Masukصمتت ملك، ولم تجب عن كلامه، لكن كلماته لم تزدها إلا إصرارًا على العودة. ظلت على حالها لبعض الوقت، ثم التفتت لتغادر، إلا أن صوت سليمان أوقفها: — لم أسمح لكِ بالذهاب. عادت ملك إليه، وقالت بضيق: — ماذا تريد؟ إن كنت ستقول شيئًا غير هذا الكلام، فقله. أما إذا كنت تريد أن تسمعني الكلام نفسه الذي لا تكف عن تكراره في كل مرة تراني فيها، فوفر على نفسك عناء الكلام. لن يغير ذلك شيئًا، بل سيزيد إصراري على العودة. قال سليمان بهدوء: — أنا فقط أقدم لكِ نصيحة. إن تقبلتها وعملتِ بها، فصدقيني، سيكون ذلك أفضل لكِ. وإن لم تفعلي، فأنتِ توهمين نفسكِ وتعطينها أملًا زائفًا، وفي النهاية لن يحزن أحد غيركِ. أرادت ملك أن تغيّر دفة الحديث، فقالت: — حسنًا، هل هناك شيء آخر تريد إخباري به قبل أن أذهب؟ قال سليمان: — أجل، هناك شيء آخر. زفرت ملك بضيق، ثم قالت: — حسنًا، أنا أستمع. قال سليمان: — هناك ضيوف قادمون لزيارتنا. دهشت ملك مما قاله سليمان، فمنذ أن خطت قدماها هذا المكان، لم يأتِ إليه أي شخص غريب. فسألته: — حقًا؟ ومن هؤلاء الضيوف؟ أجاب سليمان: — صديقي جون وزوجته سارة. صمتت ملك، لكن عقلها ذهب مباشر
بعد ذلك اليوم، هدأت الأمور بين سليمان وملك. مرت الأيام التالية هادئة، فلم يعد سليمان يجبر ملك على فعل شيء، ولم يصدر منه أي أمر يزعجها أو يثير خوفها. كان منشغلًا كثيرًا بعمله خلال تلك الفترة؛ يخرج صباحًا إلى عمله، ولا يعود إلى القصر إلا في المساء. شعرت ملك خلال تلك الأيام براحة كبيرة، وعاد إليها شيء من الهدوء والسلام النفسي الذي افتقدته منذ فترة طويلة. ولكن في أحد الأيام، كانت تقف أمام النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة. كان الشتاء قد بلغ منتصفه، وازدادت حدة تساقط الثلوج، حتى غطت مساحات واسعة من الحديقة بطبقة بيضاء ناصعة. ظلت ملك تتأمل المنظر البديع أمامها، لكنها لم تكن منشغلة بالثلوج وحدها. كانت أفكارها قد عادت إلى عائلتها. وبدأت تحدث نفسها: ترى ماذا يفعلون أمي واخوتي الآن؟ ترى هل أخبرهم أبي وعمي إبراهيم بما حدث لي؟ وكيف تقبلت أمي الأمر؟ هل تنتظر عودتي؟ هل يبحثون عني؟ بالتأكيد يبحثون عني... لكنهم لا يجدونني. وربما لا يعرفون أصلًا أنني غادرت البلاد. ظلت الأفكار تتزاحم في رأسها، حتى شعرت بحاجة إلى مخاطبة عائلتها، وكأنها تحدثهم أمامها. قالت في سرها: أمي... أبي... انتظ
قال لها سليمان وهو لا يزال يحتضنها من الخلف، وقد اقترب بوجهه من وجهها، ثم همس في أذنها بصوت هادئ: — أتريدين أن تعرفي ماذا يعني أن تُسعديني؟ يمكنني أن أعرّفكِ الآن، في هذه اللحظة، كيف يمكنكِ أن تُسعديني. فهمت ملك قصده على الفور. انتفضت فجأة، وأبعدت يده عن خصرها، ثم ابتعدت بجسدها عنه بأسرع ما استطاعت. استدارت نحوه، ورفعت يدها أمامه بإشارة تحذير واضحة، وقالت بغضب ممزوج بالارتجاف: — غير مسموح لك أن تقترب مني أو تلمسني. وإذا كررت هذه الحركة مرة أخرى، فقد أقتلك يا سليمان، هل فهمت؟ قد أقتلك! انفجر سليمان في الضحك. ضحك ضحكًا هستيريًا، وكأن تهديدها بقتله كان أكثر شيء مضحك سمعه في حياته. أما ملك، فكانت واقفة أمامه ترتجف من شدة الصدمة. لم تستطع استيعاب ما حدث منذ لحظات. كيف تجرأ على احتضانها بهذه الطريقة؟ وكيف تجرأ على الاقتراب منها والهمس في أذنها بتلك الإيحاءات والكلمات؟ كانت تشعر بالغضب والإهانة والخوف في الوقت نفسه. وبعد أن انتهى سليمان من ضحكه، نظر إليها وقال: — لدي فضول حقيقي لأعرف... كيف ستقتلينني؟ أخبريني، كيف ستقتلينني؟ رفعت ملك رأسها إليه، وقالت بغضب: — لا تشغل بالك بذل
مشى سليمان عائدًا إلى القصر، وكانت ملك تسير خلفه بخطوات مترددة. كانت تشعر بالقهر والحزن، وما زالت آثار الموقف الذي مرت به منذ قليل عالقة في داخلها. وصل الاثنان إلى القصر، ودخل سليمان أولًا، ثم اتجه مباشرة إلى الدرج وصعده. لكن بعد أن قطع عدة درجات، لم يسمع صوت خطوات ملك خلفه. توقف سليمان، ثم التفت إلى الخلف ليرى ما الذي أخرها. فوجدها لا تزال واقفة عند أول درجة من السلم، تحدق في الأرض، وكأنها عاجزة عن اتخاذ القرار. ظل ينظر إليها دون أن ينطق بكلمة واحدة. كان ينتظر فقط ليرى ماذا ستفعل. أما ملك، فكان الأمر صعبًا عليها للغاية. لم تكن تريد الصعود إلى الطابق العلوي، لأنها كانت تخشى سليمان، وتخشى أكثر من ذلك أنه لا يضع حدودًا لتصرفاته معها، وأنه قد يتمادى في أي لحظة أو يفعل شيئًا يؤذيها. لكنها تذكرت التهديد الذي أطلقه عليها منذ قليل، وتذكرت ما فعله بها، وما جعلها تشعر به من رعب. وأدركت أن الأمر في الحالتين لن ينتهي لصالحها. سواء صعدت الآن ونفذت أمره، أو ظلت في مكانها ورفضت... ستكون هي الخاسرة في النهاية. أخذت نفسًا عميقًا. ثم استسلمت للأمر الواقع. رفعت قدمها، وصعدت أول درجة. وم
لم يجبها. — فقط ابقَ أنت في الأسفل، وسأصعد وأنظفه ثم أنزل! واصل السير دون أن يلتفت إليها. ازدادت سرعة خطواته. بدأت ملك تشعر بأن الخوف يسيطر عليها تمامًا. — أرجوك يا سليمان... ثم رفعت صوتها قليلًا: — حسنًا، سأفعل ما تريد. سأفعل ما تقوله، ولن أعصي أوامرك مرة أخرى. لم يجب. كانت تحاول إيقافه بكل قوتها، لكنه كان يسحبها خلفه دون أن يمنح كلماتها أي اهتمام. — أرجوك... بدأ صوتها يضعف. — لا تأخذني إلى هناك... ثم قالت وهي تكاد تبكي: — أرجوك، لا تأخذني إلى الكلاب. لكن سليمان لم يرد. استمرت في توسله، حتى شعرت أنها بدأت تذل نفسها أمامه. كانت تطلب منه الرحمة، وتكرر أنها ستنفذ أوامره، بينما هو لا يجيبها حتى. وحين أدركت أنه لا يستمع إليها، وأنه لا يمنح كلماتها أي قيمة، سكتت. لم يعد لديها ما تقوله. استسلمت للأمر الواقع. حتى لو كان يريد إيذاءها... ماذا يمكنها أن تفعل؟ لم يكن في يدها شيء. بدأت دموعها تنزل بصمت على خديها. وبعد لحظات، رأت سليمان يتجه بها نحو القبر. توقفت أنفاسها. شعرت أن قلبها سيتوقف من شدة الرعب. هل وصل الأمر إلى النهاية؟ اقترب سليم
الفصل — ثمن العصيان وقف سليمان عند آخر درجة من سُلَّم القصر، وظل ينظر إلى ملك دون أن ينطق بكلمة واحدة. لاحظت ملك وجوده، فتوقفت يدها عن الحركة، وثبتت في مكانها وهي تمسك بأداة التنظيف. رفعت عينيها إليه، وظلت تحدق فيه للحظات، بينما كانت أفكار كثيرة تتصارع داخل رأسها. لماذا يقف وينظر إليَّ هكذا؟ ماذا يريد أن يفعل؟ شعرت بالخوف يتسلل إلى داخلها، لكنها حاولت بكل ما تستطيع ألا يظهر شيء منه على وجهها. لم تكن تريد أن يرى خوفها، وكانت تخشى أن يستغله ضدها، أو يستخدمه ليجعلها تتراجع في كل مرة تعترض فيها على أمر لا تستطيع تنفيذه. لذلك تماسكت، وأبقت ملامحها ثابتة قدر الإمكان. أما نظرات سليمان، فكانت غامضة إلى درجة أربكتها. لم تستطع أن تفهم ما يدور في رأسه. كان وجهه متجمدًا، ساكنًا، لا يظهر عليه غضب واضح، ولا يبدو عليه أي انفعال آخر. مجرد نظرة ثابتة لا تعرف كيف تفسرها. ثم... خطا سليمان الدرجة الأخيرة، وتقدم نحوها بخطوات هادئة. لم يكن مستعجلًا، ولم يرفع صوته، لكن هدوءه كان أكثر إثارة للخوف من الغضب نفسه. حتى وقف أمامها، ثم قال بنبرة باردة: — كيف استطعتِ أن تعصي أمري؟ رفعت مل







