登入في قلب بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، حيث تُشرق الشمس على دجلة وتنعكس أنوارها على القباب الذهبية، ولدت قصة حبٍّ عذبة بين سعد وليلى. كان سعد شاباً من عامة الشعب، يملك قلباً نقياً وفصاحة لسان، ويعمل في نساخة الكتب وبيع الحرير. أما ليلى، فكانت فتاة ذات حسنٍ باهر وعينين كالحبر العباسي، تعيش مع والدها التاجر المقرب من دار الخلافة. التقيا ذات يوم في سوق الورّاقين، ومنذ تلك اللحظة، أصبحا يتبادلان الرسائل المخبأة بين طيات كتب الشعر، وتعاهدا على الوفاء مهما جارت الأيام.
查看更多انطلق مسرور والجارية في دروب بغداد وعيونهما تترصد المارة، حتى بلغا القصر ودخلا من الباب السري المؤدي إلى جناح السيدة عاتكة. تلوت الجارية بصلوات شكر وهي ترى اللفافة الجلدية المستخرجة من غرفة سعد تقع أخيراً في يد الأميرة العجوز.تفحصت السيدة عاتكة الأوراق تحت ضوء الشموع، وقلّبت الرسائل المكتوبة بخط ابنها مروان وأختامه الرسمية، فارتجفت يداها غضباً وكبرياءً. التفتت إلى ليلى وقالت بنبرة حاسمة:— "الآن ملكنا زمام مروان.. اذهبي يا ليلى إلى مخدعكِ، واغسلي دموعكِ، والبسي أبهى ما عندكِ من حلي وديباج، واجلسي بجانبي كالملكة. الليلة نكسر هذا الصلف."مع حلول المساء، أرسلت السيدة عاتكة في طلب ابنها الأمير. دخل مروان الجناح يجر خطى السهر، متبختراً بكبريائه المعهود، لكنه فوجئ بوجود والدته تجلس بهيبة جلالها، وبجانبها ليلى كدرة مصونة لا تطالها يداه.مروان (بابتسامة متكلفة): "أهلاً بالوالدة السيدة.. شرف الغياب يملأ قصري. ما بال هذه الجلسة المهيبة؟ وكأننا في ديوان الخليفة؟"السيدة عاتكة (بصوت كالرعد): "بل هو ديوان الحساب يا مروان! اجلس كفّ عن الغرور."تنحنح مروان وجلس ببرود، فنظرت إليه أمه باحتقار وقا
لم تضع السيدة عاتكة وقتاً؛ فضغوط الوقت وحسابات السلطة لا تحتمل التأجيل. التفتت إلى خادمتها المقربة وصاحت بنبرة حازمة هزت ممرات الجناح:— "ادعي لي مسروراً فوراً!"كان مسرور هو رجل السيدة عاتكة الصارم، وحارس سرها الأمين منذ سنوات طويلة، رجلٌ ضخم الجثة، ذو عينين صقريتين، لا يعرف الخوف ولا يتردد في تنفيذ أمر سيدته.التفتت السيدة عاتكة إلى ليلى وقالت بلهجة لا تقبل النقاش:— "دعي جاريتكِ الوفية تقود مسروراً إلى ذلك الشخص الثقة الذي يحتفظ بالوثائق خارج القصر. فليأتيا بها سريعاً قبل أن يستفيق مروان من خمرته وتتبدل الأحوال."خرجت الجارية الوفية والذعر يأكل قلبها، ويمشي خلفها مسرور بخطوات واسعة يغطي وجهه بلثام غامق، وسيفه مخبأ تحت قبائه. كانت الجارية تعلم أن "الشخص الثقة" ليس سوى سعد، النساخ الفقير الذي يصارع الموت من أثر الحُمّى في الخان القديم، وأن الحارس طارق قد يكون هناك أيضاً.كانت تهمس لنفسها وهي تسرع خطى سيرها في أسواق الكرخ:"يا رب سترَك.. كيف سأشرح لمسرور وضع سعد؟ وماذا لو وجدنا طارق هناك وظن مسرور أننا نتآمر على القصر؟"وصلت الجارية ومسرور إلى باب الخان القديم، وكان المكان هادئاً
نظرت ليلى إلى والدة مروان بذهول، وتنازعتها المشاعر؛ فمن جهة أحست بالأمان لوجود هذه المرأة القوية بجانبها، ومن جهة أخرى تملكها الرعب، فالرسائل التي تدين مروان بالتآمر واختلاس الخراج باتت الآن مع سعد، وسعد مريض، والمؤامرة تكبر.حاولت ليلى استجماع شجاعتها، وهمست للسيدة عاتكة:— "يا سيدتي.. إن الأمر أكبر من مجرد مجون وغلمان في غرف مغلقة. إن الأمير مروان.. يتآمر على الخلافة نفسها، ويسرق أموال الخراج ليشتري بها ولاء جند الثغور."صُعقت السيدة عاتكة، وتغيرت ملامحها تماماً. ثبتت نظرتها في عيني ليلى وقالت بهمس حاد:— "التآمر والخيانة؟! أهذا صحيح يا ليلى؟ هل لديكِ دليل على ما تقولين؟ إن ثبت هذا، فإن عنقه ستُعلق على أبواب بغداد بأمر الخليفة نفسه!"ليلى (بارتباك وخوف): "نعم يا سيدتي، الدلائل والرسائل بخطه وختمه كانت في صندوقه السري، وقد خرجت من القصر وهي الآن في طريقها إلى القاضي العادل."السيدة عاتكة (بذكاء وحنكة): "من أخرجها؟ وكيف؟ إن كان هذا صحيحاً، فإن مروان سيبيد القصر بأكمله إن شعر باختفائها. يجب أن نتحرك بحذر يا ابنتي. إذا وصلت الرسائل للقاضي،تراجعت السيدة عاتكة خطوة إلى الوراء، وارتسمت
جثا طارق على ركبتيه ورفع ألواح الخشب ليستخرج لفافة الجلد التي تحتوي على الرسائل الخطيرة. نظر إليها، ثم نظر إلى سعد المريض، وتملكه رعب شديد.طارق (محدثاً نفسه بذهول): "كيف أذهب أنا؟ القاضي العادل يعرف سعداً بنزاهته وخطه، ويعرف أنه نساخ محترم. أما أنا.. فمجرد حارس بسيط في قصر الأمير، وإذا دخلت على القاضي بهذه الأوراق، فربما يظنني سارقاً أو متآمراً يسعى لابتزاز الأمراء، وقد يزج بي في السجن مجدداً قبل أن يقرأ سطراً واحداً! والأدهى من ذلك، أن غيابي عن القصر الآن سيثير الشبهات فوراً."التفت طارق إلى سعد وقال بنبرة مليئة بالخوف والمسؤولية:— "يا سعد، أنا لا يمكنني مقابلة القاضي بمفردي، هيبتي كحارس لا تكفي لتصديقي في مثل هذه المؤامرة الكبرى التي تهز أركان الخلافة. يجب أن تكون أنت معي لتشهد على دقة النسخ والخط."أخرج طارق صرة مال صغيرة، وهرع إلى الخارج ليحضر طبيباً يداوي سعداً على عجل، وهو يعلم أن ليلى في تلك الأثناء تجلس خلف قضبان القصر الذهبية، تظن أن الفرج قد حان، بينما القدر ينسج حولة قصتهم ثوباً جديداً من القلق والانتظار على حافة السكينبينما كان طارق يسابق الزمن في أزقة بغداد بحثاً عن





