LOGINارتعش جسدي بشدة، وسارعت إلى الاختباء خلف الحائط.
وضعت يدي على صدري، وأخذت أتنفس ببطء حتى يهدأ نبض قلبي. ذلك الرجل... أخوها؟! كيف استطاعت العيش مع شخص يملك تلك النظرة؟ يا إلهي... أشفق على المرأة التي ستتزوجه. أشعر أنه يكفي أن ترفض له طلبًا واحدًا حتى يحدق بها بتلك النظرة المخيفة. لا... لا أريد حتى أن أتخيل الأمر. هززت رأسي بسرعة، وطردت تلك الأفكار، ثم استدرت وأسرعت عائدة إلى الغرفة. ما إن دخلت حتى أغلقت الباب خلفي وأسندت ظهري إليه. تنفست بعمق مرة أخرى، ثم وضعت يدي على وجنتي. "مخيف..." تمتمت بها بصوت منخفض، قبل أن أتجه إلى الأريكة القريبة وأرتمي عليها. أغمضت عيني للحظات، لكن صورته لم تغادر رأسي. تلك العينان الحمراوان... وذلك الهدوء الغريب... حتى إنه لم يقل كلمة واحدة، ومع ذلك شعرت وكأنني ارتكبت جريمة لمجرد أنني نظرت إليه. نفخت الهواء بضيق. "ومن الذي يحدق في الناس بهذه الطريقة أصلًا؟" تمتمت لنفسي، ثم أمسكت إحدى الوسائد واحتضنتها. بعد دقائق، انفتح الباب بهدوء. رفعت رأسي لأجد إيفون تدخل الغرفة، ثم تغلق الباب خلفها. بدت مسترخية، وكأن حديثها مع أخيها لم يستغرق وقتًا طويلًا. ابتسمت وهي تقترب مني. "هل مللتِ من انتظاري؟" هززت رأسي. "ليس كثيرًا." جلست بجانبي وهي تمدد ساقيها أمامها. "اعتذر عن التأخير. ماكسيل أراد الاطمئنان على رحلتي فقط." ساد الصمت بيننا لدقائق، قبل أن نهضت إيفون من مكانها. "هيا." نظرت إليها باستغراب. "إلى أين؟" "اقترب موعد العشاء." ابتسمت وهي ترتب ثوبها. "الجميع بانتظارنا في الأسفل." اختفت ابتسامتي فورًا. "الجميع؟" "نعم." ترددت قبل أن أسأل بحذر: "... وأخوك؟" أومأت ببساطة. "بالطبع. لقد عاد اليوم، ومن النادر أن نجتمع جميعًا، لذلك سيحضر." هززت رأسي بسرعة. "إذًا... لن أذهب." رمشت إيفون عدة مرات، وكأنها لم تسمع جيدًا. "ماذا؟" أعدت كلامي بثقة أكبر. "لن أنزل." اتسعت عيناها بدهشة. "لماذا؟" نظرت إليها بجدية، ثم خفضت صوتي وكأنني أخشى أن يسمعنا أحد. "لأن أخاك مخيف." ساد الصمت لثانيتين. ثم انفجرت إيفون بالضحك. ضحكت حتى اضطرت إلى الإمساك ببطنها، بينما كنت أحدق بها بعبوس. "ما المضحك؟" حاولت التوقف عن الضحك، لكنها فشلت. "أوريليا... هل تتحدثين عن ماكسيل؟" عقدت ذراعي أمام صدري. "ومن غيره؟" تنهدت وهي تمسح دمعة صغيرة من زاوية عينها. "يا إلهي... هذه أول مرة أسمع أحدًا يقول إنه مخيف." حدقت بها بعدم تصديق. "أول مرة؟" "نعم." أشرت نحو الباب. "هل رأيتِ نظراته أصلًا؟" ابتسمت باستغراب. "أي نظرات؟" "تلك النظرة التي تجمد الدم في العروق." لم تستطع منع نفسها من الضحك مرة أخرى. ازدادت عبوسي. "إيفون، أنا أتحدث بجد." أخذت نفسًا عميقًا حتى تهدأ، ثم جلست بجانبي من جديد. "حسنًا... أخبريني ماذا حدث." قصصت عليها ما جرى، منذ لحظة خروجي من الغرفة وحتى استدارته المفاجئة ونظرته نحوي. كنت أقلد ملامحي وقتها، وأحاول وصف مقدار الرعب الذي شعرت به. لكن كلما أكملت جزءًا، كانت إيفون تضحك أكثر. وفي النهاية، وضعت يدها على كتفي. "أوريليا." "نعم؟" ابتسمت بلطف. "أعتقد أنك أسأتِ فهمه." رفعت حاجبي. "أسأت فهمه؟" "ماكسيل لا يحدق بالناس لأنه غاضب." "إذًا لماذا؟" فكرت قليلًا، ثم قالت: "هذه طبيعته منذ كان صغيرًا." حدقت بها في صمت. تابعت وهي تبتسم. "وجهه جاد دائمًا، ونظراته حادة، لذلك يظنه الجميع مخيفًا عندما يرونه لأول مرة." هززت رأسي بعدم اقتناع. "مستحيل." ضحكت. "بل صحيح." أشرت بإصبعي نحوها. "إيفون، لقد نظر إليّ وكأنه اكتشف مجرمة هاربة." ابتسمت ابتسامة واسعة. "ربما لأنه وجد فتاة تتجسس من أعلى الدرج." فتحت فمي، ثم أغلقته. "..." حسنًا... كانت تملك نقطة مقنعة. لكنني لن أعترف بذلك. نفخت خدي باستياء. "حتى لو كنت أتجسس قليلًا، لا داعي لتلك النظرة." ربتت إيفون على رأسي. "صدقيني، لو تعرفتِ إليه، فستغيرين رأيك." رفعت عيني إليها. "هل هو حقًا لطيف؟" ابتسمت بثقة. "ليس لطيفًا فقط... بل حنون جدًا." اتسعت عيناي. "حنون؟" "نعم." لم أستطع إخفاء شكوكي. ذلك الرجل؟ حنون؟ شعرت أن الكلمتين لا تجتمعان في جملة واحدة. لاحظت إيفون تعابير وجهي، فضحكت مجددًا. "أعرف أنك لا تصدقينني." "بصراحة..." تنهدت. "لا." هزت رأسها باستسلام. "لا بأس. ستكتشفين الحقيقة بنفسك مع الوقت." قاطعتها فورًا. "لا، شكرًا." ضحكت. "ما زلتِ ترفضين النزول؟" أومأت بسرعة. "بالطبع." "حتى بعد كل ما قلته؟" "بل خصوصًا بعد كل ما قلته." رفعت حاجبها. "ولماذا؟" تنهدت وأنا أحتضن الوسادة بقوة. "لأنني أخشى أن أخطئ في شيء، فينظر إليّ بتلك النظرة مرة أخرى، ثم لن أستطيع ابتلاع لقمة واحدة." غطت فمها بيدها وهي تكتم ضحكتها. ثم وقفت أخيرًا. "حسنًا." نظرت إليها باستغراب. "لن أجبرك." تنفست الصعداء. "حقًا؟" "نعم." اتجهت نحو الباب، ثم التفتت إليّ بابتسامة صغيرة. "سأطلب من الخدم أن يحضروا العشاء إلى غرفتنا." أشرقت عيناي فورًا. "حقًا؟" "بالتأكيد." ابتسمت براحة، بينما فتحت هي الباب. وقبل أن تخرج، التفتت نحوي مرة أخيرة وقالت وهي تكتم ابتسامتها: "لكنني ما زلت متأكدة أنك بعد فترة ستضحكين على خوفك هذا." أخرجت لساني لها باعتراض. "هذا لن يحدث." هزت رأسها باستسلام، ثم غادرت الغرفة. وما إن أُغلق الباب حتى تنهدت براحة. "و أخيرا !..." تمتمت وأنا أستلقي على الأريكة. "على الأقل لن أضطر إلى الجلوس أمام ذلك الرجل المخيف أثناء العشاء." حسنا ، لقد كانت إيفون محقة في هذا .ساد الصمت للحظات بعد أن وصل الحارس حاملًا الترياق.تراجع ماكسيل خطوة إلى الخلف، ثم خلع عباءته وألقاها فوق أوريليا حتى لا يراها أحد.قال ببرود أعاد الحارس إلى رشده:"ضع الدواء وارحل."انحنى الرجل بسرعة، ووضع القارورة على الأرض، ثم اختفى دون أن يجرؤ على رفع رأسه.التقط ماكسيل القارورة وساعد أوريليا على شربها ببطء. بقيت ترتجف للحظات، ثم بدأت أنفاسها تستعيد انتظامها شيئًا فشيئًا.أغمضت عينيها بتعب وهمست:"كنت خائفة..."رفع يده ومسح خصلة شعر التصقت بوجنتها."لن يقترب منك أحد مرة أخرى."كانت كلماته هادئة، لكنها حملت وعدًا لا رجعة فيه.بعد أن هدأت قليلًا، حملها بين ذراعيه وتوجه بها إلى بحيرة واسعة تختبئ بين الجبال والغابات. كانت مياهها صافية تعكس ضوء القمر كأنها مرآة من الفضة.وقف عند حافة الماء وقال للمرة الأولى:"الماء هنا أنقى من أي مكان في المملكة. سيخفف عنك الإرهاق."نظرت إليه بتردد."وأنت؟"أدار ظهره إليها قبل أن يجيب:"سأنتظرك هناك."وأشار إلى صخرة مرتفعة تبعد مسافة كافية عن البحيرة."لن يقترب منك أحد."ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم دخلت المياه بهدوء.جلس ماكسيل على صخرة بعيدة، وقد أشاح بن
ارتجف جسد أوريليا من لمسته الباردة، واحمرّت أطراف عينيها.قالت بصوت خافت متقطع: "ماكسيل... هل هذا أنت؟"أسندت رأسها إلى كفه، وكأنها وجدت أخيرًا ملاذًا آمنًا.كانت تظن أن الأمر لن يؤثر فيها؛ فمنذ صغرها اعتادت تناول مختلف السموم حتى اكتسب جسدها مقاومة لها، لكنها لم تواجه شيئًا كهذا من قبل، ولم تعرف كيف تتعامل معه.حتى بعد أن غطست في مياه البحيرة الباردة، لم يهدأ اضطراب جسدها.شدّها ماكسيل إليه، ثم تأمل وجهها الشاحب قبل أن يقترب منها. وما إن استنشق أنفاسها حتى تجمد مكانه.اتسعت عيناه ببطء، ثم انعقد حاجباه، وارتسمت في عينيه نظرة قاتمة."أيها الأوغاد..."خرجت الكلمات من بين أسنانه كهمسة تحمل غضبًا مكتومًا. لقد تعرّف فورًا إلى رائحة الدواء العالقة في أنفاسها.تمتمت أوريليا باسمه مرة أخرى بصوت ضعيف: "ماكسيل..."وفي تلك اللحظة، وصل إلى سمعه وقع أقدام الحراس وهم يقتربون.تشبثت بعنقه وهمست برجاء: "أرجوك... أخرجني من هنا."ضمها إليه بحماية، ثم سألها بصوت منخفض، لكنه كان يرتجف من شدة الغضب:"هل تريدين مني أن أقتلهم جميعًا؟ أخبريني فقط... أقسم أنني لن أُبقي منهم أحدًا."هزت رأسها نافية بصعوبة، ولم
جلست أوريليا بهدوء، ثم ألقت نظرة سريعة على الأطباق التي امتلأت بأطعمة لم ترَ معظمها من قبل.لاحظت مارثا ذلك، فابتسمت ابتسامة خفيفة."يبدو أن بعضها غريب عليك."رفعت أوريليا رأسها."إلى حد ما."أشارت مارثا إلى أحد الأطباق."هذا يُصنع من لحم وحش روحي يعيش في بحر الضباب، أما ذلك فيُحضَّر من ثمرة لا تنبت إلا في العالم الثالث."نظرت أوريليا إلى الطبق باهتمام."إذن أنتم تستوردون الموارد من بقية العوالم باستمرار."أومأت مارثا."التجارة بين العوالم أصبحت أسهل بكثير خلال السنوات الأخيرة، لذلك أصبح الحصول على هذه الأشياء أمرًا اعتياديًا."ابتسمت أوريليا ابتسامة خفيفة."يبدو أن العالم الثالث أكثر ازدهارًا مما توقعت."قالت مارثا بنبرة هادئة:"ازدهر كثيرًا، لكنه ما زال بعيدًا عن العالمين الأول والثاني."تناولت أوريليا رشفة من العصير قبل أن تسأل:"وهل صحيح أن أكاديمية الإمبراطور تقبل طلابًا من جميع العوالم؟"أجابتها مارثا:"نعم، لكن المنافسة شديدة. في كل عام يتقدم مئات الآلاف، ولا يُقبل إلا عدد قليل جدًا."رفعت أوريليا حاجبها."إذن سمعتها ليست مبالغًا فيها."ابتسمت مارثا."لو رأيتِ الامتحانات بنفسك،
وقفت أوريليا من فوق السرير، ثم اتجهت نحو غرفة الاستحمام. ما إن فتحت الباب حتى تصاعد بخار الماء الدافئ من الحوض الحجري الواسع. خلعت معطفها بهدوء، ثم نزلت إلى الماء. أغمضت عينيها للحظات وهي تشعر بحرارة الماء تخفف إرهاق اليوم الطويل. مرّت أمامها أحداث اليوم الواحد تلو الآخر... العالم الثالث... كزافييه... مارثا... ثم... ماكسيل. توقفت أفكارها عنده دون إرادة. تذكرت كيف كان يقترب منها أحيانًا دون أن يترك لها فرصة للهرب، وكيف كان ينظر إليها بعينيه الحمراوين وكأنه يرى العالم كله فيها. ثم تذكرت تلك اللحظة... حين انحنى أمامها حتى أصبحت المسافة بين وجهيهما لا تكاد تُذكر. شعرت بحرارة غريبة تزحف إلى وجنتيها. فتحت عينيها بسرعة. "ما الذي أفكر فيه..." تمتمت بصوت منخفض وهي تغمر وجهها بالماء. اختفى الاحمرار تدريجيًا، لكنها بقيت تنظر إلى سطح الماء لبضع ثوانٍ قبل أن تزفر بهدوء. "ذلك المعتوه..." خرجت من الحوض بعد دقائق، ثم ارتدت ثيابًا جديدة بلون أبيض تتداخل معها خيوط فضية رقيقة، وربطت شعرها الفضي على شكل ذيل حصان منخفض. ما إن خرجت من غرفة الاستحمام حتى لاحظت كرة ضوء صغيرة تطوف فوق الط
ارتسمت على وجوه الحراس ابتسامات مقززة وهم يقتربون منها بنوايا لا تحمل خيرا .عضّت أوريليا باطن شفتيها وهي تحرك أصابعها بحركات سحرية خفية عنهم، لكن قبل أن تكمل، دوّى صوت امرأة في القاعة المشحونة."كزافييه، ما الذي تفعله؟"التفت الجميع إلى مصدر الصوت ليروا امرأةً جميلةً جدًا تقف عند باب القاعة بوجه جامد.ركع الحراس خلفها وقالوا بصوت واحد:"نعتذر، جلالتك، ولكن السيدة أصرت على المرور، ولم نستطع إيقافها."بمجرد أن رآها كزافييه، اختفى غروره في لحظة وحلّ محله ارتباك واضح، ثم اقترب منها ببطء فاتحًا ذراعيه."عزيزتي... لقد أسأتِ فهمي... آااه... مؤلم!"صرخ ولي العهد عندما أمسكت المرأة أذنه بعنف."أي... أي... عزيزتي، اتركيني، لا يجوز أن تفعلي هذا أمامها!"التفتت السيدة إلى أوريليا، وانحنت لها برسمية، ثم قالت بابتسامة راقية متناقضة مع إمساكها أذن ولي عهد هذا العالم:"أعتذر عن تصرفات زوجي غير اللائقة. اسمحي لي أن أعرف بنفسي... أنا مارثا، الأميرة المتوجة وزوجة سموه."انحنت أوريليا بصمت، ثم نظرت باحتقار مقصود إلى كزافييه."عزيزتي، هذا يكفي، لقد أسأتِ فهمي!" واصل كزافييه التوسل إليها، لكنها لم تهتم."
ساد الصمت في القاعة لثوانٍ.لم يبعد كزافييه عينيه عنها.بدأت نظراته من قدميها، ثم ارتفعت ببطء شديد، وكأنه يفحص سلعة معروضة أمامه لا أميرة من إحدى العائلات الإمبراطورية.توقفت عيناه عند خصرها النحيل، ثم ارتفعتا إلى صدرها، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة مستفزة."إذن... هذه هي أميرة العالم السابع؟"مال بجسده إلى الأمام مستندًا إلى ذقنه."أجمل مما توقعت."ساد الصمت مرة أخرى.ثم قال بكل وقاحة، غير آبه بوجود الحاضرين:"رغم أن لديكِ مشكلة صغيرة."رفع إصبعه مشيرًا إليها بلا أدنى احترام."لو ازداد امتلاؤك قليلًا... هنا."أشار بإيماءة مقتضبة نحو أعلى جسدها، ثم ضحك."لكنتِ مثالية."حبست النساء الواقفات في القاعة أنفاسهن.حتى الخدم تبادلوا النظرات في صمت.كان الجميع يعلم أن ولي العهد وقح...لكن مخاطبة أميرة بهذه الطريقة أمام الملأ تجاوزت كل الحدود.أما أوريليا...فلم يتغير تعبير وجهها.نظرت إليه كما لو كانت تنظر إلى شيء مثير للاشمئزاز علق أسفل حذائها.ثم قالت بهدوء جعل القاعة بأكملها تصمت:"أهذا أول ما تعلمته بصفتك وليًا للعهد؟"مالت رأسها قليلًا."لا عجب أن سمعة هذا العالم تسبق أهله."اختفت ابتس







