Home / الرومانسية / من هو أبي / حين تتقاطع الطرق

Share

حين تتقاطع الطرق

last update publish date: 2026-06-26 11:07:08

استيقظت تاليا مع تباشير الصباح الأولى، وبدأت تؤدي روتينها اليومي الذي بات جزءاً من واقعها الجديد بعد مرور أسبوع كامل على بداية عملها في القصر. أسبوع واحد كان كفيلاً بأن يُثقل كاهلها بالمسؤوليات، لكنها بدأت تعتاد على وتيرة العمل الشاق وتأقلمت جسدياً مع حركة المطبخ والتنظيف، وإن كان قلبها لا يزال يرفض هذا التنازل القسري.

قبل أن تنصرف وتغادر الشقة، التفتت إلى والدتها الجالسة على الفراش، ومدت يدها بورقة بيضاء وقلم، وقالت لها بنبرة تشجيعية حانية:

* "أمي.. خذي هذه الورقة، وأرجوكِ إذا تذكرتِ أي شيء، حتى لو بدا لكِ صغيراً أو تافهاً، اكتبيه لي فوراً. أريدكِ أن تسردي كل شيء من يوم زفافكِ بأبي وحتى يوم ولادتي.. اكتبيها كأنكِ تدونين مذكراتكِ الشخصية، كل لحظة مرت بكِ، كل تفصيلة في المستشفى، أو الوجوه التي قابلتها. ما رأيكِ؟"

أومأت الأم برأسها في صمت، والدموع تترقرق في عينيها، لكنها كانت نظرة مفعمة بيقين مطلق وقاطع؛ فهي تعلم في علياء نفسها أنها لم تخن زوجها قط، وأن طهرها بريء من كل اتهاماته، وأن اللغز لا بد له من فك شفرته يوماً ما.

وفي تلك الأثناء، على الجانب الآخر من البلاد، كان الغضب يزلزل جدران مكتب فاخر فى السويس. هناك، كان "رأفت الدمنهوري"—والد تاليا، رجل الأعمال ذو النفوذ القوي والسطوة التي تهز رجال المال والسياسة—يتحرك كالنمر الجريح في وسط رجاله وحراسه المدججين بالسلاح.

انفجر رأفت يصرخ في وجوههم، وعروق عنقه بارزة تكاد تنفجر من فرط الحنق:

* "كيف لم تجدوهم حتى الآن؟! أسبوع كامل وامرأتان تختفيان وكأنهما فص ملح وذاب؟! ابحثوا في كل المدن، اقلبوا المحافظات رأساً على عقب! تتبعوا سجلات الجامعات.. تاليا لن تضحي بمستقبلها، بالتأكيد ستنقل أوراقها لتكمل تعليمها في أي كلية طب أخرى. ابحثوا في المستشفيات، في العيادات.. ستضطر للعمل حتماً بعدما ألغيتُ جميع الفيز والحسابات الخاصة بهما وتركتُهما بلا مأوى! ابلغوا معارفنا في أقسام الشرطة والمباحث.. لا أريد رؤية وجه أي منكم حتى تعرفوا مكانهما!"

سكت لثوانٍ، وتراجعت النبرة الحادة لتمتزج بمرارة غريبة وغامضة، ثم أردف بصرامة قاطعة:

* "وأسمعوني جيداً.. أريد إحضارهما بدون أي أذى إطلاقاً.. هل هذا مفهوم؟!"

تحت سماء المدينة الأخرى، كانت تاليا تقف عند محطة الحافلات تنظر إلى زحمة المواصلات الخانقة وصخب الصباح. في تلك اللحظة، استرجعت ذكريات الجامعة القريبة؛ تذكرت كيف كانت تذهب بسيارتها الخاصة الفارهة، بكامل أناقتها ورقتها، دون أن يمس طرف ثوبها أحد. قطع خيالها وصول الأتوبيس العام، واضطرت للتزاحم بين الحشود والرجال لكي تلحق بموعدها وتجد لها موطئ قدم وسط هذا العالم الجديد عليها.

نزلت من الحافلة وهي تجري وتلهث لتصل في ميعادها المحدد، وعند المنعطف المؤدي للبوابة الجانبية للفيلا، كادت تصطدم بسيارة "نبيل بيه" الفاخرة التي توقفت فجأة بفرامل قوية أحدثت صريراً عالياً. تراجعت تاليا مذعورة وهي تضع يدها على صدرها، بينما أطل نبيل من نافذة السيارة، ونظر إلى توترها وجريها وضخك ضحكة ساخرة قائلاً:

* "ألم تهربي بعد يا فتاة؟ ظننتكِ حزمتِ حقائبكِ منذ اليوم الأول!"

نظرت إليه بنظرة مرتعبة، ولم تجب، بل جرت بسرعة لتدخل إلى القصر، لكن السهم كان قد نفذ؛ فقد وصلت متأخرة ربع ساعة كاملة.

استقبلتها الست تهاني بوجه عابس ونبرة حادة، وحذرتها بصرامة:

* "أنتِ متأخرة ربع ساعة يا تاليا! حذرتكِ سابقاً من عدم اتباع التعليمات.. هنا الوقت بحساب. يجب أن تكوني حريصة ومطيعة إذا أردتِ البقاء. اذهبي فوراً لترتيب الغرف العلوية وتنظيفها، واحذري من وجود أي أثر للأتربة.. إن رأت سعاد هانم ذرة غبار واحدة ستغضب، وغضبها لن تحتمليه."

أسرعت تاليا إلى الطابق العلوي ممسكة بأدوات التنظيف، ودلفت إلى جناح المعيشة الخاص، ففوجئت بوجود فتاة فائقة الجمال تجلس رفقة سعاد هانم. كان وجه الفتاة غاضباً وعابساً بوضوح، وكانت تسأل سعاد بنبرة حادة تخلو من الصبر:

* "هل خرج نبيل؟ لقد بحثتُ عنه في المكتب ولم أجده."

أجابتها سعاد بهدوء الملكات:

* "نعم يا مريم، خرج منذ قليل لإنجاز بعض الأعمال."

في تلك الأثناء، جاء الطفل الصغير "هاني" ركضاً نحو والدته مريم، وأمسك بطرف فستانها وهو يقفز قائلاً بطفولية:

* "أمي! تعالي العبي معي قليلاً.. أرجوكِ أنا أشعر بالملل."

أجابته مريم بضيق ودون أن تنظر إليه، وهي ممسكة بهاتفها وتطالع شاشته:

* "ليس الآن يا هاني.. اذهب والعب بعيداً، لستُ متفرغة لك الآن."

شعر الصغير بالرفض والجرح، وبحركة خاطفة وذكية، شد الهاتف من يد والدته وجرى به مسرعاً وضاحكاً وهو يصيح:

* "لقد أصبحتِ متفرغة الآن! لن تأخذيه حتى تلعبي معي!"

ظل هاني يركض ويضحك في أرجاء الصالون ومريم تصرخ خلفه ليُعيد الهاتف، وأثناء ركضه العشوائي، اصطدم بقوة بجسد تاليا الواقفة. أوقفته تاليا برقة بالغة، وانحنت لمستواه، وأخذت الهاتف من يده بهدوء شديد دون تعنيف. نظرت في عينيه وقالت له بأسلوب تربوي ناعم:

* "يا هاني.. إذا أردت أن تلعب معك والدتك، فعليك أولاً ألا تغضبها.. وأنت بتصرفك هذا قد أغضبتها كثيراً. ما رأيك أن تعتذر منها الآن وتعيد إليها الهاتف لترتسم الابتسامة على وجهها؟"

نظر إليها الصغير بغضب طفولي وعناد كبار، وعقد ذراعيه قائلاً:

* "ولماذا أعتذر؟ أنا لا أعتذر لأحد أبداً!"

ابتسمت تاليا بذكاء وقالت له ملمحة بلعبة:

* "للأسف.. كنتُ سألعب معك أنا لعبة جميلة جداً لو فعلت ذلك."

برقت عيناه ونظر إليها متسائلاً:

* "حقاً؟ ستلعبين معي؟"

قالت تاليا:

* "نعم.. ولكنك رفضت الاعتذار، وأنا لا ألعب مع الأطفال المشاكسين."

أطرق هاني رأسه، ثم تحرك ببطء ورجع إلى والدته مريم، ومد يده بالهاتف وقال بصوت خفيض:

* "أنا آسف يا أمي.."

اتسعت عينا مريم وسعاد هانم من فرط التعجب والذهول؛ فلم تكن تاليا قد اعتادت بعد على العمل كخادمة تلتزم الصمت، بل كانت تتصرف على طبيعتها وثقافتها كطالبة طب واعية تفهم سيكولوجية الأطفال. لم تنتبه تاليا لخطورة تصرفها أو تكون حذرة كخادمة تقليدية، فهذا الدور جديد تماماً عليها.

لقد نسيت تاليا تماماً أوامر الست تهاني بترتيب الغرف وانشغلت بهاني لأنها بطبيعتها تعشق الأطفال وتجيد التعامل معهم. اقترب منها الصغير مجدداً وسألها بلهفة:

* "هل ستلعبين معي الآن كما وعدتِني؟"

نظرت تاليا إلى ساعتها في يدها بارتباك، ثم قالت بابتسامه:

* "حسناً.. سألعب معك خمس دقائق فقط الآن، ثم أنهي عملي وتنظيف الغرف، وبعدها نلعب مرة أخرى لمدة نصف ساعة كاملة."

قطب هاني جبينه وقال بغضب:

* "خمس دقائق فقط؟! ليتني ما اعتذرتُ إذاً!"

نظرت مريم إلى تاليا وإلى تعلق ابنها السريع بها، وابتسمت لأول مرة قائلة:

* "إذاً.. لتكن ربع ساعة يا تاليا، ونؤجل العمل قليلاً.. لا بأس."

فرح هاني بشدة وقفز قائلاً:

* "ولكن ستلعبين معي ساعة كاملة بعد أن تنتهي من كل عملكِ!"

وبالفعل، أحضر هاني كرته الصغيرة، وذهبت تاليا معه لتلعب في الحديقة الخارجية تحت ظلال الأشجار، تضحك وتجري معه بعفوية أنستها لوهلة همومها الثقيلة.

وفي الصالون، كانت سعاد هانم تراقب المشهد من خلف الزجاج الكبير، وقالت بنبرة يملؤها العجب:

* "غريبة جداً.. هذه أول مرة أرى فيها هاني يستمع لكلام أحد بهذه السهولة وينصاع لأوامره."

أومأت مريم برأسها وأيدتها قائلة:

* "فعلاً يا أمي.. هذه الفتاة الجديدة غريبة، لقد أثرت عليه بسرعة فائقة في هذه الدقائق القليلة التي قضتها معه، وكأنها تملك سحراً خاصاً!"

.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • من هو أبي   الفصل مائه وخمسه

    وقف عزيز على ركبتيه فوق الأرض السيراميكية الباردة، وجسده يرتجف بعنف إثر الصدمة، والأنفاس تتلاحق في صدره كأنه يركض في مضمار للموت. نظر حوله برعب؛ رأى ابن أخته نبيل مكبلاً بالحبال إلى العمود الرخامي والدماء تسيل من فمه، ورأى منار هانم تقف بوجه شاحب كالأموات بجوار ابنتها تاليا التي كانت تنظر إليه بعيون فيروزية متسعة يملؤها الشك، والغل، والانكسار. وفوق رؤوسهم جميعاً ، كان رأفت الدمنهوري يقف كملك الموت، ممسكاً بمسدسه والشرر يتطاير من عينيه القاسيتين. بلع عزيز ريقه بصعوبة، وتطلع إلى تاليا بنظرة استعطاف باكية ، وصاح بصوت متحشرج يملؤه الندم والخوف: "تاليا... يا ابنتي، أقسم لكِ بالله العلي العظيم أنا لم أكن أعرف! لم أكن أعرف أنكِ ابنة تلك السيدة المسكينة التي كانت في الغيبوبة قبل واحد وعشرين عاماً.. لو كنتُ أعلم، لكنتُ جئتُ إليكِ وأخبرتكِ بكل شيء من تلقاء نفسي ولم أترككِ تعيشين هذا العذاب! أنا لم أفعل شيئاً سيئاً لوالدتكِ إطلاقاً.. أنا لم ألمسها!". تحرك رأفت خطوة نحو الأمام، وهبط بمؤخرة مسدسه على كتف عزيز بعنف جعل الرجل يئن ألمًا، وصرخ فيه برعد زلزل أركان الصا

  • من هو أبي   الفصل مائه واربعه

    لم تكد كلمات نبيل تنتهي حتى تحولت الصالة الكبيرة إلى خية عمليات عسكرية يقودها رأفت الدمنهوري بكل جبروته . تراجعت النظرات القاسية لتستقر على الحراس ، وبنبرة جافة وصارمة تخلو من أي تردد، أصدر رأفت أوامره الحاسمة: "تتحركون الآن إلى المطار.. أريد عزيز هنا قبل أن تطأ قدمه أرض الطائرة، اقلبوا الدنيا ولا تعودوا بدون ذيله!". التفت رأفت إلى نبيل الذي كان الدم ما زال ينزف من زاوية فمه ، وأشار إلى الحراس بترك جَسده مقيداً بحبال غليظة إلى أحد الأعمدة الرخامية الضخمة في وسط الصالة، ليبقى تحت المراقبة المباشرة كرهينة تضمن عدم إفلات المجرم. أما منار وتاليا، فقد أمر رأفت بدفعهما بقسوة نحو غُرفة داخلية مغلقة ومعزولة في نهاية الممر السفلي ، وأوصد الحراس الباب عليهما بإحكام من الخارج ، لتلتقي الأم وابنتها في عتمة الاحتجاز، يلفهما الخوف والترقب القاتل لما سيحدث عند مواجهة الغريم. في تلك الأثناء، كانت عقارب الساعة في مطار القاهرة الدولي تقترب سريعا من موعد إقلاع الطائرة المتجهة إلى الخارج . كان الخال عزيز يقف في صالة المغادرة، ملامحه هادئة لكن في عمق عينيه كان يختبئ قلق مزمن رافقه لو

  • من هو أبي   الفصل مائه وثلاثة

    زلزلت كلمات نبيل أركان الصالة، وتحولت الصدمة إلى بركان من الغضب والذهول. تسمرت تاليا في مكانها لثوانٍ، وعيناها الفيروزيتان تتسعان بجنون، تحاول استيعاب أن الخيط الأخير، والسر البشع الذي طالما بحثت عنه، كان مخبأً في جعبة زوجها. ارتجف جسد تاليا بالكامل، ونظرت إلى نبيل بنظرات امتزج فيها الانكسار بالخيانة، وصرخت بصوت متهدج مزق سكون المكان: "ماذا تقول؟! خالي عزيز؟! هل كنت تنوي ألا تخبرني؟! كيف أمكنك ذلك؟! كيف خبأت عني أمراً كهذا وأنت تراني أموت في اليوم ألف مرة؟!". تلاحقت أنفاسها، واهتزت نبرتها بمرارة قاتلة وهي تتابع: "أنت خائن يا نبيل... خائن! أنا أكرهك! أكرهك!". وسقطت مجدداً على ركبتيها، بينما انهمرت دموعها بغزارة، تضرب الأرض بقبضتيها المقيدتين وهي تشعر بأن العالم كله قد تآمر عليها، وأن الشخص الوحيد الذي وثقت به قد طعنها في ظهرها. لم يمنح رأفت الدمنهوري لنبيل فرصة للدفاع عن نفسه أو تبرير موقفه؛ فقد أعمى الغضب بصيرته، وثار الدم القديم في عروقه كالبركان المشتعل. اندفع رأفت نحو نبيل كالمجندل، وقبض بيده الفولاذية على ياقة قميصه بعنف شديد، حتى كادت الأزرار ت

  • من هو أبي   الفصل مائه واثنان

    ساد صمت جنائزي ثقيل، وبدت فوهة المسدس الموجهة نحوهم كأنها بوابة مشرعة على الموت. في تلك اللحظات الرهيبة ، كان صراع طاحن يمزق رأفت من الداخل؛ فرغم كل الغضب والجبروت والتعطش للانتقام الذي أبداه، إلا أن حبه الدفين لزوجته منار، وشعوره الغامض بالأبوة نحو تاليا ، كانا يسيطران عليه خفية ويحاربان قسوته. لكن كبرياءه منعه من التراجع. رفع رأفت يده ببطء ليعطي الحارس الإشارة الأخيرة بالضغط على الزناد وإسدال الستار على هذه المأساة. "أنا أعرف الفاعل!" شق صراخ نبيل سكون الصالة القاتل، ليتجمد كل شيء في مكانه. استقرت يد رأفت في الهواء ، والتفتت الفوهات نحو نبيل مجدداً. نظر إليه رأفت بعينين ضيقتين. يملؤهما الشك، وأطلق زفيراً حاداً ممزوجاً بالسخرية . وقال بنبرة متهكمة: "الفاعل؟ الآن تذكرت؟ يبدو أنك تحاول كسب بعض الوقت الضائع لتنقذ رقابكم، . لكن ألاعيبك هذه لن تنطلي عليّ!". في تلك الأثناء، التفتت تاليا نحو نبيل، وكانت نظراتها مزيجاً حاداً من الشك، والذهول ، وعدم التصديق. شعرت بغصة في حلقها وتساؤل مرعب يدور في عقلها: كيف يعرف نبيل الفاعل وهو الذي كان يبكي معها ويخبرها أ

  • من هو أبي   الفصل المائة وواحد

    امتص الضوء الساطع الذي انفجر من الثريا الكريستالية الضخمة كل شجاعة تاليا ونبيل في ثوانٍ معدودة . كان المكان يبدو كمسرح جريمة معد سلفاً؛ الصالة الواسعة لفيلا رأفت الدمنهوري، بأثاثها الكلاسيكي الداكن وسجادها الحريري الفاخر، تحولت إلى فخ محكم. تراقصت الأضواء على زجاج النوافذ الكبيرة التي تعكس عتمة الليل في الخارج، بينما كان الصمت في الداخل يضج برعب يحبس الأنفاس. جلس رأفت على مقعده الجلدي الوثير بكامل هيبته وجبروته ، ملامحه الصارمة لم تهتز، وعيناه القاسيتان كصخر الجرانيت تصوبان نظرات ثاقبة نحو الصيد الثمين الذي وقع في شباكه. التفت برأسه ببطء نحو الممر المؤدي إلى الغرف الداخلية، حيث ظهرت منار هانم وهي تخطو خطوات وئيدة مسندة يدها على الجدار؛ كانت ملامحها تشير إلى أنها بدأت تتعافى من وعكتها الصحية الشديدة بفضل الأدوية، لكن وجهها شحب مجدداً فور رؤيتها لابنتها ونبيل في هذا الموقف الصاعق. وضع رأفت كأسه على الطاولة الخشبية الصغيرة بصوت أحدث صدى مخيفاً في أرجاء الصالة، ثم تنهد بنبرة هادئة تملؤها السخرية القاتلة وقال: "بما أنكما تشجعتما واقتحمتما حصني في هذا ا

  • من هو أبي   الفصل المائة

    عاد نبيل إلى القصر والهموم تجثم على صدره كصخرة عاتية. دخل بهو الفيلا بخطوات وئيدة، وعقله يكاد ينفجر من فرط الحقيقة البشعة التي عرفها للتو. لم يكن الألم الذي يعتصره نابعاً من غموض اللغز، بل من وضوحه القاتل؛ فالخيط الذي يبحثان عنه يقبع هنا، في الغرفة المجاورة، تحت اسم "الخال عزيز". صعد الدرج ببطء، وفي صدره غليان مبرح. كيف يخبرها؟ كيف يلتفت إلى زوجته وحبيبته تاليا، التي يمزق الخوف أحشاءها على مأمن والدتها، ليقول لها إن المتهم الأول بنبش عرض أمها هو الرجل الذي تناول معهما الإفطار صباحاً؟ كان يعلم أن تاليا في حالتها الاندفاعية الحالية قد ترتكب جناية، أو تنهار بشكل لا رجعة فيه. فآثر الصمت، صمت يمزقه هو أولاً. فتح باب غرفتهما الهادئة ليرى تاليا جالسة بجوار النافذة، ضامة ركبتيها إلى صدرها، تراقب خيوط الليل العاتية وعيناها الفيروزيتان غارقتان في بحر من الدموع الصامتة. كانت تبدو كعصفور بلله المطر، ترتجف من شدة الألم واليأس. اقترب منها نبيل، وجلس على حافة المقعد، ثم مد يده ليمسح دمعة حارقة سقطت على وجنتها. نظرت إليه بعيون منكسرة وقالت بصوت متهدج يملؤه الوجع:

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status