Home / الرومانسية / من هو أبي / الفصل الثامن والثلاثون

Share

الفصل الثامن والثلاثون

last update publish date: 2026-06-28 07:23:59

ولكنه لم يردها أن تخاف من اقترابه أو تسيء فهم حمايته لها،

فكبح رغبته في ضمها وتراجع خطوة إلى الخلف

محاولاً تهدئتها بكلماته فقط

. وعندما وصلا إلى المصعد الضيق وركبا معاً وانغلق الباب عليهما

، انفرط عقد صمود تاليا تماماً؛

وبلا تفكير، ارتمت في أحضانه كالطفلة الصغيرة،

وتباكت بحرقة وألم لم تعد تقوى على كتمانه.

لم يشعر نبيل بنفسه إلا وهو يحتضنها بكل حب وحنان جارف،

مطوقاً إياها بذراعيه ليحتويها بداخل صدره العريض

ويخبئها عن العالم كله وعن كل أذى. أحست تاليا بصدق أمانه،

فلفت ذراعيها حول رقبته بشدة وتشبثت به كأنها تتعلق بحبال النجاة،

مما زاد من شعوره بالرغبة في ضمها أكثر فأكثر إلى ضلوعه

لكي تشعر بالدفء والسكينة وتنسى تلك التجربة المريرة.

استمرت اللحظة الحابسة للأنفاس حتى وصل المصعد

إلى الطابق الأرضي، فانحنى نبيل وقبّل رأسها برقة بالغة،

وهمس في أذنها بصوت دافئ ورخيم: "لقد وصلنا يا تاليا.. اهدي".

أدركت تاليا موقعهما، فتركت رقبته ببطء ومسحت دموعها الساخنة

التي أغرقت قميصه، وخرجا معاً مسرعين وركبا السيارة.

وبعد فترة من الصمت المطبق قطعته أنفاسهما المتلاحقة

، التفتت تاليا ونظرت إلى نبيل وسألته بحيرة وقلق: "ماذا سنفعل الآن؟

كيف سنأخذ منه عينة الحمض النووي (DNA) بعد كل ما حدث؟

لقد أفسدنا الأمر!".

ابتسم نبيل بذكاء ونظر إليها بثقة، ثم فتح كف يده وقال بنبرة منتصرة:

"لا تقلقي.. لقد أخذتها منه بالفعل وأنا أضربه بالداخل،

دون أن يشعر بوجودها في يدي أصلاً".

ارتسمت على وجه تاليا ابتسامة واسعة ومشرقة،

كانت كافية جداً لتجعل قلب نبيل يحلق في السماء

من فرط السعادة والراحة.

وبتلقائية، امسكت كف يده بأصابعها الرقيقة وقالت بنبرة ممتنة:

"أنا لا أعرف كيف أشكرك حقاً..

لولا وجودك لحدث ما لا يحمد عقباه".

نظر إلى يدها الممسكة بيده وقال بابتسامة غامضة:

"ولكنني أنا أعرف كيف يكون الشكر".

سألته بفضول: "كيف؟".

أجابها وعيناه تلاحقان الطريق: "لاحقاً.. سأخبركِ في الوقت المناسب".

ثم توقف بالسيارة بجوار مقهى هادئ،

ونزل وقال لها بنبرة عملية: "

هيا، اذهبي مسرعة إلى الداخل وبدلي ملابسك

وأعيدي المساحيق كما كانت،

حتى أذهب أنا إلى الصيدلية المجاورة وأشتري بعض الأدوية لوالدتكِ،

تماماً كما أخبرتِ تهاني في الهاتف ليكون عذرنا مقنعاً".

وفي هذه الأثناء داخل الفيلا،

كانت سعاد هانم قد عادت من مشوارها،

بينما ظلت مريم مع صديقاتها بالخارج ولم ترجع بعد

. استغل أحمد بيه الفرصة،

ونادى زوجته بجدية قائلاً: "تعالي معي إلى المكتب يا سعاد،

أريدكِ في موضوع هام وعاجل".

دخلت سعاد والقلق ينهش قلبها من ملامح وجهه الصارمة،

وسألته: "ماذا حدث؟ أقلقني كلامك".

أجابها أحمد بحسم:

"نبيل.. لابد أن تحسمي موضوع زواجه من مريم في أسرع وقت

، وإذا كان هذا الأمر محالاً بينهما،

فيجب علينا أن نزوجه من أي فتاة أخرى فوراً!".

استغربت سعاد بشدة وقطبت حاجبيها قائلة:

"ولماذا هذا الاستعجال المفاجئ؟

لقد تحدثتُ معه مراراً وتكراراً من قبل،

وكان يرفض تماماً فكرة الزواج

، ويقول إنه لا يفكر في هذا الأمر الآن".

أدار أحمد وجهه خجلاً من تفاصيل ما رأى،

وقال بنبرة غاضبة: "بدون لماذا يا سعاد! افعلي ما أقوله لكِ فحسب".

أصرت سعاد وقالت بحيرة:

"لكن لابد أن أفهم السبب أولاً لتغيير رأيك!".

نظر إليها أحمد وشرارات الغضب تخرج من عينيه،

وقال بصوت مرتفع: "الوقت يتغير، والولد كبر

ومشاعره وتصرفاته تتغير للأسوأ!".

سألته بتشكك: "وهل طلب منك هو الزواج؟".

قال لها بسخرية: "طبعاً لا!".

قالت سعاد براحة: "إذن واضح أنك فهمت تصرفاته خطأ يا أحمد".

ضرب أحمد بيده بقوة على سطح المكتب الخشبي

حتى اهتزت الأوراق، وقال بغضب عارم:

"ابنكِ هذا أمكسه كل يوم مع امرأة جديدة! مرة أراه مع فتاة سمراء،

ومرة مع فتاة شقراء!

واليوم وصل به الأمر وبكل وقاحة أن يجلبها معه إلى داخل غرفة نومه

في بيتي! لقد فتحتُ الباب عليهما فجأة ووجدتهما معاً على السرير

في وضع مريب.. ولا أظن أنني بحاجة لتفسير وشرح أكثر من ذلك!

انظري في هذا الأمر وجدي حلاً فورياً لولدكِ قبل أن تقع الفضيحة!".

ذهلت سعاد تماماً مما سمعته، ووقعت الكلمات عليها كالصاعقة

، فوضعت يدها على فمها من فرط الصدمة والذهول،

ولم تصدق أن ابنها الرزين يفعل ذلك.

في هذه الأثناء، وصلت تاليا إلى الفيلا وذهبت مسرعة نحو الملحق

لتطمئن على والدتها وتخفي العينة،

بينما دلف نبيل إلى الداخل بخطوات هادئة متظاهراً بالطبيعية

، فوجد أمه تخرج للتو من مكتب أبيه والشرر يتطاير من عينيها.

التفتت إليه فور سماع خطواته، ونظرت إليه نظرة......

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • من هو أبي   الفصل الثالث والاربعون

    سرحت تاليا بخيالها مع مسار سيارة الإسعاف في تلك الليلة المظلمة قبل واحد وعشرين عاماً، وتجسد أمامها سيناريو مرعب جعل الدماء تتجمد في عروقها؛ تخيلت الممرض وهو يلتفت للسائق بنظرة خبيثة ويقول له: "يا حسين.. ما رأيك أن تركن السيارة بعيداً عن الطريق لربع ساعة فقط؟". سأله السائق بحيرة: "ولماذا يا محمود؟"، فأجابه محمود بنبرة لزجة: "لكي نمتع أنفسنا أنا وأنت بهذه الجميلة الغائبة عن الوعي". قال له حسين وهو يستسلم لغوايته: "أنت شيطان حقاً!".تخيلت تاليا كيف انحرفت سيارة الإسعاف لتختفي وسط الأراضي الزراعية المعتمة، وكيف نزل حسين من مقعد القيادة والتفت لمحمود قائلاً بقلب ميت: "معك خمس دقائق فقط لا غير". ثم تمثلت تاليا الممرض محمود وهو ينظر إلى جسد والدتها المنهك ووجهها المغطى بالدماء، ولم يشفع لها مرضها ولا غيبوبتها عنده، فارتكب جرمه البشع داخل سيارة الإسعاف ، ثم نزل بكل برود والتقط السيجارة من يد زميله قائلاً: "أسرع أنت الآن حتى لا نتأخر ونكشف".في تلك اللحظة، انتفض جسد تاليا بالكامل وفتحت عينيها برعب وهي تنفض هذه التخيلات البشعة عن عقلها، وقالت بصوت مرتجف ونبرة حاسمة تحاول طمأنة

  • من هو أبي   الفصل الثاني والاربعون

    وجد نبيل مريم تقف أمامه مباشرة وعيناها تفحصان أرجاء المكان، ثم تقدمت وخطت خطوات نحو السيارة لتنظر إلى داخلها بفضول وشك، لكنها تنفست الصعداء واحست براحة بالغة عندما لم تجد أحداً في المقاعد، فقد كانت تاليا منكمشة بذكاء في الأسفل. التفتت مريم إليه وسألته بنبرة عاتبة: "لقد تأخرت جداً اليوم يا نبيل.. هل كانت تاليا معك طوال هذا الوقت؟".نظر نبيل إليها بثبات وبرود يداري به دقات قلبه المتسارعة، وقال ب نبرة حاسمة: "ماذا ستفعل معي حتى الآن؟ هل ستلاحقينني بالأسئلة؟ لقد ذهبنا بالفعل ووجدنا أن صاحب الشقة قد أجرها لشخص آخر وضاع مشوارنا، فتركتها تذهب لحال سبيلها، وخرجت أنا لقضاء بعض الوقت مع أصدقائي". اقتنعت مريم بكلماته، فصعدت إلى غرفتها.انتظر نبيل في الأسفل وراقب الممر بحذر حتى تأكد أن الجميع قد صعدوا وخلت الردهة تماماً، وكان الليل قد أصبح حالكاً والسكون يلف القصر. في تلك اللحظة، أشار لتاليا فخرجت من مخبئها بخفة، وتسللت عبر الحديقة ودخلت إلى ملحق والدتها وأغلقت الباب خلفها بأنفاس متهدجة.ما إن دخلت، حتى استقبلتها والدتها بقلق عارم وسألتها بلهفة: "لماذا كل هذا التأخير يا تاليا؟

  • من هو أبي   الفصل الحادي والاربعون

    هذه المرة، اقتربت تاليا من نبيل بخطوات بطيئة حالمة، ونظرت مباشرة إلى عمق عينيه، فأحست فيهما بشغف جارف لا يقل أبداً عن شغفها الكامن نحوه. بدأت نبضات قلبها تتصارع في صدرها كطبول متلاحقة، وتردد في خيالها صدى كلماته المشجعة منذ قليل: "افعلي اليوم كل ما يخطر ببالكِ، واتركي مشاعركِ تقودكِ".بلا وعي أو تفكير، وبدافع من مشاعرها الجياشة التي انطلقت من أسرها بعد ظهور النتيجة، أحس نبيل برغبتها وعاطفتها المشتعلة، فاقترب منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما الحارة وسط برودة الصحراء. وفجأة، فاجأته تاليا بجرأة غير معتادة منها؛ اقتربت من شفتيه، وتركت نفسها تماماً لللحظة، وأغمضت عينيها وبدأت هي بتقبيله بنعومة وشغف، وكأنها بتلك اللمسة الدافئة قد أعطته إشارة البدء التي انتظرها طويلاً.تلقى نبيل الإشارة بلهفة، فأكمل هو القبلة بكل ما يحمله قلبه من حب وحنان دفينين. كانت هذه أول قبلة حقيقية بينهما، قبلة نابعة من العاطفة والاشتياق، وبها مشاعر دافئة تكفي لتملأ العالم كله بالسكينة. احتضنها هذه المرة برفق ورقة بالغة، وليس بقوة أو عنف كالمرات السابقة؛ ففي هذه اللحظة، لم تكن تاليا تريد الهروب منه، بل

  • من هو أبي   الفصل الأربعون

    قالت تاليا بنبرة يملؤها الخوف والتردد: "لا أريد فتحه الآن.. ليس هنا"، وفرّت من المشفى مرعوبة من تلك الحقيقة القابعة داخل المغلف.ركبا معاً السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحرك، حتى التفت إليها نبيل وسألها بنبرة حانية: "ألستِ متحمسة لمعرفة النتيجة؟ لقد انتظرنا هذا الأسبوع على جمر".أجابته بمرارة وإحباط: "إطلاقاً.. أريد أن أؤجل معرفتها طوال العمر إن استطعت. أشعر ببركان داخلي، أريد أن أصرخ صرخة عالية تزلزل الأرض كلها لتخرج هذه الطاقة السامة من صدري.. أنا لا أريد هذا الرجل أباً لي، لا أريد أن يجمعني به جسد أو دم".نظر نبيل إلى ملامحها المنكسرة، وتفهم حجم الضغط الذي تعيشه، فتوقف بسيارته على جانب الطريق، وقال بصوت هادئ ومريح: "هل تحبين أن تبتعدي قليلاً عن كل شيء؟ عن القصر، وعن العمل، وعن هذه المدينة بأكملها؟".أومأت برأسها وقالت بلهفة: "أتمنى ذلك من كل قلبي".فاستدار نبيل بسيارته وانحرف بها عن الطريق الرئيسي. سألته بتعجب: "إلى أين تذهب بنا؟"، فالتفت إليها وابتسم بثقة قائلاً: "سأجعل الكون لكِ وحدكِ الليلة".ضحكت تاليا رغماً عنها، واعتقدت في البداية أنه يمازحها أو يل

  • من هو أبي   الفصل التاسع والثلاثون

    نظر نبيل إلى أمه وشعر بالتوتر الساري في الأجواء، فتقدم نحوها بهدوء وقبّل يدها كعادته وسألها باهتمام مصطنع: "ماذا بكِ يا أمي؟ وجهكِ لا يبشر بالخير". رمقته بنظرة عتاب ممتزجة بالخيبة وقالت باقتضاب: "لا شيء.. مجرد تعب مفاجئ، سأصعد إلى غرفتي لأستريح".فهم نبيل من داخله على الفور أن والده قد أخبرها بكل ما رأى في الغرفة، فتنهد في صمت وصعد هو الآخر إلى غرفته. تمدد على السرير وسند رأسه إلى الخلف مغمض العينين، وفجأة ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة من أعماقه وهو يتذكر ملامح وجه تاليا المذعورة عندما وجدته يخلع قميصه بسرعة، وعينيها الواسعتين اللتين اتسعتا بذهول وهي تراه يلقي بجسده فوقها على السرير، ونظرة الدهشة العارمة الممتزجة بالغضب التي ظلت تحدق بها إليه وهو يقبلها بعنف ليخرس صوتها. رفع يده ببطء ووضعها على خده الأيسر، يتحسس أثر صفعاتها القاسية بمتعة غريبة ولذة لم يعهدها من قبل، ثم التفت جانباً وأمسك بالقميص القطني (التيشرت) الأسود الذي كانت ترتديه منذ قليل وقربّه من وجهه، وظل يستنشق رائحتها الذكية العالقة بين ثناياه بشغف أفقده صوابه.أيقظه من حلمه الجميل طرقات قوية على الباب

  • من هو أبي   الفصل الثامن والثلاثون

    ولكنه لم يردها أن تخاف من اقترابه أو تسيء فهم حمايته لها، فكبح رغبته في ضمها وتراجع خطوة إلى الخلف محاولاً تهدئتها بكلماته فقط. وعندما وصلا إلى المصعد الضيق وركبا معاً وانغلق الباب عليهما، انفرط عقد صمود تاليا تماماً؛ وبلا تفكير، ارتمت في أحضانه كالطفلة الصغيرة، وتباكت بحرقة وألم لم تعد تقوى على كتمانه.لم يشعر نبيل بنفسه إلا وهو يحتضنها بكل حب وحنان جارف، مطوقاً إياها بذراعيه ليحتويها بداخل صدره العريض ويخبئها عن العالم كله وعن كل أذى. أحست تاليا بصدق أمانه، فلفت ذراعيها حول رقبته بشدة وتشبثت به كأنها تتعلق بحبال النجاة، مما زاد من شعوره بالرغبة في ضمها أكثر فأكثر إلى ضلوعه لكي تشعر بالدفء والسكينة وتنسى تلك التجربة المريرة. استمرت اللحظة الحابسة للأنفاس حتى وصل المصعد إلى الطابق الأرضي، فانحنى نبيل وقبّل رأسها برقة بالغة، وهمس في أذنها بصوت دافئ ورخيم: "لقد وصلنا يا تاليا.. اهدي".أدركت تاليا موقعهما، فتركت رقبته ببطء ومسحت دموعها الساخنة التي أغرقت قميصه، وخرجا معاً مسرعين وركبا السيارة. وبعد فترة من الصمت المطبق قطعته أنفاسهما المتلاحقة، التفتت تاليا ونظرت إلى نبي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status