LOGINكانت تقف أمامه بملامح مجهدة، تحمل بين يديها طفلاً صغيراً يصرخ بوهن، وقالت بنبرة متحدية:
ـ "هذا هو ابنك يا سفيان.. الطفل الذي أنكرته قبل أن يولد!" الدموع كانت تنهمر كالسيل على وجنتيها، تصرخ بصوتٍ متهدج اخترق سكون الرواق: ـ " هل ستُنكر وتقول إنه ليس طفلك ؟ " " هل ستتخلى عني وعن ابنك؟" تجمدت نظرات سفيان وهو ينظر إلى الرضيع الصغير بين يديها، ثم هتف بذهول وإنكار: "ابني؟! هل جُننتِ يا امرأة؟ كيف تجرؤين أيتها العاهرة على أن تنسبيه لي ؟" ازدادت دموعها قائلة بنبرة جاده وصوت متحشرج من البكاء : " انظر لتلك الورقه حتى تُصدّق أنه طفلك " ألقت الورقه في وجهه بقوة ، قبض على الورقه يقرأها بتركيز وعدم استيعاب فاق من صدمته على صوتها اليائس " هل ستتخلى عني وعن ابنك؟ " أجابته بشهقات مريرة: "ابنك وابني يموت يا سفيان.. ولا أستطيع أخذه للمستشفى بمفردي.....وأنا لن أسمح له بالموت بسبب استهتارك وقسوة قلبك! يا سفيان " رغم جدران الجليد التي تحيط بقلب سفيان، إلا أنّ مرأى الرضيع الشاحب جعل شيئاً ما بداخله يضطرب. لم يتردد، فالخطر كان يداهم الصغير. انتزع مفاتيحه بسرعة، وأخذ الطفل من بين يديها وانطلق بسيارته كالبرق نحو المستشفى. هناك، اختطفه الأطباء إلى غرفة الطوارئ ثم الحضانة لإنعاشه. بعد ساعة من الترقب، خرج الطبيب مبتسماً: ـ "اطمئن يا سيد سفيان، لقد تجاوز المرحلة الحرجة، هو الآن بخير." تنهد سفيان بارتياح لم يعهده، لكن "نارين" باغتته بإصرار: ـ "الحمد لله.. والآن يا سفيان، يجب أن نتزوج، لن يتربى ابني دون أبٍ يحمل اسمه." أجابها ببرودٍ جليدي: ـ "اسمعي يا نارين.. لن أتزوجكِ. سأغدق عليكِ بالمال لتربية الطفل، لكن ارتباطاً رسمياً؟ هذا محال لن أتزوج بإمرأه عاهرة " لمعت عينا نارين بتحدٍ وقوة مفاجئة: ـ "إذن فلتسمعني جيداً يا سفيان إن لم تتزوجني الآن، سأذهب للشرطة والصحافة. تخيل العناوين: (رجل الأعمال الشهير سفيان الغمراوي يتخلى عن ابنه ويترك والدته في العراء). صفقتك التي تنتظرها غداً ستتبخر، وسمعتك ستصبح في الحضيض.. فما رأيك؟" احتقن وجه سفيان بغضبٍ عارم،وبرزت عروق جبينه وهو يقبض على كفه بقوة كادت تحطم جدار المستشفى. نظر إلى "نارين" بنظرةٍ لو كانت رصاصاً لأردتها قتيلة، وهتف بصوتٍ منخفض يحمل الموت: ـ " أتهددينني أيتها العاهرة؟ حسناً.. لكِ ما أردتِ..... سأتزوجكِ أيتها الأفعى، لكن لا تظني أنكِ فزتِ. لقد فتحتِ على نفسكِ أبواب جحيم والقيد الذي تريدين وضعه في عنقي، سأجعله مشنقةً حول عنقكِ!" في غضون ساعات، وتحت وطأة التهديد، تم عقد القران بحضور صديقيه "عمر" و"آسر"، بينما حضر من طرفها عمها وابن عمها وبملامح جامدة كالرخام، وقع الأوراق وكأنه يوقع على قرار إعدامه، بينما كانت "نارين" تبتسم بنصرٍ مزيف، تخفي خلفه خوفاً ارتعش له كيانها حين رأت نظرة عينيه. مرّ شهرٌ كامل.. ثلاثون يوماً وكأنها ثلاثون قرناً من الوجع. كانت كوثر تجلس في ركن غرفتها الواسعة، تلك الغرفة التي كانت يوماً تملؤها بأحلام الأمومة، أصبحت الآن سجناً من الصمت والظلام. تحسست بيدها المرتجفة ملمس الفراش الفارغ بجانبها، والدموع تجري بصمتٍ مريب، وكأن عينيها لم تعد تملك سوى البكاء لتعبر عن بصيرتها المكسورة. أغمضت عينيها لتستسلم لدوامة الذكريات، ليعود بها عقُلها إلى ذلك اليوم المشؤوم.. قبل شهرٍ من الآن. "فلاش باك - قبل شهر" كانت الابتسامة تشق وجهها وهي تستمع لصوت ليلى وحور وهما يمزحان حول "القمر الجديد" في العائلة. كانت تشعر بأن الدنيا أخيراً قد صالحتها، وأن "أيوب" سيكون عكازها الذي ستبصر به الحياة. وفجأة.. تبدل كل شيء. تذكرت صوت خطوات جدها أكرم وهي تقترب من غرفتها، لم تكن خطواته الواثقة المعتادة، بل كانت متعثرة، ثقيلة، تحمل بين طياتها خبراً يهدُّ الجبال. تذكرت حين وقف أمامها، وصمتُه كان أشد من أي صرخة. " جدي.. لماذا صمتَّ؟ أين أيوب؟" سألتْ بقلبٍ بدأ ينقبض. صوت الجد أكرم جاء مخنوقاً، يرتجف لأول مرة في حياته: ـ "كوثر.. ابنتي.. تماسكي.. الرضيع.. لقد اختفى من الحضانة!" في تلك اللحظة، شعرت كوثر وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها. لم تصرخ، لم تعول، بل شعرت ببرودةٍ تسري في جسدها حتى تجمدت أطرافها . لم يتحمل أكرم رؤية حفيدته تنهار بهذا الشكل. خرج من الغرفة كالأسد الجريح، وأخرج هاتفه ليتصل برئيس المباحث وبأقوى معارفه، يهتف بصوتٍ زلزل أركان المستشفى: ـ "حفيد أكرم الجبيلي لن يخطفه أحد ! اقلبوا الدنيا رأساً على عقب.. المطار، الموانئ، كل مداخل ومخارج المدينة.. من لمس شعرةً من حفيدي سأمحوه من على وجه الأرض!" سقطت الكلمات على مسامعها كالصواعق: "اختُطف" تتذكر كلمات جدها الغاضب تذكرت كيف انتفضت من فراشها وهي تتحسس الهواء بجنون، تصرخ بلا صوت، تفتش عن رائحته التي لم تشبع منها بعد، حتى خارت قواها وسقطت بين يدي جدها وهي تهمس بكلمة واحدة قبل أن يغيب وعيها: "أيوب.." "عودة للحاضر" استفاقت كوثر من ذكرياتها على شهقةٍ مكتومة خرجت من صدرها. مسحت دموعها وهي تهمس بمرارة: ـ "أين أنت يا بني؟ هل أنت جائع؟ هل تبكي؟ ماذا حصل لك ؟ والدتك آسفه لأنها لم تستطع حمايتك يا بنيّ العزيز " كان الجد أكرم يقف خلف الباب، يستمع لنحيبها الصامت وقلبه يتمزق. لقد سخر كل نفوذه، بحث في كل سجلات المستشفى، طارد الممرضات والأطباء، لكن "إيمان" اختفت تماماً وكأن الأرض انشقت وبلعتها، والطفل تبخر في ضباب الغدر. ________________________ بعد عودتهم للقصر من مكتب تسجيل الزواج داخل قصر سفيان الغمراوي الفاخر في ضواحي لندن، كان الصمت يلف المكان إلا من صوت بكاء الرضيع الخافت. دخل سفيان جناحه بخطواتٍ رزينة تقطر غضباً، والتفت نحو نارين التي كانت تتفحص أثاث الغرفة بزهوٍ وكأنها ملكت العالم. قبض سفيان على رسغها بقوة جعلتها تتأوه، وهس في أذنها بصوتٍ كفحيح الأفاعي: ـ "لا تظني أن هذا المحبس في إصبعك سيجعلكِ سيدة هذا القصر.. لقد اشتريتِ صمتي بزواجٍ صوري، لكنكِ بعتِ حريتكِ للأبد. من هذه اللحظة، أنتِ مجرد مربية لهذا الطفل، ولستِ زوجة لـ 'سفيان الغمراوي " " سأحرمكِ من رؤية الشمس إن لزم الأمر، ولن تخرجي من هنا إلا بإذني.. هل فهمتِ يا نارين؟" انتفضت نارين وحاولت استجماع شتات قوتها قائلة: ـ "والصحافة؟ والصفقة؟ والـ..." قاطعها بضحكةٍ باردة هزت أركان الغرفة: ـ "لقد انتهى كل شيء.. العالم يعرف الآن أنني تزوجتُ، والصفقة تم توقيعها بنجاح. لقد انتهى دوركِ كـ 'تهديد'، وبدأ دوركِ كـ 'سجينة'. أما هذا الصغير.." نظر سفيان نحو الطفل الذي هدأ فجأة حين وقعت عيناه على وجه سفيان، وتابع بنبرةٍ غامضة: ـ "سيكون له شأنٌ آخر.. لكنه لن يشبهكِ أبداً." أخذ سفيان الطفل معه وهو يغادر لغرفته يحاول تهدئته ثم نظر لذلك الرضيع الذي أصبح فجأة يحمل اسمه. ملامح الصغير كانت هادئة، هدوءاً غريباً ذكره بشيءٍ ما.. بشيءٍ لم يستطع تفسيره، لكنه شعر بوخزةٍ في قلبه لأول مرة في حياته حمل طفله ثم قبّله على وجنتيه بحب قائلا بمرح وثقه معهوده منه : " يا إلهي إنك تبدو وسيماً وجذاباً مثلي " أخرج هاتفه ثم اتصل بمساعده يأمره بنبرة جاده : " أحمد أرسل لي شخصا ليعتني بالطفل في غيابي "هتف الطبيب بسرعة وخوف بعد أن رأى غضبهن: ـ "إنه فقط.. مرض السكري!" رددت جميلة الكلمة بتعجب واستغراب: ـ "مرض السكري؟!.. ولكن جدي ليس مريضاً بالسكر في الأساس! " حمحم الطبيب بتوتر قبل أن يجيب بجدية: ـ "حسناً.. مرض السكري شائع جداً ويصيب معظم كبار السن في هذا العمر، لذا هو أمر عادي ولا داعي للقلق." صرخت به حياة بغضب وحدة : ـ "لا داعي للقلق؟! إذا كنت لا تريدنا أن نقلق، فلماذا ظللت صامتاً ومتردداً هكذا في البداية لتثير رعبنا؟" أجاب الطبيب بإحراج وتوتر واضح: ـ "أنا أعتذر عن هذا.. ولكن في الحقيقة، السيد أكرم هو من طلب مني ألا أخبركم بأي شيء لأنه لم يكن يريد إزعاجكم أو إقلاقكم، ولهذا السبب كنت متردداً في الكلام." هتفت ليلى بانزعاج وضيق من تصرف جدها: ـ "هذا العجوز.. لن يفلت مني عندما أراه فـ..." قاطعتها كوثر قائلة بقلق ما زال يسيطر عليها: ـ "انتظري يا ليلى.. إذن أيها الطبيب، هل نستطيع الدخول ورؤيته الآن؟" أجابها الطبيب بلطف: ـ "بالطبع يمكنكم رؤيته، ولكن غداً.. اليوم يحتاج إلى الراحة التامة، لذا دعوه ينام قليلاً." أومأ الجميع برؤوسهم وأطلقوا تنهيدة طويلة ملي
هرول سفيان في طرقات المستشفى الطويلة بقلبٍ يخفق رعباً، حتى وصل إلى أمام غرفة الطوارئ التي يرقد بها جده. وعندما وصل، وجد الفتيات يتجمعن أمام الغرفة؛ ملامح القلق والخوف كانت ترتسم على وجوههن جميعاً، ومنهن من كانت تسير ذهاباً وإياباً بخطواتٍ متوترة وترقبٍ قاتل ينهش أعصابهن. اتجه سفيان نحوهن بخطواتٍ متسارعة، وهتف بنبرةٍ قلقة وهو يوجه حديثه نحو ليلى قائلاً: ـ "ليلى، ما الذي حصل؟ كيف وصل الحال بجدي إلى المستشفى؟ لقد كان بخير في الصباح!" نظرت له ليلى بأعينٍ يملأها القلق، ثم هزت رأسها بنفيٍ عاجز وقالت بنبرةٍ خائفة: ـ "لا أعرف يا سفيان.. لقد كنتُ مع كوثر في الغرفة عندما سمعتُ سُعاد تصرخ فجأة وتطلب منا أن نتصل بالإسعاف." ثم أكملت بنبرةٍ مرتجفة وهي تتذكر المشهد القاسي الذي رأته عيناها: ـ "وعندما وصلتُ إلى الغرفة كان..." صمتت قليلاً لتلتقط أنفاسها المتهدجة، ثم أكملت بمرارة: ـ "كان جدي ملقى على الأرض.. فاقداً للوعي، لا يتنفس و..." توقفت عن الكلام تماماً، وعجزت عن نطق المزيد وهي تبتلع تلك الغصة التي وقفت في حلقها كالشوك عندما تذكرت جسد جدها المستسلم أرضاً دون حراك؛ ثم رفعت يديها لت
أجابه سليمان ببرودٍ وسخرية، وعيناه تحملان تحدياً صريحاً:ـ "كيف أجرؤ!!؟ سيد أدهم هل تعتقد أنني سائقك الخاص لأتحدث معك باحترام؟"ثم أكمل بجمودٍ قاطع:ـ "وأنا لم أقل شيئاً خاطئاً.... الآنسة حور تبدو متعبة بالفعل... لذا إذا لم تعجبك طريقة حديثي معك... فلتضرب رأسك في الحائط لأنني لا أهتم."نظرت له حور بصدمةٍ وذهول من طريقة حديثه الباردة والحادة، وهي التي لم تره يوماً يتحدث بهذا الأسلوب الصارم.وبالتأكيد انتبهت فوراً إلى ردة فعل أدهم المنزعجة والغاضبة التي ظهرت جلية على تقاطيع وجهه إثر كلمات سليمان، الفكرة التي جعلت الأجواء تشتعل توتراً، فهتفت بإحراجٍ وبنبرةٍ أصابها القلق:ـ "سيد أدهم.. أنا أعتذر لـ..."لم تستطع حتى أن تُنهي اعتذارها؛ إذ امتدت يد سليمان ليمسكها من كفها ويسحبها خلفه بخطواتٍ حاسمة قطعت أي مجال للنقاش.فتح باب السيارة الخلفي لها لتركب، وقبل أن تخطو إلى الداخل، التفتت ونظرت إليه قليلاً بصمتٍ تائه، ثم ركبت بهدوء.أغلق سليمان الباب بقوة، ثم توجه بخطواتٍ سريعة ليجلس خلف مقعد السائق، وأدار المحرك لينطلق بالسيارة مخلّفاً أدهم وراءه.ساد صمتٌ خانق وثقيل داخل السيارة، صمتٌ لم يق
في الوقت نفسه...داخل قصر الجبيلي، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورةٍ غير معتادة.جلس الجد أكرم داخل مكتبه الواسع، وأمامه ألبومٌ قديم للصور.مرّر أصابعه المرتجفة فوق إحدى الصور ببطء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ حزينة.صورةٌ لابنه الأكبر...ثم أخرى لابنته...ثم صورة تجمع العائلة كلها قبل سنواتٍ طويلة، قبل أن يسرق ذلك الحادث كل شيء.تنهد بعمق، وشعر بوخزةٍ مؤلمة داخل صدره.ثم همس بصوتٍ مبحوح:ـ "مرت سنوات طويلة... وما زلت أشتاق إليكم وكأن الأمر حدث بالأمس."توقفت أنامله فوق صورةٍ أخرى، وسرعان ما امتلأت عيناه بالدموع قائلاً: ـ "لقد كبر الأحفاد... وأصبح لكلٍ منهم عالمه الخاص."ثم أكمل وهو يبتسم بحزن ومازال يحدق في الصور : ـ "لكنني تعبت... تعبت كثيرًا."وفجأة...أخذ يسعل بقوة وشعر بصعوبة في التنفس فجأة : ـ "كح... كح... كح..."وضع يده فوق صدره محاولًا التقاط أنفاسه، لكن السعال ازداد حدة.تغير لون وجهه تدريجيًا، وشعر بأن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيه كما يجب.حاول النهوض من مقعده بصعوبة وهو يتمسك بحافة المكتب ثم تمتم بصوت متقطّع لاهث : ـ "ما....ماء..."حاول مد يده نحو كوب الماء الموضوع ع
أومأت حور برأسها بخفة، ثم فتحت باب السيارة تستعد للنزول، لكن صوت سليمان أوقفها قبل أن تخطو بعيدًا.ـ "حور."التفتت إليه مجددًا، لتجده ينظر إليها هذه المرة مباشرة، لا عبر المرآة كما اعتاد.شعرت بتوترٍ خفيف يتسلل إلى قلبها دون سببٍ واضح، بينما قال هو بنبرة هادئة حاول أن يجعلها عادية:ـ "سأبقى هنا… انتظركِ حتى تنتهي."اتسعت عيناها قليلًا بدهشة، ثم قالت بسرعة:ـ "لا داعي لذلك، ربما سأتأخر."ابتسم سليمان ابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي تحمل دائمًا شيئًا من الاستسلام المؤلم، ثم قال بهدوء:ـ "لا بأس… سأنتظر."توقفت لثوانٍ تنظر إليه بصمت، لا تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بذلك الدفء الغريب داخل صدرها.أخفضت نظرها سريعًا وهي تتمتم بخفوت:ـ "حسنًا… شكرًا."ثم أغلقت الباب واتجهت نحو المقهى بخطواتٍ متسارعة، بينما بقي سليمان يتابعها بعينيه حتى اختفت بالداخل.تنهد ببطء، وأسند رأسه إلى المقعد خلفه هامسًا لنفسه بمرارة:ـ "وكأنني أستطيع المغادرة أصلًا…'" دلفت حور إلى المقهى بهدوء، وما إن وقعت عيناها على أدهم حتى لمحته يجلس قرب النافذة بملابسه الرسمية الأنيقة، وأمامه كوب قهوة فارغ يبدو أنه تناوله بين
مرّ أسبوعٌ كامل منذ تلك الليلة… أسبوعٌ لم يحدث فيه شيء واضح، لكنّه كان كافيًا ليزيد ارتباك حور أكثر وأكثر. كانت ما تزال تتجنب النظر طويلًا إلى سليمان، وتتحدث معه بحذرٍ غريب لا يشبهها، بينما هو يراقب هذا التغيّر بصمتٍ مؤلم، عاجزًا عن فهم سببه الحقيقي. وفي يوم العطلة… كانت حور كعادتها تجلس داخل غرفتها الواسعة أمام مكتبها، وقد انشغلت بالكامل في تعديل أحد التصاميم على حاسوبها المحمول. انعكس ضوء الشاشة فوق ملامحها المركزة، بينما كانت تعضّ طرف القلم بين حينٍ وآخر وهي تراجع التفاصيل بعناية. تنهدت بإرهاق وهي ترفع يديها تمطّ عضلات رقبتها المتشنجة، ثم همست بتذمر: ـ "أقسم أنني سأفقد بصري بسبب هذه التصاميم يومًا ما." وفي تلك اللحظة، أضاء هاتفها الموضوع بجانبها معلنًا وصول رسالة جديدة. مدّت يدها تلتقطه بكسل، لكن ما إن وقع بصرها على اسم المرسل حتى اتسعت ابتسامتها تلقائيًا. "أدهم." شعرت بدقات قلبها تتسارع قليلًا دون إرادة، ثم فتحت الرسالة بسرعة. ـ "أريد التحدث معكِ على انفراد… أنا بانتظاركِ في المقهى القريب من القصر." توقفت عيناها فوق الكلمات لثوانٍ طويلة، بينما بدأت أفكارها تتسابق داخل
ساد صمتٌ ثقيل أرجاء غرفة الطعام الفسيحة، صمتٌ لم يقطعه سوى الرنين الخافت للملاعق الفضية وهي تصطدم بالأطباق الخزفية. كان الجميع يجلسون حول المائدة الطويلة التي بدت في تلك اللحظة وكأنها ساحة حرب باردة. توسط الجد أكرم رأس المائدة بهيبته المعتادة، بينما جلس سفيان بمواجهته، يراقب الوجوه من حوله ببرود
"يا إلهي.. ما هذا؟ هل هي عمياءُ أم ماذا؟" سقطت الكلمة كالقنبلة في وسط الصالون. تجمدت يد سفيان في الهواء، وتحولت نظرة الإعجاب في عينيه إلى نيرانٍ مستعرة وهو يلتفت نحو نارين؛ لم يصدق أن زوجته تملك هذا القدر من الوقاحة لتجرح فتاةً في عقر دارها وأمام جدها. أما أكرم، فقد برزت عروق جبينه وضرب بعصاه
مرت سنتان، وكان جسد كوثر في عالمٍ وروحها في عالمٍ آخر؛ عامٌ كامل قضته في ظلمات الغيبوبة، وعامٌ تلاه غارقة في صمت الاكتئاب الموحش. لم تعد تتحدث، لم تعد تبتسم، فقط تنتظر يوم الجمعة لتهيم في الحديقة، تغمض عينيها لتستحضر أصوات ضحكات الأطفال، وكأنها تبحث بين نبراتهم عن صدى صوت "أيوب" المفقود، وتناجي طيفه
بعد تسعة أشهر.. كانت تجلس في حديقة القصر الغناء، تستنشق عبير الزهور وتستمع لزقزقة العصافير التي تداعب سكون عالمها المظلم. شرد ذهبها لذلك اليوم الذي احتمت فيه بجدها "أكرم"، وكيف ثار كالإعصار حين علم بغدر "جاسر". لم يكتفِ الجد بتطليقها منه، بل دمر إمبراطوريته الورقية واستولى على شركته، تاركاً إياه







