Masukمرت سنتان، وكان جسد كوثر في عالمٍ وروحها في عالمٍ آخر؛ عامٌ كامل قضته في ظلمات الغيبوبة، وعامٌ تلاه غارقة في صمت الاكتئاب الموحش. لم تعد تتحدث، لم تعد تبتسم، فقط تنتظر يوم الجمعة لتهيم في الحديقة، تغمض عينيها لتستحضر أصوات ضحكات الأطفال، وكأنها تبحث بين نبراتهم عن صدى صوت "أيوب" المفقود، وتناجي طيفه الذي لم تستطع رؤيته حتى ولم يفارق خيالها لحظة، فتنفجر بالبكاء في صمتٍ يمزق نياط القلوب...
في قصر الجبيلي.. كان أكرم يجلس فوق مقعده الوارف، يتأمل جدران القصر التي شهدت عزه، يجلس بوقاره المعهود، لكن الحزن قد خطّ آثاره على وجهه و قلبه كان ينزف حزناً على حفيداته هبطت حور وليلى من الدرج، وهتفتا بصوتٍ واحد مشوبٍ بالمرح : " صباح الخير " ابتسم أكرم رغماً عنه، ثم سأل بجدية: "إلى أين أنتما ذاهبتان في هذا الصباح الباكر ؟ " أجابت حور وهي تتجاوزه دون مبالاة، وكأنها لا ترى أمامها سوى الفراغ: " لديّ شأنٌ خاص سأقضيه وأعود.. لا داعي لكل هذا التحقيق." رحلت دون أن تلتفت لخيبته، ليشعر الجد بمرارةٍ تفوق الاحتمال؛ حفيداته اللاتي كان يراهنّ أمل المستقبل، أصبحن يسلكن دروباً ملتوية، يتمردن على سلطته ويضربن بوقاره عرض الحائط. التفت نحو ليلى بحدةٍ يائسة: "وأنتِ يا ليلى.. إلى أين؟" التقطت ليلى تفاحةً ببرود، وبذات التجاهل رفعت يدها كعلامة وداع وهي تعطيه ظهرها، قائلةً بسخرية: "ذاهبةٌ إلى الله.." وانصرفت تاركةً خلفها جداً يتنهد يائساً. أدرك أكرم أن المنزل يحتاج ليدٍ حديدية، لرجلٍ يهابونه ويستمعون لأمره قبل أن تضيع حفيداته في مهب الريح. التمعت فكرةٌ في رأسه، وابتسم بجذل وهو يطلب رقماً يعرفه جيداً. ـ "كيف حالك يا سفيان يا بني؟" قال أكرم بجدية. تنهد أكرم بحزن ونبرة خيّم عليها الكِبَر : " اسمع يا بني.. أنت تعلم أن أبناء عمومتك كلهن فتيات، وقد بدأن بالسير في طريقٍ لا يعجبني، ولا يقمن لي وزناً. أريدك أن تأتي لتعيش معنا في القصر، أنت وزوجتك وابنك.. أريدك أن تشدد عليهن وتكون أنت الرجل الذي يلزمهن حدودهن. لقد حان الوقت للعوده لموطنك " فكر سفيان قليلاً ثم أجاب بهدوء ونبرة جاده : " حسناً يا جدي...... سأكون عندك بعد يومين ، ولا تقلق فهنَّ في مقام شقيقتي وسأهتم بأمرهن." في ضباب لندن.. داخل جناح سفيان الفاخر أغلق سفيان هاتفه، لتلتف حوله نارين بدلالٍ مصطنع وهي تحاول وضع يدها على كتفه: ـ "مَن كان المتحدث يا عزيزي؟ وماذا كان يريد؟" تصلب جسد سفيان، ونظر ليدها باشمئزازٍ لم يخفه، ثم أزاح يدها ببرودٍ مهين كمن يزيح حشرةً ضارة عن ثيابه، وهتف بصوتٍ رخاميٍّ جامد: ـ "لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ.. هذا جدي، وقد قررتُ أن ننتقل للعيش في قصر الجبيلي غداً صباحاً. اجمعي شتاتكِ وخذي طفلكِ، ولا أريد سماع كلمة اعتراض واحدة." بُهتت نارين من وقع الصدمة، تراجعت وهي تنظر لعينه التي لا تحمل لها سوى الاحتقار، حاولت استجماع شجاعتها: "ولكنني اعتدتُ الحياة هنا، لا يمكننا ببساطة أن.." قاطعها بنظرةٍ حادة جعلت الكلمات تتجمد في حلقها، وخرج من الغرفة دون أن يمنحها فرصةً للنقاش، متجاهلاً وجودها تماماً وكأنها لم تكن يوماً زوجةً له. نظرت في أثره بحقدٍ دفين، وهي تشعر بمرارة التجاهل تحرق جوفها، وهمست بوعيد: "سأجعلك تندم يا سفيان.. سأهدم هذا الكبرياء فوق رأسك!" ______________________ في تمام التاسعة صباحاً، كان الجميع قد احتشد في صالون القصر الكبير. ساد صمتٌ ترقبيّ قطعه هبوط كوثر من الدرج؛ كانت ترتدي فستاناً أسود رقيقاً، زادها شحوباً وجمالاً حزيناً، وقفت بجانب شقيقاتها وبنات عمومتها بهدوءٍ كأنها طيفٌ غائب عن الواقع. وفجأة، انفتح الباب ليدخل سفيان بكبريائه المعهود، تتبعه زوجته وابنه. تجمدت الأنفاس حين وقعت الأعين عليه. تقدم الجد أكرم بخطواتٍ أثقلها الاشتياق، ليعانق حفيد ابنته الكبرى "نجاة" فابنته بعدما انجبت طفلها الثاني ، كان عناقاً طويلاً استعاد فيه الجد رائحة ابنته الغائبة، قبل أن يبتعد ويمسك بكتف سفيان مقدماً إياه للفتيات بابتسامة فخر: ـ "أقدم لكم سفيان.. ابن عمتكم نجاة." سادت حالة من الذهول لم يُحسد عليها أحد؛ كيف يكون لديهم ابن عمة لم يسمعوا عنه قط؟ حتى كوثر شعرت بوخزة من الصدمة، بينما بقيت ليلى على برودها المعتاد لا تبالي بشيء بدأ الجد بتقديم الفتيات الواحدة تلو الأخرى: ـ "سفيان.. هذه ليلى." مد سفيان يده بابتسامة واثقة، لتمد ليلى يدها ببرودٍ جليدي طغى على ملامحها، مما جعل سفيان يرمقها بنظرة استغراب وتساؤل لم يعلق عليهما. ثم اتجه الجد نحو حور وحياة: "وهذه هي حور.. وتلك حياة." مدت حياة يدها بمرحها المعهود، وأخذت تهز يد سفيان بقوة وهي تهتف بضحك: "كيف حالك يا ابن عمتي؟ ما أخبارك؟ هل كنت بخير ؟ " سحب سفيان يده بصعوبة وهو يضحك بمرح: "ابن عمتكِ سيُفارق الحياة على يديكِ يا آنستي !! " تعالت الضحكات في المكان، ومدت حور يدها بخجل رقيق قائلة: "أهلاً بك يا سفيان." قاطعتها حياة وهي تقرص وجنتيها بخبث: "يا إلهي على هذا الخجل! ماذا شربتِ هذا الصباح لتصبحي رقيقة هكذا؟" أجابتها حور بمرح وهي تضربها بخفة: "ربما بعض السموم!" ليكمل سفيان المزاح بمرح اعتاد عليه: "أو ربما جرعة من المشاكسة!" انفجر الجميع في ضحكٍ صاخب؛ فالمرح يجري في دماء هذه العائلة بالفطرة، من والدة سفيان وصولاً لوالد كوثر. ثم قدم الجد حفيدته الأخيرة: ـ "وهذه.. جميلة." قالت جميلة بإعجابٍ صريح ومرح: "أهلاً بك يا ابن عمتي.. الوسيم!" ضحك سفيان بثقة وغرور: "أعلم أنني وسيم، كنتُ وسيماً منذ ولادتي أصلاً!" رمقته جميلة بغيظٍ مرح: "يا إلهي.....إنّه واثقٌ جداً من نفسه!" وأخيراً.. توقفت خطوات سفيان أمام كوثر. هنا ساد صمتٌ مفاجئ. تسمّر سفيان في مكانه، تلاشت ابتسامته وحلّ محلها ذهولٌ غامض. نظر إليها نظراتٍ عميقة ومبهمة، لم يفهمها الحاضرون، بل ولم يفهمها هو نفسه؛ وكأن شيئاً في ملامحها الحزينة، أو في ثوبها الأسود، قد لمس وتراً مقطوعاً في قلبه. مدّ سفيان يده بوقارٍ لا يخلو من إعجابٍ غامر، وهتف بنبرةٍ دافئة لم يعتدها الحاضرون منه: ـ "أهلاً بكِ يا آنسة..." أجابته كوثر بصوتٍ هادئ كنسيم الفجر، يحمل رنةً من الحزن الشفيف: ـ "كوثر... اسمي كوثر ." انفرجت أسارير سفيان بابتسامةٍ عفوية وهو يتمتم بذهول: ـ "اسمٌ جميلٌ حقاً.. ويليق بصاحبته." اكتفت كوثر بردٍ مقتضب وجامد: "شكراً لك." بقي سفيان ماداً يده، وحين وجدها لم تستجب، حاول كسر الجمود بمرحه المعهود: ـ"هل سأبقى ماداً يدي هكذا للأبد؟ هيا، لن أسحبها حتى تصافحيني! " ارتسمت على شفتي كوثر ابتسامةٌ بسيطة، باهتة كأنها طيف ذكرى قديمة، ثم رفعت يدها الرقيقة لتصافحه. ولكن، وفي لحظةٍ تجمدت فيها الدماء في عروق سفيان، لم تمتد يدها نحو كفه المفتوحة، بل امتدت في اتجاهٍ آخر تماماً.. كانت تصافح الفراغ بعيداً عن يده بمسافة واضحة. في اللحظة التي كانت فيها يد كوثر تبحثُ عن هواءِ المصافحة، اخترق الصمت صوتٌ حادٌّ، لزجٌ كفحيح الأفاعي. كانت نارين تقفُ على بُعد خطوات، ترسمُ على شفتيها ابتسامةً صفراء وهي تنظر لـ كوثر بتعجرفٍ مقيت، ثم قالت بلهجةٍ تقطرُ مكراً: "يا إلهي.. ما هذا؟ هل هي عمياءُ أم ماذا؟" هتف الطبيب بسرعة وخوف بعد أن رأى غضبهن: ـ "إنه فقط.. مرض السكري!" رددت جميلة الكلمة بتعجب واستغراب: ـ "مرض السكري؟!.. ولكن جدي ليس مريضاً بالسكر في الأساس! " حمحم الطبيب بتوتر قبل أن يجيب بجدية: ـ "حسناً.. مرض السكري شائع جداً ويصيب معظم كبار السن في هذا العمر، لذا هو أمر عادي ولا داعي للقلق." صرخت به حياة بغضب وحدة : ـ "لا داعي للقلق؟! إذا كنت لا تريدنا أن نقلق، فلماذا ظللت صامتاً ومتردداً هكذا في البداية لتثير رعبنا؟" أجاب الطبيب بإحراج وتوتر واضح: ـ "أنا أعتذر عن هذا.. ولكن في الحقيقة، السيد أكرم هو من طلب مني ألا أخبركم بأي شيء لأنه لم يكن يريد إزعاجكم أو إقلاقكم، ولهذا السبب كنت متردداً في الكلام." هتفت ليلى بانزعاج وضيق من تصرف جدها: ـ "هذا العجوز.. لن يفلت مني عندما أراه فـ..." قاطعتها كوثر قائلة بقلق ما زال يسيطر عليها: ـ "انتظري يا ليلى.. إذن أيها الطبيب، هل نستطيع الدخول ورؤيته الآن؟" أجابها الطبيب بلطف: ـ "بالطبع يمكنكم رؤيته، ولكن غداً.. اليوم يحتاج إلى الراحة التامة، لذا دعوه ينام قليلاً." أومأ الجميع برؤوسهم وأطلقوا تنهيدة طويلة ملي
هرول سفيان في طرقات المستشفى الطويلة بقلبٍ يخفق رعباً، حتى وصل إلى أمام غرفة الطوارئ التي يرقد بها جده. وعندما وصل، وجد الفتيات يتجمعن أمام الغرفة؛ ملامح القلق والخوف كانت ترتسم على وجوههن جميعاً، ومنهن من كانت تسير ذهاباً وإياباً بخطواتٍ متوترة وترقبٍ قاتل ينهش أعصابهن. اتجه سفيان نحوهن بخطواتٍ متسارعة، وهتف بنبرةٍ قلقة وهو يوجه حديثه نحو ليلى قائلاً: ـ "ليلى، ما الذي حصل؟ كيف وصل الحال بجدي إلى المستشفى؟ لقد كان بخير في الصباح!" نظرت له ليلى بأعينٍ يملأها القلق، ثم هزت رأسها بنفيٍ عاجز وقالت بنبرةٍ خائفة: ـ "لا أعرف يا سفيان.. لقد كنتُ مع كوثر في الغرفة عندما سمعتُ سُعاد تصرخ فجأة وتطلب منا أن نتصل بالإسعاف." ثم أكملت بنبرةٍ مرتجفة وهي تتذكر المشهد القاسي الذي رأته عيناها: ـ "وعندما وصلتُ إلى الغرفة كان..." صمتت قليلاً لتلتقط أنفاسها المتهدجة، ثم أكملت بمرارة: ـ "كان جدي ملقى على الأرض.. فاقداً للوعي، لا يتنفس و..." توقفت عن الكلام تماماً، وعجزت عن نطق المزيد وهي تبتلع تلك الغصة التي وقفت في حلقها كالشوك عندما تذكرت جسد جدها المستسلم أرضاً دون حراك؛ ثم رفعت يديها لت
أجابه سليمان ببرودٍ وسخرية، وعيناه تحملان تحدياً صريحاً:ـ "كيف أجرؤ!!؟ سيد أدهم هل تعتقد أنني سائقك الخاص لأتحدث معك باحترام؟"ثم أكمل بجمودٍ قاطع:ـ "وأنا لم أقل شيئاً خاطئاً.... الآنسة حور تبدو متعبة بالفعل... لذا إذا لم تعجبك طريقة حديثي معك... فلتضرب رأسك في الحائط لأنني لا أهتم."نظرت له حور بصدمةٍ وذهول من طريقة حديثه الباردة والحادة، وهي التي لم تره يوماً يتحدث بهذا الأسلوب الصارم.وبالتأكيد انتبهت فوراً إلى ردة فعل أدهم المنزعجة والغاضبة التي ظهرت جلية على تقاطيع وجهه إثر كلمات سليمان، الفكرة التي جعلت الأجواء تشتعل توتراً، فهتفت بإحراجٍ وبنبرةٍ أصابها القلق:ـ "سيد أدهم.. أنا أعتذر لـ..."لم تستطع حتى أن تُنهي اعتذارها؛ إذ امتدت يد سليمان ليمسكها من كفها ويسحبها خلفه بخطواتٍ حاسمة قطعت أي مجال للنقاش.فتح باب السيارة الخلفي لها لتركب، وقبل أن تخطو إلى الداخل، التفتت ونظرت إليه قليلاً بصمتٍ تائه، ثم ركبت بهدوء.أغلق سليمان الباب بقوة، ثم توجه بخطواتٍ سريعة ليجلس خلف مقعد السائق، وأدار المحرك لينطلق بالسيارة مخلّفاً أدهم وراءه.ساد صمتٌ خانق وثقيل داخل السيارة، صمتٌ لم يق
في الوقت نفسه...داخل قصر الجبيلي، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورةٍ غير معتادة.جلس الجد أكرم داخل مكتبه الواسع، وأمامه ألبومٌ قديم للصور.مرّر أصابعه المرتجفة فوق إحدى الصور ببطء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ حزينة.صورةٌ لابنه الأكبر...ثم أخرى لابنته...ثم صورة تجمع العائلة كلها قبل سنواتٍ طويلة، قبل أن يسرق ذلك الحادث كل شيء.تنهد بعمق، وشعر بوخزةٍ مؤلمة داخل صدره.ثم همس بصوتٍ مبحوح:ـ "مرت سنوات طويلة... وما زلت أشتاق إليكم وكأن الأمر حدث بالأمس."توقفت أنامله فوق صورةٍ أخرى، وسرعان ما امتلأت عيناه بالدموع قائلاً: ـ "لقد كبر الأحفاد... وأصبح لكلٍ منهم عالمه الخاص."ثم أكمل وهو يبتسم بحزن ومازال يحدق في الصور : ـ "لكنني تعبت... تعبت كثيرًا."وفجأة...أخذ يسعل بقوة وشعر بصعوبة في التنفس فجأة : ـ "كح... كح... كح..."وضع يده فوق صدره محاولًا التقاط أنفاسه، لكن السعال ازداد حدة.تغير لون وجهه تدريجيًا، وشعر بأن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيه كما يجب.حاول النهوض من مقعده بصعوبة وهو يتمسك بحافة المكتب ثم تمتم بصوت متقطّع لاهث : ـ "ما....ماء..."حاول مد يده نحو كوب الماء الموضوع ع
أومأت حور برأسها بخفة، ثم فتحت باب السيارة تستعد للنزول، لكن صوت سليمان أوقفها قبل أن تخطو بعيدًا.ـ "حور."التفتت إليه مجددًا، لتجده ينظر إليها هذه المرة مباشرة، لا عبر المرآة كما اعتاد.شعرت بتوترٍ خفيف يتسلل إلى قلبها دون سببٍ واضح، بينما قال هو بنبرة هادئة حاول أن يجعلها عادية:ـ "سأبقى هنا… انتظركِ حتى تنتهي."اتسعت عيناها قليلًا بدهشة، ثم قالت بسرعة:ـ "لا داعي لذلك، ربما سأتأخر."ابتسم سليمان ابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي تحمل دائمًا شيئًا من الاستسلام المؤلم، ثم قال بهدوء:ـ "لا بأس… سأنتظر."توقفت لثوانٍ تنظر إليه بصمت، لا تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بذلك الدفء الغريب داخل صدرها.أخفضت نظرها سريعًا وهي تتمتم بخفوت:ـ "حسنًا… شكرًا."ثم أغلقت الباب واتجهت نحو المقهى بخطواتٍ متسارعة، بينما بقي سليمان يتابعها بعينيه حتى اختفت بالداخل.تنهد ببطء، وأسند رأسه إلى المقعد خلفه هامسًا لنفسه بمرارة:ـ "وكأنني أستطيع المغادرة أصلًا…'" دلفت حور إلى المقهى بهدوء، وما إن وقعت عيناها على أدهم حتى لمحته يجلس قرب النافذة بملابسه الرسمية الأنيقة، وأمامه كوب قهوة فارغ يبدو أنه تناوله بين
مرّ أسبوعٌ كامل منذ تلك الليلة… أسبوعٌ لم يحدث فيه شيء واضح، لكنّه كان كافيًا ليزيد ارتباك حور أكثر وأكثر. كانت ما تزال تتجنب النظر طويلًا إلى سليمان، وتتحدث معه بحذرٍ غريب لا يشبهها، بينما هو يراقب هذا التغيّر بصمتٍ مؤلم، عاجزًا عن فهم سببه الحقيقي. وفي يوم العطلة… كانت حور كعادتها تجلس داخل غرفتها الواسعة أمام مكتبها، وقد انشغلت بالكامل في تعديل أحد التصاميم على حاسوبها المحمول. انعكس ضوء الشاشة فوق ملامحها المركزة، بينما كانت تعضّ طرف القلم بين حينٍ وآخر وهي تراجع التفاصيل بعناية. تنهدت بإرهاق وهي ترفع يديها تمطّ عضلات رقبتها المتشنجة، ثم همست بتذمر: ـ "أقسم أنني سأفقد بصري بسبب هذه التصاميم يومًا ما." وفي تلك اللحظة، أضاء هاتفها الموضوع بجانبها معلنًا وصول رسالة جديدة. مدّت يدها تلتقطه بكسل، لكن ما إن وقع بصرها على اسم المرسل حتى اتسعت ابتسامتها تلقائيًا. "أدهم." شعرت بدقات قلبها تتسارع قليلًا دون إرادة، ثم فتحت الرسالة بسرعة. ـ "أريد التحدث معكِ على انفراد… أنا بانتظاركِ في المقهى القريب من القصر." توقفت عيناها فوق الكلمات لثوانٍ طويلة، بينما بدأت أفكارها تتسابق داخل
"يا إلهي.. ما هذا؟ هل هي عمياءُ أم ماذا؟" سقطت الكلمة كالقنبلة في وسط الصالون. تجمدت يد سفيان في الهواء، وتحولت نظرة الإعجاب في عينيه إلى نيرانٍ مستعرة وهو يلتفت نحو نارين؛ لم يصدق أن زوجته تملك هذا القدر من الوقاحة لتجرح فتاةً في عقر دارها وأمام جدها. أما أكرم، فقد برزت عروق جبينه وضرب بعصاه
كانت تقف أمامه بملامح مجهدة، تحمل بين يديها طفلاً صغيراً يصرخ بوهن، وقالت بنبرة متحدية: ـ "هذا هو ابنك يا سفيان.. الطفل الذي أنكرته قبل أن يولد!" الدموع كانت تنهمر كالسيل على وجنتيها، تصرخ بصوتٍ متهدج اخترق سكون الرواق: ـ " هل ستُنكر وتقول إنه ليس طفلك ؟ " " هل ستتخلى عني وعن ابنك؟" تجمدت
بعد تسعة أشهر.. كانت تجلس في حديقة القصر الغناء، تستنشق عبير الزهور وتستمع لزقزقة العصافير التي تداعب سكون عالمها المظلم. شرد ذهبها لذلك اليوم الذي احتمت فيه بجدها "أكرم"، وكيف ثار كالإعصار حين علم بغدر "جاسر". لم يكتفِ الجد بتطليقها منه، بل دمر إمبراطوريته الورقية واستولى على شركته، تاركاً إياه
كانت كوثر تقف خلف النافذة المفتوحة، لا تبصر ضوء القمر الذي يتسلل من بين السحب، لكنها كانت تشعر بدفئه يداعب بشرتها الشاحبة. في عالمها المظلم، لم تعد الألوان تعني لها شيئاً، بل صارت الروائح والأصوات هي بوصلتها. اليوم، كانت رائحة الياسمين في الحديقة تفوح بقوة، وكأن الطبيعة تحتفل معها بذلك السر الصغير ا