Share

الفصل 2

Author: وفرة الحصاد
"أيها الوغد الحقير!"

مزقت تالا الورقة بكلتا يديها إلى قصاصات تطايرت في الهواء، ثم تناثرت فوق السرير.

استندت إلى مسند السرير، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، فيما كانت المهانة واضحة في عينيها.

لقد تجاوز ذلك الوغد كل حد!

فمنذ توليها رئاسة مجموعة المهري، لم يجرؤ أحد قط على مخاطبتها بهذه الطريقة!

أغمضت عينيها قليلًا، وراحت تستعيد أحداث الليلة الماضية وهي تجز على أسنانها.

كانت تتفاوض مع مجموعة الطائي بشأن صفقة، وسار كل شيء بصورة طبيعية، لكن ناصر الطائي، الابن الأكبر للعائلة، أصر على أن تشاركه كأسًا.

لم تستطع رفض إلحاحه، فاضطرت إلى شرب كأس صغيرة معه.

لكنها سرعان ما شعرت بدوار وتشوش في الرؤية، واشتعل جسدها بحرارة غريبة.

أدركت تالا على الفور أن شيئًا وُضع في شرابها، لكنها تظاهرت بالهدوء وتحججت بالذهاب إلى الحمام.

وحالما خرجت من القاعة الخاصة، راحت تتحسس هاتفها لتتصل بمساعدتها وابنتها المكفولة لمار السهيلي.

لكن مفعول المخدر كان سريعًا وقويًا، حتى فقد جسدها قوته، بينما تناهى إليها وقع خطوات ناصر وهو يلاحقها...

بعد ذلك، تلاشت معظم ذكرياتها. لم يبق منها سوى أن الرجل كان متناسق البنية ووسيم الملامح، لكن حركاته أثناء العلاقة كانت شديدة العنف.

أشعلت هذه الذكرى غضب تالا، فاختطفت هاتفها وأجرت اتصالًا سريعًا.

"أمي؟ لماذا اتصلت في هذا الوقت المبكر؟"

جاء صوت لمار من الطرف الآخر ناعمًا ومثقلًا بالنعاس.

قالت تالا ببرود: "أنا في فندق اللؤلؤ الكبير، الغرفة ٩٠١. أحضري لي طقمًا من الملابس فورًا!"

وبسبب نفورها المرضي من الرجال، كانت قد كفلت لمار وربتها لتصبح وريثتها.

وبعد تخرجها، أبقتها إلى جانبها وعينتها مساعدة لها كي تتعلم منها وتكتسب الخبرة.

صمتت لمار لحظة، ثم سألت: "أمي، ما الذي حدث؟"

"لا تسألي!"

وأغلقت تالا الخط فجأة.

بعد ثلاثين دقيقة، دخلت لمار الغرفة مرتدية زيًا عمليًا أنيقًا، وهي تحمل بيدها اليسرى كيسًا ورقيًا.

لكن خطواتها توقفت فجأة.

جعلتها قطع الثياب المتناثرة وملاءة السرير المبللة تحدق مذهولة، وكاد كيس الملابس يسقط من يدها!

هذا مستحيل!

أمها الراعية تنفر من الرجال مرضيًا، فكيف يمكن أن تمارس الحب مع رجل...

رمشت لمار بحرج، وقالت بنبرة متصلبة: "أمي... ما الذي..."

مدت تالا يدها البيضاء الناعمة مباشرة، وقالت بملامح باردة: "الملابس."

أسرعت لمار إليها وناولتها الكيس الورقي.

أخذته تالا ودخلت الحمام، ثم أغلقت الباب.

وبعد دقائق قليلة، فتح باب الحمام.

خرجت تالا مرتدية ملابسها، وقد بدا حضورها أشد برودة وهيبة!

انتعلت حذاءها ذا الكعب العالي والنعل الأحمر، ثم وقفت أمام لمار وقالت بوجه متجهم: "استخدمي إمكانات أمن المجموعة وابحثي عن الشخص الذي حجز هذه الغرفة ليلة أمس!"

...

في الوقت نفسه، وصل كنان بسيارة أجرة إلى أقرب سوق للأحجار الخام.

وحين فتح الباب ودخل، استقبلته رائحة السيجار الممزوجة بغبار الحجارة.

كان المكان مزدحمًا؛ بعض الزبائن يجثون أمام الأحجار الخام ويفحصونها، وآخرون يحيطون بآلة القطع، بينما وقف من خسروا رهاناتهم بوجوه يكسوها الامتعاض الشديد.

أخذ كنان نفسًا عميقًا، وشغل قدرة الرؤية النافذة بهدوء.

فتغير العالم أمام عينيه في الحال.

بدت الأحجار الخام مكشوفة من الداخل أمام نظره.

لكن معظمها لم يحتو سوى كتل رمادية عديمة القيمة.

ولحسن الحظ، وجد في المحل رقم ٨، غير البعيد عنه، حجرًا خامًا مختلفًا.

كان ما بداخله شفافًا بالكامل وخاليًا من أي شائبة!

ابتهج كنان!

فقد كان يشمًا بلوريًا فائق النقاء!

ومع ذلك، بدا الحجر من الخارج بشعًا، أسود اللون، ومغطى بالحفر والنتوءات.

نظر كنان إلى بطاقة السعر: حجر خام ذو قشرة سوداء، سعر القطعة ١٦٠ دولارًا!

فوقع في حيرة.

فقد دفع أمس ٥٠٠ دولار هدية في زفاف شادي.

ولم يبق معه سوى ٢٠ دولارًا لنفقات الطعام.

ولذلك لم يكن يملك ما يكفي لشرائه.

فاتصل أولًا بحبيبته نادين.

لكن نادين كانت منشغلة ولم تجب.

فلم يجد خيارًا سوى الاتصال بشادي.

غير أن زوجته، السيدة هناء الفاروقي، هي من أجابت.

"ما الأمر يا كنان؟"

جاءه صوت هناء الناعم المثقل بالنعاس من الطرف الآخر.

ومن الواضح أنها استيقظت للتو.

داعب صوتها الناعم سمع كنان، فاستجمع نفسه وقال: "زواج مبارك يا هناء. أين شادي؟"

أجابته بنعومة: "شرب كثيرًا ليلة أمس وما زال نائمًا. أخبرني بما تحتاج إليه."

"في هذه الحالة... هل يمكنك إقراضي ١٥٠ دولارًا؟"

لم تسأله هناء عن السبب، بل قالت: "لا أحمل معي سوى النقود. أرسل إلي موقعك وسآتي إليك."

شعر كنان بالامتنان وأرسل إليها موقعه.

وبعد نصف ساعة، توقفت شاحنة بيضاء صغيرة أمام سوق الأحجار الخام.

نزلت هناء منها وفي يدها مظروف ورقي بني.

كان طولها يقارب ١٦٠ سنتيمترًا، وكان جسدها متناسقًا، ومؤخرتها مستديرة بصورة لافتة، كما كانت ملامحها رقيقة وجذابة.

كان وجهها بيضاويًا، وحاجباها دقيقان، وأنفها صغير مستقيم، وشفاهها حمراء، وبشرتها نضرة.

وبفضل جسدها الناضج وملامحها الرقيقة، لم تكن تقل جمالًا عن أشهر عارضات الأزياء.

لكن هناء كانت امرأة محافظة بطبعها، ولذلك ظلت ملابسها محتشمة.

ارتدت قميصًا أبيض مزينًا بنقوش زهرية، وبنطالًا ضيقًا من قماش الجينز.

كانت إطلالتها بسيطة، لكنها لم تخل من جاذبية ناضجة.

فأعاد ذلك إلى ذهن كنان جملة قالها له شادي من قبل:

"بنية هناء تبشر بسهولة الإنجاب، وستلد لي ولدًا يومًا ما!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • من موظف بسيط إلى سيّد المدينة   الفصل 30

    رفعت تالا يدها وأشارت إلى الباب، ثم قالت ببرود:"اخرج!"هز كنان كتفيه، ولم يضف شيئًا.ولم يجد بدًا من التوجه نحو الباب."وقح!"تمتمت تالا بضيق وهي تنظر إلى ظهره.لكن جسدها ارتجف بعنف في اللحظة التالية؛ إذ اجتاحتها البرودة الخانقة من جديد كأمواج عارمة!وكانت هذه المرة أشد من سابقتها!لكن ما أفزعها أكثر هو أنها شعرت بوضوحبأن البرودة التي تخترق عظامها تزداد مع كل خطوة يبتعد بها كنان عنها!أخذت تالا تتساءل في سرها.كيف يحدث هذا؟هل كان كلامه صحيحًا؟هل أصابني السم البارد فعلًا؟عضت شفتيها الشاحبتين عند هذه الفكرة.واجتاحها خجل يصعب وصفه.لكن ألم جسدها لم يترك لها وقتًا للتردد.فرفعت رأسها مسرعة، وارتجفت شفتاها.وصاحت نحو ظهر كنان: "عُد... إلى هنا!"توقفت خطوات كنان.ثم استدار ببطء وعاد إليها.تغير وجه تالا قليلًا.فكما توقعت، كلما اقترب كنان منها خطوة، انحسرت البرودة القارسة عن جسدها شيئًا فشيئًا!لاحظ كنان تغير وجهها وابتسم بمرارة."أتصدقينني الآن أيتها الرئيسة تالا؟"تحركت شفتا تالا قليلًا، وشاب نبرتها شيء من الشعور بالذنب:"أنا... ظلمتك."ضمت شفتيها وأخذت نفسًا عميقًا، ثم سألت بجدية:"

  • من موظف بسيط إلى سيّد المدينة   الفصل 29

    "ما الأمر؟"بدت على وجه تالا لحظة من الذهول.سحبت لمار نظرها مسرعة والتفتت إلى تالا.وروت لها الحوار الذي دار بينها وبين كنان قبل قليل.لمعت في عيني تالا نظرة تجمع بين الشك والتصديق."إنه مجرد شخص عادي.""ولولا مصادفة جمعته بي، لما استطاع الوصول إلي طوال حياته...""فكيف يمكن أن تكون له علاقة بميرال؟"فكرت لمار جيدًا، ثم أومأت بقوة.فمن وجهة نظرها، يظل احتمال المصادفة هو الأكبر.طوت تالا أفكارها جانبًا وقالت بفتور:"حسنًا، لا تفكري في الأمر أكثر.""الأهم الآن هو اختيار الوجه الإعلاني للمنتج."سألت لمار: "من نختار؟"فكرت تالا لحظة، ثم قالت:"أعدي خطابًا رسميًا وأرسليه إلى وكيل أعمال لينا الموصلي.""واذكري فيه أن مجموعة المهري تتشرف بدعوة الآنسة لينا لتصبح الوجه الإعلاني للمنتج الجديد."فلينا نجمة من الصف الأول في مدينة الندى، وشهرتها في أوجها.وإن وافقت على الترويج لمنتج الطاقة المتجددة، فسيحقق ذلك أفضل مردود تسويقي ممكن.أومأت لمار في الحال."حسنًا أيتها الرئيسة تالا، سأتولى الأمر فورًا."ثم غادرت المكتب.ولم تنظر حتى إلى كنان المنتظر خارج الباب.بعد ذلك، استدعت تالا كنان إلى المكتب لتط

  • من موظف بسيط إلى سيّد المدينة   الفصل 28

    "تتصل بي في هذا الوقت...""هل واجهت مشكلة ما؟"قال كنان بجدية:"لدي طلب أحتاج فيه إلى مساعدتك أيتها الرئيسة ميرال."ثم شرح لها بإيجاز المأزق الذي يواجه مشروع الطاقة المتجددة في مجموعة المهري.وافقت ميرال فور سماعها طلبه."هذا أمر بسيط، ما دمت ستكثر من زيارتي كلما سمح وقتك...""لقد شعرت براحة كبيرة في المرة الماضية، وأتطلع إلى المزيد..."...في الوقت نفسه، أسرعت لمار داخل المكتب إلى تالا."ما الأمر أيتها الرئيسة تالا؟"عقدت تالا حاجبيها وقالت بحسم:"اتصلي بقسم السائقين واطلبي منهم تجهيز السيارة. أريد مقابلة ميرال فورًا!"شعرت لمار بالتوتر عند سماع ذلك.فقد استمرت مجموعة الصوان في التوسع خلال السنوات الماضية حتى بلغت أوج قوتها.أما ميرال، التي تقودها، فهي امرأة لا تظهر مشاعرها بسهولة.حاولت شركات كثيرة التعاون معها وكسب ودها.لكن من دون استثناء،رفضتها جميعًا ببرود."حسنًا..."أومأت لمار بجدية.وتنحّت مسرعة استعدادًا للاتصال.لكن في تلك اللحظة،رن الهاتف المكتبي الأسود فجأة.كان رنينه حادًا ولافتًا داخل المكتب الهادئ.عقدت تالا حاجبيها قليلًا ورفعت السماعة."هذه مجموعة المهري، معك تالا ا

  • من موظف بسيط إلى سيّد المدينة   الفصل 27

    ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي ناصر."ممتاز."استدار ببطء وحدق في البرج خلفه بنظرة حاقدة ماكرة."بعد هذه الليلة، سأجعل أولئك العجائز في مجلس الإدارة ينقلبون عليها جميعًا.""وعندها ستصبح تالا ومجموعة المهري... ملكًا لي!""هذه المرأة الناضجة تحتاج إلى من يروضها في الفراش. سأجعلها تخضع لي تمامًا!" ثم انفجر ضاحكًا.انحنى صاحب الرداء الأسود باحترام وقال:"تهانينا يا ناصر، مبارك لك!"...عاد الهدوء إلى المكتب.وكان القلق يملأ وجه لمار الجميل.فمشروع الطاقة المتجددة الجديد بالغ الأهمية للمجموعة كلها.إنه الخطوة الأولى لمجموعة المهري نحو دخول قطاع الطاقة المتجددة.أي إنه حجر أساسها في هذا المجال!ويتوقف عليه إمكان ترسيخ مكانتها فيه مستقبلًا.حتى عينا تالا فقدتا هدوءهما المعتاد.وراحت أصابعها الطويلة تنقر سطح المكتب بلا وعي، محدثة أصواتًا خفيفة متتابعة.وفي تلك اللحظة، تكلم كنان، الذي ظل صامتًا حتى الآن:"أيتها الرئيسة تالا... ما المشكلة التي تواجهانها؟"فقد سمع اسم ميرال، ولم يستطع منع نفسه من السؤال.رفعت تالا عينيها ونظرت إليه.وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، لكن برودها لم يتغير.إنه مجرد ح

  • من موظف بسيط إلى سيّد المدينة   الفصل 26

    قبل أن تستوعب لمار ما حدث، دوت من خارج المكتب قهقهة رجل مستهترة."أيتها الرئيسة تالا، لقد آلمت مشاعري حقًا!""تكبدت عناء المجيء لزيارتك، فتطلبين الأمن لطردي؟"ومع انتهاء كلامه، ظهر رجلان عند الباب.كان المتقدم يرتدي قميص أرماني، ويتقلد سلسلة فضية حول عنقه، وعلى وجهه ابتسامة مستهترة.أما من خلفه، فكان رجلًا برداء أسود يخفي ملامحه.نهضت تالا ببطء من مقعدها، وقد اكفهر وجهها بشدة."لماذا جئت يا ناصر؟"كان صوتها بالغ البرودة ومفعمًا بالحذر.ابتسم ناصر ودخل بخطوات واسعة."ألا ترحبين بي؟"ثم وقعت عيناه فجأة على كنان.وبدت على وجهه لمحة من المفاجأة قبل أن يقول باستفزاز:"يا للمفاجأة!""أهذا عشيقك الجديد الذي وظفته حارسًا؟"ظهر الاستياء على وجه كنان حين سمع وصفه بالعشيق.أما تالا، فكانت تفهم جيدًاأن ناصر يبدو وكأنه يهين كنان، لكنه يتعمد استفزازها هي."هذا لا يعنيك."رمقته تالا بنظرة باردة حادة.ابتسم ناصر بوقاحة، ولم يعد يركز على كنان.هز كتفيه أمام تالا وقال بابتسامة لعوب:"لا تغضبي أيتها الرئيسة.""أعرف أنكم تطورون مشروعًا للطاقة المتجددة!""وقد جئت هذه المرة لمناقشة التعاون بيننا."تغيرت نظ

  • من موظف بسيط إلى سيّد المدينة   الفصل 25

    ظهر الفرح على وجه شاكر، وأجاب المكالمة بلهفة.لكن وجهه اكفهر في اللحظة التالية.فقد جاءه من الهاتف صراخ ضرغام الغاضب:"شاكر!""تبًا لك ولأصلك!"حدق شاكر في الهاتف بحيرة: "ماذا؟""ما الذي تقصده يا ضرغام؟"كان ضرغام في قمة غضبه، ودوّى صوته الغاضب عبر الهاتف."كاد عاصم يقتلني قبل قليل!""وكل ذلك بسببك يا ابن الكلب!""طلبت مني قتل كنان!""تبًا لك، كدت تتسبب في موتي!"عقد شاكر حاجبيه بشدة."ألم يعجب عاصم المبلغ يا ضرغام؟"صرخ ضرغام بعنف:"إلى الجحيم بمبلغك!""لا تتصل بي بعد اليوم!""وإلا قتلتك أنت وعائلتك!"حدق شاكر في الهاتف بحيرة: "ماذا؟"...في تلك اللحظة، قادت لمار كنان إلى باب المكتب.وكانت على وشك رفع يدها وطرق الباب.لكنها لمحت بطرف عينها كنان منحنيًا ووجهه يملؤه الحرج.كان في الحالة نفسها التي رأته عليها عند خروجهما من إدارة الأمن.فأدركت الأمر فورًا."ما... ما خطبك؟"أدارت رأسها، وتجنبت النظر إليه، وقد احمرت أذناها.ابتسم كنان بمرارة.فهو لا يملك حيلة، إذ ظلت لمار تمسك بيده طوال الطريق...رمقته بنظرة لوم.لا بد أن جمال جسدي هو الذي أثاره بهذه الصورة.هل يعقل أنه انفصل عن نادين لأنه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status