LOGIN
مقيدة في جحيم هوسه
"حبيبتي، أحضرت لك شيئًا لتأكلينه." دخل ماكسيل الغرفة الوحيدة في برج كويفا، المرتفع عن الأرض بعدة أمتار. اتجهت عيناه بلونهما الأحمر القاني نحو فتاة في العشرين من عمرها، جالسة عند النافذة المزودة بقضبان حديدية مقاومة للسحر، تضم ساقيها إلى صدرها، ووجهها مائل نحو الخارج. كان شعرها الفضي الطويل مفرودًا حولها، فبدت جميلة بشكل لا يصدق بالنسبة إلى ماكسيل. نظر إلى القيد حول كاحلها، الموصول بالسرير، والذي صُمم خصيصًا ليسمح لها بالتجول داخل الغرفة فقط. أعاد كلامه بنبرة ناعمة: "عزيزتي، انظري، لقد أحضرت لك أكلتك المفضلة..." "اذهب إلى الجحيم! لا أريد طعامك!" زمجرت الفتاة فجأة دون أن تلتفت لتنظر إليه. تجمد ماكسيل في مكانه، وقد اسودّ وجهه تمامًا. حاول التحكم في نفسه، لكن صوته خرج حادًا قليلًا رغم ذلك: "أوريليا! كيف أمكنك أن تقولي شيئًا كهذا عن والد الطفل الذي في بطنك؟ ولا تحاولي حتى، لن تخرجي من هنا أبدًا." صرّت أوريليا على أسنانها وهي تراه يقترب من طرف عينيها. وقف بجانبها، ثم سحبها فجأة بحركة سريعة إلى حضنه، وقادها نحو السرير. "ابتعد عني!" حاولت الابتعاد بكل قوتها بعد أن مد يده وداعب بطنها المنتفخة. "لو لم تحاولي الهرب، لما انتهى المطاف بك هنا. بمجرد أن تنجبي طفلين آخرين، سأسمح لك بالخروج من البرج. غير هذا، لا تحلمي حتى بالذهاب... على الأقل، بثلاثة أطفال لن تستطيعي تهريبهم، صحيح؟" همس بصوت حنون وهو يقرب الطعام من فمها. أغلقت أوريليا عينيها الدامعتين بشدة، وهمست لنفسها: "ما كان عليّ أن أفتح لك باب غرفتي أبدًا في ذلك اليوم." ..... أشرقت أشعة الشمس على نوافذ القصر الكبيرة، فتسللت إلى غرفة أوريليا بهدوء. تمددت على سريرها وهي تطلق تنهيدة طويلة، ثم أخفت وجهها داخل الوسادة للحظات، متمنية أن يختفي صوت طرق الباب. "آنستي، لقد تأخرتِ على الإفطار." تظاهرت بعدم السماع. بعد ثوانٍ قليلة، انفتح الباب ببطء، ثم دخلت الخادمة وهي تبتسم باستسلام. "إذا علم سيد القصر أنكِ ما زلتِ نائمة، فسوف يغضب." فتحت أوريليا عينًا واحدة وقالت بتذمر: "إنه يغضب حتى لو استيقظتُ مبكرًا." ضحكت الخادمة، بينما جلست أوريليا أخيرًا وهي تنفخ خصلات شعرها الفضية بعيدًا عن وجهها. بعد دقائق، كانت تنزل درجات السلم المؤدية إلى قاعة الطعام. كان والدها يجلس في صدر الطاولة، بينما سبقها إخوتها الأكبر سنًّا إلى أماكنهم. ما إن جلست حتى رفع والدها نظره إليها. "هل نمتِ جيدًا؟" ابتسمت بخفة. "جيدًا... لولا أن الجميع يقررون إيقاظي مع شروق الشمس." هز رأسه دون أن يعلق، بينما انفجر أحد إخوتها ضاحكًا. "لو تركناكِ، لاستيقظتِ وقت العشاء." أخرجت له لسانها في حركة طفولية جعلت الجميع يبتسم، حتى والدها الذي أخفى ابتسامته خلف كوب الشاي. كان الإفطار هادئًا كعادته. حديث عن أعمال العائلة... وحديث عن الطقس... ثم بدأ الحديث الذي كانت تعرف أنه سيأتي. قال والدها بهدوء: "ستذهبين إلى منزل صديقتك اليوم، أليس كذلك؟" أومأت بحماس. "نعم." "سيذهب معك أحد إخوتك." اختفت ابتسامتها. "أبي... إنه منزل صديقتي فقط." "وأنا أعرف ذلك." "إذن لماذا؟" نظر إليها بهدوء قبل أن يقول: "لأنني والدك." تنهدت باستسلام. لم تكن هذه أول مرة. لم يسمح لها والدها يومًا بالتجول وحدها، ولم يكن يقبل أن تتحدث مع رجال غرباء، حتى في المناسبات العامة. كانت ترى الأمر مبالغة، بينما كان هو يصفه بالحماية. في الحقيقة، أظن أن مزاجه سيئ فقط لأن أمي في زيارة بعيدة، وستبقى لأسبوع كامل. ههه، إنه ينتظر اللحظة المناسبة ليعود بها إلى القصر ويغفل عني للحظات، وطبعًا سأستغل ذلك جيدًا. بعد انتهاء الإفطار، خرجت إلى الحديقة الواسعة. كانت تلك الحديقة مكانها المفضل منذ طفولتها. جلست تحت شجرة كبيرة، وراحت تقرأ كتابًا بينما تتراقص أشعة الشمس بين الأغصان فوق الصفحات. رغم هدوء المكان... كانت تتساءل دائمًا لماذا يعاملها الجميع وكأنها كنز يجب إخفاؤه عن العالم. أغلقت الكتاب وهي تهمس لنفسها: "أتمنى أن أعيش يومًا واحدًا فقط... دون أن يراقبني أحد." لم تكن تعلم... أن أمنيتها تلك ستتحقق بطريقة لم تكن لتتمنى حدوثها أبدًا. ..... "أخي حبيبي، أخبر والدي أنني سأبيت عند صديقتي اليوم." قبّلت خد أخي نيكولاس، ثم لوحت له وهربت إلى غرفة صديقتي إيفون بعد أن أوصلني إلى قصر الحاكم في العالم الأول . سمعت صراخه خلفي، لكنني لم أعره اهتمامًا، فقد كنت أبحث عن شيء أهم. "إيفون!!" عانقت الفتاة صاحبة الشعر الناري بحرارة، ثم سحبتها معي إلى داخل الغرفة وأغلقتها بالمفتاح. أعرف أن أخي لن يتجرأ على الجري خلفي في قصر إمبراطور العالم الأول، لكن هذا فقط للاحتياط. سحبت إيفون إلى السرير، ثم أخرجت بلورة صغيرة من ثوبي. "انظري ماذا وجدت!" أشرت إلى داخل البلورة. كان مزادًا لبيع العبيد تحت شعار المتاجرة في القطع الأثرية. قطع أثرية، هاه؟ وهل يظنون أن الناس سُذَّج إلى هذا الحد؟ "رائع! هذه وجهتنا التالية يا إيري." ظهر تعبير جدي على وجه إيفون. أحم، المهم... هذا شيء كنا نقوم به منذ زمن. نتسلل خلسةً إلى كل عمل غير مشروع، ونقبض على المسؤولين، ونساعد الضحايا سرًا. نكتشف هذه الأماكن ببلورة جدتي التي أخذتها خلسة، ولحد الآن لا تعلم أنني من أخذها. "إذًا، ما رأيك؟ هل نتدخل؟" سألتها وأنا أتناول حبة فراولة من الطبق. ابتسمت إيفون بسخرية وقالت: "طبعًا!! هل لديكِ شك في ذلك؟" تبادلتُ النظرات مع إيفون، ثم ساد الصمت بيننا لثوانٍ. لم تكن هذه المرة الأولى التي نعثر فيها على نشاط مشبوه، لكن شيئًا ما في ذلك المزاد جعلني أشعر بعدم الارتياح. أغلقت البلورة، ثم وضعتها على السرير. "أين سيقام؟" أجابت إيفون وهي تمد يدها لتلتقط البلورة من جديد: "في العاصمة... بعد غدٍ ليلًا." عقدت حاجبي. "هذا يعني أن أمامنا وقتًا كافيًا للاستعداد." هزت رأسها موافقة، ثم قالت بنبرة عملية: "لكن هذه المرة لن نتسرع. إذا كان هناك مزاد بهذا الحجم، فلا بد أن من يقف خلفه أشخاص نافذون." تنهدت وأنا أستلقي على السرير. "أعرف... لكنني لا أستطيع تجاهل الأمر." ابتسمت إيفون ابتسامة صغيرة. "ولهذا السبب لا أستطيع تركك تعملين وحدك." ضحكت بخفة، ثم قذفت إليها وسادة صغيرة. أمسكتها بسهولة وأعادت رميها نحوي. لم تمضِ سوى لحظات حتى تحولت الغرفة إلى ساحة حرب صغيرة، امتلأت بالوسائد والضحكات. وفجأة... توقفت إيفون عن الضحك. رفعت رأسها نحو الباب. "هل سمعتِ ذلك؟" أنصتُّ بدوري. طرقات خفيفة. ثم جاء صوت الخادمة من الخارج: "آنسة إيفون، سمو الأمير ماكسيل عاد إلى القصر." تجمدت إيفون لثانية، ثم التفتت إليّ. "يبدو أنه سبق موعد عودته." قفزت من فوق السرير بسرعة. "إذًا أخفي البلورة." وضعتها إيفون داخل درج صغير وأغلقته بالمفتاح، ثم فتحت الباب وكأن شيئًا لم يحدث. دخلت الخادمة وانحنت باحترام. "سيدتي، السيد الشاب يطلب رؤيتك في الصالة." ابتسمت إيفون بهدوء. "أخبريه أنني قادمة." ما إن أُغلق الباب حتى نظرت إليّ وهمست: "لنؤجل الحديث عن المزاد حتى المساء." أومأت موافقة، لكن شعورًا غريبًا ظل يلازمني منذ أن رأيت تلك البلورة... انسدحت قليلًا، ثم نهضت مرة أخرى وخرجت من الغرفة على أطراف أصابعي. أريد أن أرى كيف يبدو أخو إيفون، لطالما قالت إنه رجل وسيم. استرقت النظر من أعلى السلالم، ولمحت هناك رجلًا فارع الطول، وبنيته العضلية مذهلة. " فقط لو يستدير قليلًا كي أرى ملامحه."تمتمت و أنا أفرك ذقني كرجل عجوز مقيم. وفجأة استدار قليلًا و كأنه سمعني ونظر إليّ بعينيه الحمراوين كالدم. كانت نظراته باردة، وكأنه اكتشف متسللًا في منزله. فتوقف تنفسي للحظة، وتجمد الدم في عروقي. لقد نسيت أنه خارق السمع !!نهض ماكسيل عن الأرض بهدوء تام. نظر إلى بقع الدم التي تناثرت في القبو، ولم يشعر بأي ألم أو ضعف؛ فسلالة ملتهم العوالم التي تجري في عروقه تجعل من مثل هذه الارتدادات مجرد تفصيل بسيط لا يؤثر في كيانه. مسح طرف فمه بظهر يده، ثم سار بخطوات متزنة نحو الحمام الملحق بالقبو.وقف تحت الماء الساخن، وأغمض عينيه بينما كانت المياه تنهمر على جسده. كان يفكر في تلك الخيوط التي أطلقها نحو أوريليا. حدث نفسه: "الربط القسري ليس هو الطريق. أوريليا ليست مجرد جائزة أريد اقتناصها، بل أريدها أن تنظر إليّ بتلك النظرة التي تمنح الحب طعمه الحقيقي. القوة يمكنها أن تجلب الجسد، لكنها لا تملك القدرة على إجبار القلب على النبض بالحب."بقي صامتاً لفترة، يراقب قطرات الماء وهي تنزلق على ذراعيه، وشعور بالرضا يملأ داخله لأنه تراجع في الوقت المناسب. بالنسبة له، كبرياؤه كرجل ناضج وقوي يمنعه من تحويل من يحب إلى دمية مسلوبة الإرادة.خرج من الحمام، وجفف جسده، ثم ارتدى معطفاً خفيفاً فوق قميصه الأسود ليمنحه الراحة. وقف في منتصف الغرفة، وبحركة بسيطة من إرادته، قام بتفعيل قدرة الانتقال الآني. في لمح البصر، تلاشت جدران القبو المظلمة، ل
فتح ماكسيل صفحات الكتاب ببطء. كان يضغط بأصابعه على الورق الجاف، وعيناه تلاحقان السطور الحمراء المكتوبة بخط غريب. توقف عند فقرة معينة، وبدأ يقرأ الكلمات في سره. فكر في نفسه: "أوريليا الآن تبتعد عني. هي في حضن والدها، تشعر بالأمان الذي لا أستطيع منحه لها. هل تعتقد أن غاب سيحميها مني؟ لا أحد يملك هذه القدرة." أمسك حافة الصفحة بقوة حتى تجعد الورق تحت يده. بدأ يتحدث بصوت مسموع، كانت الكلمات تخرج ثقيلة وصعبة النطق. بدأ الهواء في القبو يتحرك بشكل دائري، وظهرت خيوط سوداء رفيعة جداً من منطقة صدره. انطلقت هذه الخيوط بسرعة، واخترقت الجدران الحجرية للقبو، واتجهت نحو الخارج، تحديداً نحو المكان الذي تتواجد فيه أوريليا. شعر ماكسيل بارتباط جسدي مع تلك الخيوط. كان يشعر ببرودة الجو في الخارج، وبدقات قلب أوريليا المتسارعة. اقترب من هدفها أكثر فأكثر. قال في داخله: "قليلاً بعد، وسأربط روحكِ بروحي. حينها، لن تستطيعي الابتعاد عني مهما حدث. ستكونين ملكي، وسأمحو من ذاكرتكِ كل من حاول أخذكِ مني." لكن، قبل أن تلمس الخيوط جسد أوريليا بلحظات، تذكر ماكسيل ملامح وجهها حين كانت ترتجف خوفاً منه. تذكر كيف كانت
"لقد استيقظتِ يا سيليا." نظرت إليه سيليا لثوانٍ بصمت، كانت تحاول استيعاب ملامحه الحادة وبروده الذي لا يطاق. لم تكن معتادة على أن ينظر إليها رجل دون أن تظهر على وجهه علامات الانبهار بجمالها، أو على الأقل التوتر من مكانتها. شعرت باستفزاز فوري، فاعتدلت في جلستها ورفعت رأسها بكبرياء، ثم قالت بصوت عالٍ ومتعجرف: "أنت! من سمح لك بالبقاء في غرفتي؟ اخرج حالاً! ولا تظن أن صمتك هذا سيثير إعجابي. اذهب ونادِ زوجي فوراً، أريد رؤيته الآن!" لم يبدِ لوكاس أي رد فعل عاطفي. لم يغضب ولم يتفاجأ، بل نظر إليها بنظرة خالية من أي تعبير، وكأنها مجرد قطعة أثاث في الغرفة. هذا الرد، أو بالأحرى عدم الرد، جعل سيليا تشعر بالغضب. تابعت بصراخ: "هل تسمعني؟! قلت اخرج ونادِ زوجي! ألا تعرف مع من تتحدث؟ أنا أميرة العالم الثاني، ولا أقبل أن يتم تجاهلي بهذا الشكل!" تنهد لوكاس ببرود، ثم استدار ليغادر الغرفة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بقول كلمة واحدة وهو يغلق الباب خلفه: "افعلي ما تشائين." بمجرد أن أُغلق الباب، انفجرت سيليا غضباً. أمسكت بالوسادة التي كانت بجانبها وقذفتها بكل قوتها على الأرض وهي تصرخ: "كيف يجرؤ؟! ك
كانت كلمات ذلك الصوت الغامض لا تزال تتردد في جنبات روح إيريس كصيحة تحذير أخيرة قبل وقوع الكارثة. لم تكن مجرد نصيحة، بل كانت نبوءة دموية جعلت أنفاسها تضيق وصدرها يعلو ويهبط بذعر. لم يكن أمامها وقت للتفكير أو التردد؛ فالثواني التي تمر الآن قد تكون هي المسامير التي تُدق في نعش الوجود.بيدين ترتجفان، استخرجت إيريس "ورقة اليشم" المقدسة، تلك الأداة السحرية النادرة التي تربطها بزوجها. ركزت طاقتها في الورقة، وبدأت تهمس بكلمات الاستدعاء العاجلة، بينما كان قلبها يقرع طبول الحرب داخل صدرها. لم تمر لحظات حتى انشق الهواء عن وميض أخضر باهت، ليظهر غاب أمامها بملامحه الإمبراطورية الصارمة وهيبته التي تفرض الصمت على كل ما حوله.نظر إليها غاب، وبمجرد أن وقعت عيناه على شحوب وجهها والاضطراب في عينيها، انقبض قلبه. لم تكن إيريس من النوع الذي يفقد توازنه بسهولة، وهذا ما جعله يشعر بخطر داهم."إيريس! ما الذي يحدث؟ لماذا استدعيتِني بهذه السرعة والحدة؟" سأل غاب بنبرة حملت مزيجاً من القلق والدهشة.لم تمنحه إيريس فرصة لاستيعاب الموقف، بل أمسكت بيده بقوة وهي تلهث، وعيناها تتوسلان إليه: "غاب، أرجوك.. لا وقت للشرح ال
بقيت أوريليا صامتة، تحدق في عينيه اللتين بدتا وكأنهما ثقبان أسودان يبتلعان كل ذرة من إرادتها. كان هناك شيء في نظراته يتجاوز مجرد القلق؛ كان نوعاً من التملك المظلم، وكأنها ليست مجرد إنسانة أنقذها، بل ممتلكاً ثميناً استعاده بعد ضياع.حاولت أوريليا استجماع شتات نفسها، وشعرت برغبة ملحة في الابتعاد عن هذا الجو الخانق. بدأت تحرك جسدها ببطء، محاولةً دفع الغطاء عنها للنهوض من مكانها. كانت أطرافها ترتجف، وعضلاتها تشعر بوهن شديد وكأن جسدها مصنوع من زجاج قابل للكسر."أريد... أريد النهوض،" همست بصوت متقطع، وهي تحاول الارتكاز على مرفقيها.لكن قبل أن تتمكن من رفع جسدها أكثر، شعرت بيده الكبيرة تضغط بلطف ولكن بحزم على كتفها، لتعيدها إلى الفراش. كانت لمسته دافئة، لكنها حملت تحذيراً غير منطوق. قال بصوت هادئ، هدوء يسبق العاصفة: "لا تفعلي يا أوريليا. أنتِ متعبة للغاية، وجسدكِ لم يستعد عافيته بعد. أي حركة متهورة الآن قد تعيدكِ إلى نقطة الصفر."لم تكن أوريليا في حالة تسمح لها بالاستسلام. كان الذعر الذي عاشته في ذلك الفراغ الفضي لا يزال يسكن روحها، وشعرت أن بقاءها في هذه الغرفة، تحت هذه النظرات، هو نوع آخر
فتحت أوريليا عينيها ببطء، لكنها لم تجد السقف الذي اعتادت رؤيته، ولا جدران الغرفة التي تحيط بها. وجدت نفسها في مكان غريب، محاطة بسواد تام لا ينتهي، يتخلله عدد لا يحصى من النجوم الصغيرة التي تلمع ببرود. لم يكن هناك أرض صلبة تحتها، بل كانت تشعر وكأنها تطفو في فراغ مطلق. ساد صمت تام في المكان، لدرجة أنها بدأت تسمع دقات قلبها تتسارع بوضوح في أذنيها.حاولت أوريليا التحرك، لكنها لم تجد أي اتجاه واضح؛ فلا يوجد أعلى أو أسفل في هذا المكان. بدأت تلتفت حولها بذعر، وأخذت أنفاسها تصبح قصيرة وسريعة. شعرت بضيق في صدرها وهي تدرك أنها وحيدة تماماً في هذا المدى الشاسع. لم تتردد في الصراخ، حيث أطلقت نداءات عالية تردد صدى صوتها في الفراغ قبل أن يختفي:"ماكسيل؟! إيفون؟! أبي! أين الجميع!! أين أنا؟!"انتظرت رداً، لكن لم يجبها أحد. ظلت تتحرك في ذلك العدم بلا هدف، تسبح في الفراغ وهي تشعر بالضياع التام، حتى ظهر من بعيد بصيص من الضوء. اقتربت منه بحذر لتجد روحاً مموهة، كياناً لا يملك ملامح بشرية واضحة، ولكنه يشع نوراً فضياً قوياً يطرد الظلام من حوله. توقفت أوريليا مكانها، وخفق قلبها بقوة وهي تتراجع خطوة للخلف، ثم







