로그인خرج نبيل من بعد تاليا مباشرة وعقله يكاد ينفجر من كثرة التساؤلات والشكوك.
فقد قرر في قرارة نفسه أن يكشف سر هذه الفتاة الغامضة مهما كلفه الأمر. تتبعها بحذر شديد وبدون أن تراه أو تشعر بوجود خلفها في الطرقات . ركبت تاليا الحافلة وهو يسير خلفها بسيارته يراقبها بدقة من بعيد لبعيد. نزلت تاليا أمام محل تجاري كبير ودخلت بهدوء تام دون أن تلتفت وراءها. دخلت إلى حمام المحل وسارعت بتبديل الباروكة الداكنة ببراعة وسرعة فائقة. ولبست نظارة طبية ذات إطار كبير يخفي جزءاً كبيراً من ملامح وجهها. وفتحت بشرتها قليلاً بإزالة بعض المساحيق الداكنة التي كانت تضعها في القصر. ووضعت بالطو طبي أبيض ناصعاً على يديها لتستعد لخطتها القادمة بدقة. ولكنها لم تغير ملابسها الأصلية؛ تنورة طويلة وبلوزة واسعة كانت ترتديهما سابقاً. وخرجت من الحمام بهيئتها الجديدة التي تبدلت تماماً في دقائق معدودة. لم يعرفها نبيل في الوهلة الأولى وكاد أن يفقد أثرها في المحل. ثم لفتت نظره الملابس؛ نفس التنورة والبلوزة اللتين رأهما عليها منذ قليل. فنظر إلى ملامحها بتركيز شديد واستغرب كثيراً لون بشرتها الخمرية الصافية. واستغرب أيضاً شعرها المختلف الذي ظهر، متسائلاً ماذا فعلت هذه الفتاة؟ أثارت تصرفاتها الغريبة والذكية الشك والريبة في داخله أكثر من أي وقت. ثم ذهب خلفها بحذر شديد يتابع كل خطوة تخطوها في الشارع. حتى ذهبت واستقلت سيارة أجرة متوجهة لمحافظة قريبة من حدود القاهرة. ونزلت تاليا عند مزرعة مواشٍ كبيرة يملكها شخص يدعى محسن الفيومي. ارتدت البالطو الأبيض وعلقت على رقبتها الكارنيه المزور المتقن للغاية في تفاصيله. ذلك الكارنيه الذي أرسله وأحضره لها عم علوي لمساعدتها في مهمتها. ودخلت المزرعة بنبرة جادة وثابتة للغاية وسألت العمال بصرامة واضحة: أين صاحب هذه المزرعة؟ أريد مقابلته في أمر رسمي هام. كان الحاج محسن يجلس بالداخل في مكتبه يتابع أعمال المزرعة اليومية. مدت يدها وسلمت عليه بثقة وقالت: أنا الدكتورة حنان من الطب البيطري. وقف الرجل من مقعده ورحب بها قائلاً: أهلاً وسهلاً يا دكتورة. أكملت تاليا حديثها بنبرة عملية منظمة لتبعد عن نفسها أي شبهة: نحن نجري فحوصات دورية بالمجان تماماً في كل المزارع بهذه الفترة. وذلك للاطمئنان الكامل على صحة المواشي بسبب انتشار بعض الأمراض حالياً. قال لها الحاج محسن مطمئناً: اتفضلي يا دكتورة، الحمد لله كل شيء سليم. المواشي عندنا فحصها ممتاز ولا توجد أي أمراض في المزرعة نهائياً. فحصت تاليا عينة من المواشي بتمثيل متقن كأنها طبيبة بيطرية خبيرة. وقالت بهدوء: تمام يا حاج محسن، كل شيء يبدو على ما يرام. وفي طريق خروجها اصطنعت تاليا أنها تفقد توازنها وستقع على الأرض. فسندت بكل ثقلها على كتفه للحظة واحدة بدت وكأنها عفوية تماماً. وبحركة خاطفة وسريعة للغاية أخذت شعرة ساقطة من على عباءته بذكاء. وقفت مستقيمة وقالت باعتذار مصطنع: آسفة بشدة يا حاج، لم أنتبه لخطواتي. رد الرجل عليها بطيبة وعفوية بالغة وقال: ولا يهمك يا بنتي، حصل خير. عندما سمعت كلمة "يا بنتي" تزلزل كيانها ونظرت في عينيه نظرة ثاقبة. تساءلت في أعماقها: هل أنت فعلاً شخص طيب ورحيم كما تبدو الآن؟ أم يختبئ وراء هذه الطيبة وحش غادر وظالم دمر حياة أمي منار؟ شكرته على حسن استضافته وخرجت مسرعة من المزرعة والتوتر يملأ قلبها. ولكن نبيل الواقف بعيداً يراقبها لا يعرف فيما جاءت وماذا تفعل هنا. فتحت تاليا شنطتها الخاصة وهي تنتظر وسيلة مواصلات على جانب الطريق. وضعت شيئاً لم يره نبيل بوضوح داخل كيس بلاستيكي صغير ومحكم الإغلاق. ثم أغلقت الشنطة بحذر شديد وعادت فوراً في طريقها إلى القاهرة. وذهبت مباشرة إلى بيتها القديم وهي ما زالت ترتدي هذه الملابس. وأثناء صعودها قابلتها جارة لهم في المبنى ونظرت إليها باستغراب قائلة: حضرتك عاوزة مين في العمارة هنا؟ هل تبحثين عن شقة معينة؟ ردت تاليا بصوت هادئ ومغير تماماً: خالتي تسكن في هذا المبنى، شكراً لكِ. شاهد نبيل كل ما حدث من تغيير ملابس وتزوير شخصية وزيارة المزرعة. شاهد دخولها إلى ذلك البيت البسيط وتأكد أنها تعيش حياة مزدوجة غامضة. ثم رجع إلى سيارته وجلس وراء المقود وعقله يكاد ينفجر من الشك. وأمسك هاتفه المحمول وعيناه مثبتتان على نافذة شقتها وقال بصرامة: سأبلغ الشرطة فوراً عن هذه الفتاة المحتالة ثم ..سرحت تاليا بخيالها مع مسار سيارة الإسعاف في تلك الليلة المظلمة قبل واحد وعشرين عاماً، وتجسد أمامها سيناريو مرعب جعل الدماء تتجمد في عروقها؛ تخيلت الممرض وهو يلتفت للسائق بنظرة خبيثة ويقول له: "يا حسين.. ما رأيك أن تركن السيارة بعيداً عن الطريق لربع ساعة فقط؟". سأله السائق بحيرة: "ولماذا يا محمود؟"، فأجابه محمود بنبرة لزجة: "لكي نمتع أنفسنا أنا وأنت بهذه الجميلة الغائبة عن الوعي". قال له حسين وهو يستسلم لغوايته: "أنت شيطان حقاً!".تخيلت تاليا كيف انحرفت سيارة الإسعاف لتختفي وسط الأراضي الزراعية المعتمة، وكيف نزل حسين من مقعد القيادة والتفت لمحمود قائلاً بقلب ميت: "معك خمس دقائق فقط لا غير". ثم تمثلت تاليا الممرض محمود وهو ينظر إلى جسد والدتها المنهك ووجهها المغطى بالدماء، ولم يشفع لها مرضها ولا غيبوبتها عنده، فارتكب جرمه البشع داخل سيارة الإسعاف ، ثم نزل بكل برود والتقط السيجارة من يد زميله قائلاً: "أسرع أنت الآن حتى لا نتأخر ونكشف".في تلك اللحظة، انتفض جسد تاليا بالكامل وفتحت عينيها برعب وهي تنفض هذه التخيلات البشعة عن عقلها، وقالت بصوت مرتجف ونبرة حاسمة تحاول طمأنة
وجد نبيل مريم تقف أمامه مباشرة وعيناها تفحصان أرجاء المكان، ثم تقدمت وخطت خطوات نحو السيارة لتنظر إلى داخلها بفضول وشك، لكنها تنفست الصعداء واحست براحة بالغة عندما لم تجد أحداً في المقاعد، فقد كانت تاليا منكمشة بذكاء في الأسفل. التفتت مريم إليه وسألته بنبرة عاتبة: "لقد تأخرت جداً اليوم يا نبيل.. هل كانت تاليا معك طوال هذا الوقت؟".نظر نبيل إليها بثبات وبرود يداري به دقات قلبه المتسارعة، وقال ب نبرة حاسمة: "ماذا ستفعل معي حتى الآن؟ هل ستلاحقينني بالأسئلة؟ لقد ذهبنا بالفعل ووجدنا أن صاحب الشقة قد أجرها لشخص آخر وضاع مشوارنا، فتركتها تذهب لحال سبيلها، وخرجت أنا لقضاء بعض الوقت مع أصدقائي". اقتنعت مريم بكلماته، فصعدت إلى غرفتها.انتظر نبيل في الأسفل وراقب الممر بحذر حتى تأكد أن الجميع قد صعدوا وخلت الردهة تماماً، وكان الليل قد أصبح حالكاً والسكون يلف القصر. في تلك اللحظة، أشار لتاليا فخرجت من مخبئها بخفة، وتسللت عبر الحديقة ودخلت إلى ملحق والدتها وأغلقت الباب خلفها بأنفاس متهدجة.ما إن دخلت، حتى استقبلتها والدتها بقلق عارم وسألتها بلهفة: "لماذا كل هذا التأخير يا تاليا؟
هذه المرة، اقتربت تاليا من نبيل بخطوات بطيئة حالمة، ونظرت مباشرة إلى عمق عينيه، فأحست فيهما بشغف جارف لا يقل أبداً عن شغفها الكامن نحوه. بدأت نبضات قلبها تتصارع في صدرها كطبول متلاحقة، وتردد في خيالها صدى كلماته المشجعة منذ قليل: "افعلي اليوم كل ما يخطر ببالكِ، واتركي مشاعركِ تقودكِ".بلا وعي أو تفكير، وبدافع من مشاعرها الجياشة التي انطلقت من أسرها بعد ظهور النتيجة، أحس نبيل برغبتها وعاطفتها المشتعلة، فاقترب منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما الحارة وسط برودة الصحراء. وفجأة، فاجأته تاليا بجرأة غير معتادة منها؛ اقتربت من شفتيه، وتركت نفسها تماماً لللحظة، وأغمضت عينيها وبدأت هي بتقبيله بنعومة وشغف، وكأنها بتلك اللمسة الدافئة قد أعطته إشارة البدء التي انتظرها طويلاً.تلقى نبيل الإشارة بلهفة، فأكمل هو القبلة بكل ما يحمله قلبه من حب وحنان دفينين. كانت هذه أول قبلة حقيقية بينهما، قبلة نابعة من العاطفة والاشتياق، وبها مشاعر دافئة تكفي لتملأ العالم كله بالسكينة. احتضنها هذه المرة برفق ورقة بالغة، وليس بقوة أو عنف كالمرات السابقة؛ ففي هذه اللحظة، لم تكن تاليا تريد الهروب منه، بل
قالت تاليا بنبرة يملؤها الخوف والتردد: "لا أريد فتحه الآن.. ليس هنا"، وفرّت من المشفى مرعوبة من تلك الحقيقة القابعة داخل المغلف.ركبا معاً السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحرك، حتى التفت إليها نبيل وسألها بنبرة حانية: "ألستِ متحمسة لمعرفة النتيجة؟ لقد انتظرنا هذا الأسبوع على جمر".أجابته بمرارة وإحباط: "إطلاقاً.. أريد أن أؤجل معرفتها طوال العمر إن استطعت. أشعر ببركان داخلي، أريد أن أصرخ صرخة عالية تزلزل الأرض كلها لتخرج هذه الطاقة السامة من صدري.. أنا لا أريد هذا الرجل أباً لي، لا أريد أن يجمعني به جسد أو دم".نظر نبيل إلى ملامحها المنكسرة، وتفهم حجم الضغط الذي تعيشه، فتوقف بسيارته على جانب الطريق، وقال بصوت هادئ ومريح: "هل تحبين أن تبتعدي قليلاً عن كل شيء؟ عن القصر، وعن العمل، وعن هذه المدينة بأكملها؟".أومأت برأسها وقالت بلهفة: "أتمنى ذلك من كل قلبي".فاستدار نبيل بسيارته وانحرف بها عن الطريق الرئيسي. سألته بتعجب: "إلى أين تذهب بنا؟"، فالتفت إليها وابتسم بثقة قائلاً: "سأجعل الكون لكِ وحدكِ الليلة".ضحكت تاليا رغماً عنها، واعتقدت في البداية أنه يمازحها أو يل
نظر نبيل إلى أمه وشعر بالتوتر الساري في الأجواء، فتقدم نحوها بهدوء وقبّل يدها كعادته وسألها باهتمام مصطنع: "ماذا بكِ يا أمي؟ وجهكِ لا يبشر بالخير". رمقته بنظرة عتاب ممتزجة بالخيبة وقالت باقتضاب: "لا شيء.. مجرد تعب مفاجئ، سأصعد إلى غرفتي لأستريح".فهم نبيل من داخله على الفور أن والده قد أخبرها بكل ما رأى في الغرفة، فتنهد في صمت وصعد هو الآخر إلى غرفته. تمدد على السرير وسند رأسه إلى الخلف مغمض العينين، وفجأة ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة من أعماقه وهو يتذكر ملامح وجه تاليا المذعورة عندما وجدته يخلع قميصه بسرعة، وعينيها الواسعتين اللتين اتسعتا بذهول وهي تراه يلقي بجسده فوقها على السرير، ونظرة الدهشة العارمة الممتزجة بالغضب التي ظلت تحدق بها إليه وهو يقبلها بعنف ليخرس صوتها. رفع يده ببطء ووضعها على خده الأيسر، يتحسس أثر صفعاتها القاسية بمتعة غريبة ولذة لم يعهدها من قبل، ثم التفت جانباً وأمسك بالقميص القطني (التيشرت) الأسود الذي كانت ترتديه منذ قليل وقربّه من وجهه، وظل يستنشق رائحتها الذكية العالقة بين ثناياه بشغف أفقده صوابه.أيقظه من حلمه الجميل طرقات قوية على الباب
ولكنه لم يردها أن تخاف من اقترابه أو تسيء فهم حمايته لها، فكبح رغبته في ضمها وتراجع خطوة إلى الخلف محاولاً تهدئتها بكلماته فقط. وعندما وصلا إلى المصعد الضيق وركبا معاً وانغلق الباب عليهما، انفرط عقد صمود تاليا تماماً؛ وبلا تفكير، ارتمت في أحضانه كالطفلة الصغيرة، وتباكت بحرقة وألم لم تعد تقوى على كتمانه.لم يشعر نبيل بنفسه إلا وهو يحتضنها بكل حب وحنان جارف، مطوقاً إياها بذراعيه ليحتويها بداخل صدره العريض ويخبئها عن العالم كله وعن كل أذى. أحست تاليا بصدق أمانه، فلفت ذراعيها حول رقبته بشدة وتشبثت به كأنها تتعلق بحبال النجاة، مما زاد من شعوره بالرغبة في ضمها أكثر فأكثر إلى ضلوعه لكي تشعر بالدفء والسكينة وتنسى تلك التجربة المريرة. استمرت اللحظة الحابسة للأنفاس حتى وصل المصعد إلى الطابق الأرضي، فانحنى نبيل وقبّل رأسها برقة بالغة، وهمس في أذنها بصوت دافئ ورخيم: "لقد وصلنا يا تاليا.. اهدي".أدركت تاليا موقعهما، فتركت رقبته ببطء ومسحت دموعها الساخنة التي أغرقت قميصه، وخرجا معاً مسرعين وركبا السيارة. وبعد فترة من الصمت المطبق قطعته أنفاسهما المتلاحقة، التفتت تاليا ونظرت إلى نبي







