وكأنها صُنعت خصيصًا من أجله.وكان مكتوب عليها: " لؤي المرشدي يتشرّف بدعوة زميله الأصغر للحضور."وبخلاف ذلك، لا شيء آخر.كان زياد يعرف لؤي، فقد كان زميله الأكبر فترة الجامعة، وكان قد لاحق سارة في ذلك الوقت، إلا أن سارة كانت حينها بالفعل معه.لكن، هل علاقتهما جيدة إلى هذا الحد؟لم يكن لدى زياد أي اهتمامٍ بالأمر، وشعر بشيءٍ من الحيرة الغامضة.فردّ على فريدة بأنه لا وقت لديه.ثم صعد إلى الطابق العلوي.فور دخوله، اندفعت مباشرة إلى حضنه.وقالت: "يا زياد، لقد أتيت أخيرًا!""أنا خائفةٌ جدًا."شعر زياد بنعومة الجسد الملتصق به، فتصلب جسده قليلًا.ولكن عقله ظل يدفعه إلى إبعادها عنه.وقال: "يا مايا، قفي جيدًا أولًا."حين نظر إلى الأسفل، وجد مايا ترتدي قميص نوم وردي رفيع بحمّالتين.كان شعرها الطويل مبللًا ملتصقًا بجانب رقبتها، عيناها محمرتين، وبدت هشّة للغاية.وكأنها لم تسمع، فاقتربت أكثر إلى أحضانه، ومرت أنفاسها الدافئة على عنقه، مما أثار فيه شعورًا خفيفًا بالدغدغة.وقالت: "يا زياد، أنا حقًا خائفةٌ جدًا من الرعد، منذ صغري وأنا هكذا."تحرّكت تفاحة آدم لدى زياد قليلًا.لكن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status