Share

2: اختطاف

Author: ملاك
last update publish date: 2026-03-27 23:28:40

​بعد تسعة أشهر..

​كانت تجلس في حديقة القصر الغناء، تستنشق عبير الزهور وتستمع لزقزقة العصافير التي تداعب سكون عالمها المظلم. شرد ذهبها لذلك اليوم الذي احتمت فيه بجدها "أكرم"، وكيف ثار كالإعصار حين علم بغدر "جاسر". لم يكتفِ الجد بتطليقها منه، بل دمر إمبراطوريته الورقية واستولى على شركته، تاركاً إياه حطاماً مطروداً من عالم الأعمال .

​ابتسمت كوثر بارتياح وهي تشعر بيد جدها الحانية تساندها، وفجأة.. اخترقت صرخة ألم مزلزة هدوء المكان.

ـ "آااااااه.. جدي! أنقذني.. أنقذوني!"

​هرع الجميع، الجد أكرم وقف لثواني يستوعب ما يحصل ولكنه تدارك الموقف بسرعه نادى على السائق "إسماعيل" الذي قاد السيارة بجنون نحو المستشفى. مرت ساعات من الرعب أمام غرفة العمليات، حتى خرج الطبيب يتنفس الصعداء:

"اطمئن يا سيد أكرم.. العملية كانت صعبة وكدنا نفقد الأم، لكن بفضل الله هي بخير.. والولد نُقل إلى الحضّانة لأنه وُلد ضعيفاً بعض الشيء."

​دخل أكرم غرفتها، فوجدها تستعيد وعيها بوهن شديد

ـ "ابني.. أين ابني يا جدي؟" سألت بلهفة وفزع.

طمأنها الجد وهو يربت على يدها بحنان:

"اهدئي يا قلب جدك، هو في الحضّانة ليطمئنوا عليه لا تقلقي "

ضحك الجد بحب: "ابنكِ يشبهكِ تماماً يا كوثر.. سيكون لدينا قمران في البيت."

دخلت حور وحياة إلى غرفة المستشفى كإعصار من الحيوية، تقطعان هدوء الغرفة بمرحهما المعتاد. كان أكرم يجلس بهيبته المعهودة بجوار فراش كوثر، يربت على يدها بحنان الأب.

​التفتت حور نحو حياة وهي تضع يدها على خصرها بحنق مصطنع:

ـ "ألم تسمعي يا حياة؟ جدي يقول إن هناك قمرين في البيت الآن! يبدو أنه سُحب البساط من تحت أقدامنا."

​ضحكت حياة وهي تقترب من كوثر لتقبل جبينها بعمق:

ـ "دعيه يقول ما يشاء يا حور.. المهم أن كوثر بخير، أما القمر الحقيقي فهو هذا الصغير الذي سينير قصرنا.. أليس كذلك يا جدي؟"

​ابتسم أكرم بوقار، ثم التفت نحو حفيدته المدللة كوثر وسألها بنبرة هادئة:

ـ "ماذا تريدين تسميته يا ابنتي؟"

​ابتسمت كوثر بوهن، وعيناها اللتان لا تريان النور تشعان ببصيرة غريبة وهي تجيب:

ـ "أيوب.. ليكون عوض الله لي على صبري، أريده أن يكون صبوراً كما كان نبي الله أيوب."

​أومأ أكرم برأسه فخراً، بينما همست حياة بتأثر:

ـ "اسمٌ عظيم يا كوثر، يليق بقطعة من قلبك."

​في جانب آخر مظلم من المستشفى.......وفي ممرٍّ جانبيّ لم تصل إليه أضواء المستشفى الخافتة، وقفت الممرضة "إيمان" تتلفت حولها بريبة، وقد التصق هاتفها بأذنها وهي تهمس بصوتٍ يرتجفُ طمعاً:

ـ "أكد لي العرض مرة أخرى.. هل أنت جادٌّ بشأن مئة ألف دولار؟"

​جاءها صوتٌ عبر الهاتف، جافاً كصوت احتكاك الصخور، يحمل نبرةً لا تقبل الجدل:

ـ "المالُ ينتظركِ في حقيبةٍ سوداء خلف المبنى المهجور للمستشفى، بشرط واحد.. أن يكون الرضيعُ ذكراً، وبصحةٍ تحتمل السفر."

​ابتلعت ريقها وهي تنظر نحو باب الحضانة من بعيد، وتابعت بجشع:

ـ "توجد حالة ولادةٍ منذ ساعات.. رضيعٌ جميل كالفجر، لكنه في الحضانة الآن لأنه يحتاج لبعض الرعاية. سأهتم بأمر الكاميرات، فمسؤول المراقبة قد قُبض ثمن صمته بالفعل."

​أردف الغريب ببرودٍ مرعب:

ـ "أمامكِ ساعة واحدة.. التيار سينقطع عن هذا الجناح لدقائق معدودة، اجعليها فرصتكِ الوحيدة. لا أريد أخطاءً، ولا أريد صراخاً يجلب الانتباه. خذي الطفل واخرجي من الباب الخلفي."

​أغلقت الخط والبريق الشرير يتراقص في عينيها. وبمجرد أن خفتت أضواء الممر معلنةً بدء "المهمة"، تسللت كالأفعى نحو الحضانة. مدت يدها المرتجفة نحو الفراش الصغير، واختطفت ذلك الجسد الغضّ الذي كان يغطُّ في نومٍ بريء، لا يدرك أن قدره قد سُرق في غمضة عين.

​دثرته بغطاءٍ ثقيل ليخمد أنفاسه الضعيفة، وهرعت عبر الممرات المظلمة، غير عابئةٍ بالدمار الذي ستخلفه وراءها، أو بصرخة الأم الكفيفة التي ستزلزل أركان المستشفى حين تعلم أن "عوض صبرها" قد تبخر في ليلةٍ غاب فيها الضمير.

​وصلت إلى خلف المستشفى، حيث كانت تنتظرها سيارةٌ سوداء زجاجها معتم. سلمت "الأمانة" المخطوفة بيدٍ باردة، وتلقفت حقيبة المال بلهفةٍ مقززة، بينما انطلقت السيارة كالسهم، تحمل معها طفلاً لا ذنب له سوى أنه وُلد في توقيتٍ خاطئ.

​في صباح اليوم التالي.........​كانت كوثر ترقد على فراشها، وبجانبها حور، حياة، جميلة، والجد أكرم الذي لم يتركها لحظة. فجأة، اقتحمت ليلى الغرفة بمرحها المعتاد:

"السلام عليكم يا أهل الخير! حمد لله على سلامتك يا كوثر.. أين الصغير؟ أريد رؤية الصغير فورا!"

​لم تهدأ ليلى حتى وافق الجد على اصطحابها للحضانة. وقفا أمام الممرضة، وهتف أكرم بوقار:

ـ "نريد رؤية الرضيع.. اسمه (أيوب جاسر ) "

​دخلت الممرضة ثم عادت بوجهٍ شاحب:

"لا يوجد طفل بهذا الاسم هنا يا سيدي!"

​انتفض أكرم بصدمة: "ماذا تقصدين ؟! لقد رأيته بنفسي ليلة أمس في هذا المكان!"

هرع الطبيب على صوت صراخ الجد، ودخل الحضانة بنفسه ليبحث، لكنه وجد فراش "أيوب" خالياً، وبدلاً منه كانت ترقد طفلة أخرى!

​هتف الطبيب بذهول: "هذا مستحيل.. أين ذهب الطفل؟....مستحيل لا يمكن ....هل اختُطف ؟ "

​كاد أكرم أن يسقط أرضاً من هول الفاجعة، لولا أن تداركته ليلى بخوف. اتجهوا فوراً لغرفة المراقبة، ليجدوا تسجيلات الكاميرات قد تعطلت في توقيتٍ مشبوه. صرخ الجد في حارس الأمن بغضبٍ زلزل المكان:

ـ "كيف يختفي حفيد (أكرم الجبيلي) من بين أيديكم؟ أين كنتم أيها الحمقى؟"

​أجاب الحارس برعب: "كنت أحضر الطعام..... وزميلي ذهب لدورة المياه.....نحن نعتذر كثيرا لا نعرف حقاً كيف حصل هذا ؟! "

هتفت ليلى بغضبٍ عارم: "آسفون؟ وهل سيعيد الأسف ابناً لأمه المكسورة؟ سيعود الطفل الآن وإلا سأهدم هذا المكان على رؤوسكم!"

​أبلغ أكرم الشرطة، وبدأت التحقيقات تحت وطأة نفوذه الواسع. ثم عاد بخطواتٍ مثقلة بالهمّ إلى غرفة حفيدته.

سألته كوثر بابتسامةٍ عذبة: "هل رأيتِ (أيوب) يا ليلى؟ هل هو جميل كالقمر؟"

​نظر الجد إليها بحزنٍ يمزق أحشاءه، وقال بصوتٍ مخنوق:

ـ "كوثر.. ابنتى.. ابنكِ..."

توقفت الكلمات في حلقه، بينما استمعت إليه كوثر بصمت، ثم فجأة.. انفجرت بضحكةٍ هستيرية وكأن عقلها يرفض تصديق ما توشك أذناها على سماعه!

_____________

بعد شهر.. في صخب ملهى ليلي بلندن..

كان يجلس ذلك الشاب سفيان ذو التاسعه والعشرين من عمره بملامحه الحادة ووسامته المستفزة، يجرع كأسه بملل وقسوة.

جاء صديقه "عمر" يمازحه: "سفيان..... عاش مَن رآك! "

" ولكن أخبرني ماذا فعلت مع تلك الفتاة التي ادعت أنها حامل بعد ليلة لندن؟"

أجاب سفيان ببرود قاتل: "طردتها طبعاً.. حثالة تحاول خداعي بادعاء الحمل؟ كانت ليلة وذهبت لحال سبيلها، وقد نسيت الأمر تماماً."

​نهض سفيان مغادراً بجبروت، عائداً إلى شقته الفاخرة. وبمجرد أن وضع مفتاحه في الباب واستعد لتبديل ملابسه، رن جرس الباب بإلحاح مزعج.

فتح الباب بضيق، لتتجمد الدماء في عروقه وهو ينظر للطارق بذهول:

" أنتِ؟! "

" ماذا تفعلين هنا ؟! "

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (3)
goodnovel comment avatar
ملاك
شاطر هي فعلا هتخليه يندم يعمل كده تاني ......️
goodnovel comment avatar
Mohammed Ahmed
البت اللي هتجيبه على بوزه ...
goodnovel comment avatar
ملاك
يا تُرى هيحصل إيه ؟ ومين اللي سفيان شافه؟
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   29 : تحدي ....ووقوع في الفخ !

    هتف الطبيب بسرعة وخوف بعد أن رأى غضبهن: ـ "إنه فقط.. مرض السكري!" ​رددت جميلة الكلمة بتعجب واستغراب: ـ "مرض السكري؟!.. ولكن جدي ليس مريضاً بالسكر في الأساس! " ​حمحم الطبيب بتوتر قبل أن يجيب بجدية: ـ "حسناً.. مرض السكري شائع جداً ويصيب معظم كبار السن في هذا العمر، لذا هو أمر عادي ولا داعي للقلق." ​صرخت به حياة بغضب وحدة : ـ "لا داعي للقلق؟! إذا كنت لا تريدنا أن نقلق، فلماذا ظللت صامتاً ومتردداً هكذا في البداية لتثير رعبنا؟" ​أجاب الطبيب بإحراج وتوتر واضح: ـ "أنا أعتذر عن هذا.. ولكن في الحقيقة، السيد أكرم هو من طلب مني ألا أخبركم بأي شيء لأنه لم يكن يريد إزعاجكم أو إقلاقكم، ولهذا السبب كنت متردداً في الكلام." ​هتفت ليلى بانزعاج وضيق من تصرف جدها: ـ "هذا العجوز.. لن يفلت مني عندما أراه فـ..." ​قاطعتها كوثر قائلة بقلق ما زال يسيطر عليها: ـ "انتظري يا ليلى.. إذن أيها الطبيب، هل نستطيع الدخول ورؤيته الآن؟" ​أجابها الطبيب بلطف: ـ "بالطبع يمكنكم رؤيته، ولكن غداً.. اليوم يحتاج إلى الراحة التامة، لذا دعوه ينام قليلاً." ​أومأ الجميع برؤوسهم وأطلقوا تنهيدة طويلة ملي

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   28 : هل لإنني...عمياء؟؟

    هرول سفيان في طرقات المستشفى الطويلة بقلبٍ يخفق رعباً، حتى وصل إلى أمام غرفة الطوارئ التي يرقد بها جده. وعندما وصل، وجد الفتيات يتجمعن أمام الغرفة؛ ملامح القلق والخوف كانت ترتسم على وجوههن جميعاً، ومنهن من كانت تسير ذهاباً وإياباً بخطواتٍ متوترة وترقبٍ قاتل ينهش أعصابهن. ​اتجه سفيان نحوهن بخطواتٍ متسارعة، وهتف بنبرةٍ قلقة وهو يوجه حديثه نحو ليلى قائلاً: ـ "ليلى، ما الذي حصل؟ كيف وصل الحال بجدي إلى المستشفى؟ لقد كان بخير في الصباح!" ​نظرت له ليلى بأعينٍ يملأها القلق، ثم هزت رأسها بنفيٍ عاجز وقالت بنبرةٍ خائفة: ـ "لا أعرف يا سفيان.. لقد كنتُ مع كوثر في الغرفة عندما سمعتُ سُعاد تصرخ فجأة وتطلب منا أن نتصل بالإسعاف." ​ثم أكملت بنبرةٍ مرتجفة وهي تتذكر المشهد القاسي الذي رأته عيناها: ـ "وعندما وصلتُ إلى الغرفة كان..." صمتت قليلاً لتلتقط أنفاسها المتهدجة، ثم أكملت بمرارة: ـ "كان جدي ملقى على الأرض.. فاقداً للوعي، لا يتنفس و..." ​توقفت عن الكلام تماماً، وعجزت عن نطق المزيد وهي تبتلع تلك الغصة التي وقفت في حلقها كالشوك عندما تذكرت جسد جدها المستسلم أرضاً دون حراك؛ ثم رفعت يديها لت

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   27 : اعتراف بالخطأ !!

    أجابه سليمان ببرودٍ وسخرية، وعيناه تحملان تحدياً صريحاً:ـ "كيف أجرؤ!!؟ سيد أدهم هل تعتقد أنني سائقك الخاص لأتحدث معك باحترام؟"​ثم أكمل بجمودٍ قاطع:ـ "وأنا لم أقل شيئاً خاطئاً.... الآنسة حور تبدو متعبة بالفعل... لذا إذا لم تعجبك طريقة حديثي معك... فلتضرب رأسك في الحائط لأنني لا أهتم."​نظرت له حور بصدمةٍ وذهول من طريقة حديثه الباردة والحادة، وهي التي لم تره يوماً يتحدث بهذا الأسلوب الصارم.وبالتأكيد انتبهت فوراً إلى ردة فعل أدهم المنزعجة والغاضبة التي ظهرت جلية على تقاطيع وجهه إثر كلمات سليمان، الفكرة التي جعلت الأجواء تشتعل توتراً، فهتفت بإحراجٍ وبنبرةٍ أصابها القلق:ـ "سيد أدهم.. أنا أعتذر لـ..."​لم تستطع حتى أن تُنهي اعتذارها؛ إذ امتدت يد سليمان ليمسكها من كفها ويسحبها خلفه بخطواتٍ حاسمة قطعت أي مجال للنقاش.فتح باب السيارة الخلفي لها لتركب، وقبل أن تخطو إلى الداخل، التفتت ونظرت إليه قليلاً بصمتٍ تائه، ثم ركبت بهدوء.​أغلق سليمان الباب بقوة، ثم توجه بخطواتٍ سريعة ليجلس خلف مقعد السائق، وأدار المحرك لينطلق بالسيارة مخلّفاً أدهم وراءه.​ساد صمتٌ خانق وثقيل داخل السيارة، صمتٌ لم يق

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   26: رغبة في البكاء !!

    في الوقت نفسه...داخل قصر الجبيلي، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورةٍ غير معتادة.جلس الجد أكرم داخل مكتبه الواسع، وأمامه ألبومٌ قديم للصور.مرّر أصابعه المرتجفة فوق إحدى الصور ببطء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ حزينة.صورةٌ لابنه الأكبر...ثم أخرى لابنته...ثم صورة تجمع العائلة كلها قبل سنواتٍ طويلة، قبل أن يسرق ذلك الحادث كل شيء.تنهد بعمق، وشعر بوخزةٍ مؤلمة داخل صدره.ثم همس بصوتٍ مبحوح:ـ "مرت سنوات طويلة... وما زلت أشتاق إليكم وكأن الأمر حدث بالأمس."توقفت أنامله فوق صورةٍ أخرى، وسرعان ما امتلأت عيناه بالدموع قائلاً: ـ "لقد كبر الأحفاد... وأصبح لكلٍ منهم عالمه الخاص."ثم أكمل وهو يبتسم بحزن ومازال يحدق في الصور : ـ "لكنني تعبت... تعبت كثيرًا."وفجأة...أخذ يسعل بقوة وشعر بصعوبة في التنفس فجأة : ـ "كح... كح... كح..."وضع يده فوق صدره محاولًا التقاط أنفاسه، لكن السعال ازداد حدة.تغير لون وجهه تدريجيًا، وشعر بأن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيه كما يجب.حاول النهوض من مقعده بصعوبة وهو يتمسك بحافة المكتب ثم تمتم بصوت متقطّع لاهث : ـ "ما....ماء..."حاول مد يده نحو كوب الماء الموضوع ع

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   25 : مثيره للشفقة !!

    أومأت حور برأسها بخفة، ثم فتحت باب السيارة تستعد للنزول، لكن صوت سليمان أوقفها قبل أن تخطو بعيدًا.ـ "حور."التفتت إليه مجددًا، لتجده ينظر إليها هذه المرة مباشرة، لا عبر المرآة كما اعتاد.شعرت بتوترٍ خفيف يتسلل إلى قلبها دون سببٍ واضح، بينما قال هو بنبرة هادئة حاول أن يجعلها عادية:ـ "سأبقى هنا… انتظركِ حتى تنتهي."اتسعت عيناها قليلًا بدهشة، ثم قالت بسرعة:ـ "لا داعي لذلك، ربما سأتأخر."ابتسم سليمان ابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي تحمل دائمًا شيئًا من الاستسلام المؤلم، ثم قال بهدوء:ـ "لا بأس… سأنتظر."توقفت لثوانٍ تنظر إليه بصمت، لا تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بذلك الدفء الغريب داخل صدرها.أخفضت نظرها سريعًا وهي تتمتم بخفوت:ـ "حسنًا… شكرًا."ثم أغلقت الباب واتجهت نحو المقهى بخطواتٍ متسارعة، بينما بقي سليمان يتابعها بعينيه حتى اختفت بالداخل.تنهد ببطء، وأسند رأسه إلى المقعد خلفه هامسًا لنفسه بمرارة:ـ "وكأنني أستطيع المغادرة أصلًا…'" دلفت حور إلى المقهى بهدوء، وما إن وقعت عيناها على أدهم حتى لمحته يجلس قرب النافذة بملابسه الرسمية الأنيقة، وأمامه كوب قهوة فارغ يبدو أنه تناوله بين

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   24 : توتر وارتباك

    مرّ أسبوعٌ كامل منذ تلك الليلة… أسبوعٌ لم يحدث فيه شيء واضح، لكنّه كان كافيًا ليزيد ارتباك حور أكثر وأكثر. كانت ما تزال تتجنب النظر طويلًا إلى سليمان، وتتحدث معه بحذرٍ غريب لا يشبهها، بينما هو يراقب هذا التغيّر بصمتٍ مؤلم، عاجزًا عن فهم سببه الحقيقي. وفي يوم العطلة… كانت حور كعادتها تجلس داخل غرفتها الواسعة أمام مكتبها، وقد انشغلت بالكامل في تعديل أحد التصاميم على حاسوبها المحمول. انعكس ضوء الشاشة فوق ملامحها المركزة، بينما كانت تعضّ طرف القلم بين حينٍ وآخر وهي تراجع التفاصيل بعناية. تنهدت بإرهاق وهي ترفع يديها تمطّ عضلات رقبتها المتشنجة، ثم همست بتذمر: ـ "أقسم أنني سأفقد بصري بسبب هذه التصاميم يومًا ما." وفي تلك اللحظة، أضاء هاتفها الموضوع بجانبها معلنًا وصول رسالة جديدة. مدّت يدها تلتقطه بكسل، لكن ما إن وقع بصرها على اسم المرسل حتى اتسعت ابتسامتها تلقائيًا. "أدهم." شعرت بدقات قلبها تتسارع قليلًا دون إرادة، ثم فتحت الرسالة بسرعة. ـ "أريد التحدث معكِ على انفراد… أنا بانتظاركِ في المقهى القريب من القصر." توقفت عيناها فوق الكلمات لثوانٍ طويلة، بينما بدأت أفكارها تتسابق داخل

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   الفصل السادس : بداية معركة

    ساد صمتٌ ثقيل أرجاء غرفة الطعام الفسيحة، صمتٌ لم يقطعه سوى الرنين الخافت للملاعق الفضية وهي تصطدم بالأطباق الخزفية. كان الجميع يجلسون حول المائدة الطويلة التي بدت في تلك اللحظة وكأنها ساحة حرب باردة. ​توسط الجد أكرم رأس المائدة بهيبته المعتادة، بينما جلس سفيان بمواجهته، يراقب الوجوه من حوله ببرود

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   الفصل الخامس : شرارة مشاعر

    "يا إلهي.. ما هذا؟ هل هي عمياءُ أم ماذا؟" ​سقطت الكلمة كالقنبلة في وسط الصالون. تجمدت يد سفيان في الهواء، وتحولت نظرة الإعجاب في عينيه إلى نيرانٍ مستعرة وهو يلتفت نحو نارين؛ لم يصدق أن زوجته تملك هذا القدر من الوقاحة لتجرح فتاةً في عقر دارها وأمام جدها. ​أما أكرم، فقد برزت عروق جبينه وضرب بعصاه

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   الفصل الرابع : عودة الصقر

    مرت سنتان، وكان جسد كوثر في عالمٍ وروحها في عالمٍ آخر؛ عامٌ كامل قضته في ظلمات الغيبوبة، وعامٌ تلاه غارقة في صمت الاكتئاب الموحش. لم تعد تتحدث، لم تعد تبتسم، فقط تنتظر يوم الجمعة لتهيم في الحديقة، تغمض عينيها لتستحضر أصوات ضحكات الأطفال، وكأنها تبحث بين نبراتهم عن صدى صوت "أيوب" المفقود، وتناجي طيفه

  • مَلاذ الكفيفة الحسناء   الفصل الثالث: تقييد بالزواج

    كانت تقف أمامه بملامح مجهدة، تحمل بين يديها طفلاً صغيراً يصرخ بوهن، وقالت بنبرة متحدية: ـ "هذا هو ابنك يا سفيان.. الطفل الذي أنكرته قبل أن يولد!" الدموع كانت تنهمر كالسيل على وجنتيها، تصرخ بصوتٍ متهدج اخترق سكون الرواق: ـ " هل ستُنكر وتقول إنه ليس طفلك ؟ " " هل ستتخلى عني وعن ابنك؟" تجمدت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status