LOGINــ "تَأَخَّرْتِ فِي دَوْرَةِ المِيَاهِ يَا إِيل..." نَطَقَ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ، جَلِيدِيَّةٍ، تَحْمِلُ شَرارَاتِ غَضَبٍ مَكْتُومٍ: "سَاعَةٌ وَنِصْفٌ كَامِلَةٌ؟"اقْتَرَبَ حَتَّى صَارَ يَقِفُ أَمَامِي مَبَاشَرَةً، وَسَحَبَ نَفَسًا طَوِيلًا مِنْ سِيجَارَتِهِ ثُمَّ نَفَخَهُ بِجَانِبِ وَجْهِي، ليُطَوِّقَنِي بِرَائِحَةِ التَّبْغِ وَالمَطَرِ:ــ "أَمْ أَنَّكِ كُنْتِ فِي زِيَارَةٍ سَرِيعَةٍ لِخَارِجِ الأَسْوارِ؟"تَدَارَكْتُ ارْتِبَاكِي بِسُرْعَةٍ، وَرَفَعْتُ ذَقْنِي بِتَحَدٍّ مُسْتَفِزٍّ:ــ "وَهَلْ أَصْبَحْتُ مَطْلُوبَةً لِلْتَحْقِيقِ فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ أَبْتَعِدُ فِيهَا عَنْ عَيْنَيْكَ؟ أَخْبَرْتُكَ أَنَّنِي لَسْتُ سَجِينَتَكَ يَا مَارْك!"أَمْسَكَ مَارْك بِمِعْصَمِي بِلَمْسَةٍ حَارِقَةٍ، وَسَحَبَنِي لِلْخَلْفِ قَلِيلًا لِيُدْخِلَنِي فِي زَاوِيَةٍ مَخْفِيَّةٍ بَيْنَ الأَعْمِدَةِ، حَيْثُ لَا يَرَانَا أَحَدٌ. انْحَنَى نَحْوِي حَتَّى كَادَتْ جَبْهَتُهُ تَلْتَصِقُ بِجَبْهَتِي، وَصَوْتُهُ المَبْحُوحُ يَهْتَزُّ بِقَسْوَةٍ وَشَغَفٍ مُرْعِبٍ:ــ "أَنْتِ لَسْتِ سَجِينَتِي يَا إِيل... أَنْتِ كَار
إِيَّاكَ أَنْ تُهْمِلَ كَاسِيَاس يَا مَارْك... الرَّجُلُ يَشْعُرُ بِالْخَطَرِ كَالْكِلَابِ المَسْرُورَةِ، وَإِذَا أَحَسَّ أَنَّ إِيلارَا بَدَأَتْ تُشَكِّلُ خَطَرًا عَلَى مَلَفَّاتِ (التَّايْغُون)، فَلَنْ يَتَرَدَّدَ فِي إِزَالَتِهَا مِنْ الوُجُودِ دُونَ أَنْ يَرْفَ لَهُ جَفْنٌ."ــ "لَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا..." رَدَّ مَارْك بِصَوْتٍ قَاطِعٍ كَالاحْتِضَارِ، ثُمَّ أَنَهَى المَكَالَمَةَ دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ إِجَابَةً.أَلْقَى بِالْهَاتِفِ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَتَقَدَّمَ بَخُطًى ثَقِيلَةٍ نَحْوَ الأَرِيكَةِ الَّتِي أَلْقَتْ عَلَيْهَا إِيلارَا الظَّرْفَ المُمَزَّقَ قَبْلَ قَلِيلٍ. جَلَسَ وَانْحَنَى لِيَلْتَقِطَهُ، كَانَتِ الأَوْرَاقُ مَطْوِيَّةً فِي الدَّاخِلِ... أَمْسَكَهَا وَفَتَحَهَا بِبُطْءٍ شدِيدٍ.لَمْ تَكُنْ الأَوْرَاقُ تَحْمِلُ خِطَابًا عَاطِفِيًّا مِنْ مَارْكُوس كَمَا تَوَقَّعَ فِي البِدَايَةِ، بَلْ كَانَتْ مُخَطَّطًا هَنْدَسِيًّا لِمَوْقِعٍ قَدِيمٍ، وَمَعَهُ خَرِيطَةٌ صَغِيرَةٌ يَعْلُوهَا رَمْزٌ مُشَفَّرٌ يَخُصُّ مَخَازِنَ شَرِكَةِ دِيفِيد المَهْجُورَةِ!ارْتَفَعَتْ أَنْفَاسُ مَارْ
دَفَعْتُ مَارْك عَنِّي بِعُنْفٍ، فَارْتَدَّ خُطْوَةً إِلَى الخَلْفِ دُونَ أَنْ يَقَعَ، وَأَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ أُحَاوِلُ تَنظِيمَ أَفْكَارِي الشَّارِدَةِ وَكَبْحَ اضْطِرَابِ أَنْفَاسِي... *كَيْفَ لَا أَفْضَحُ نَفْسِي وَأَكْشِفُ أَوْرَاقِي فِيهَا لِأَجْلِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ؟!*فَتَحْتُ عَيْنَيَّ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِنَبْرَةٍ أَقَلَّ حِدَّةً لَكِنَّهَا مُدَجَّجَةٌ بِالكِبْرِيَاءِ:ــ "عُمْرِي عِشْرُونَ عَامًا بِالفِعْلِ يَا مَارْك... وَأَسْتَطِيعُ تَدْبِيرَ نَفْسِي دُونَ نِصْحِكَ أَوْ وَصَايَتِكَ."صَمَتَّ لِلَحْظَةٍ، وَغَصَّتْ حَلْقِي بِغَصَّةٍ مَكْتُومَةٍ. كُنْتُ أَعْلَمُ فِي أَعْمَاقِي أَنَّ مَارْك لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا سَيِّئًا بِهَذَا الخُصُوصِ، لَكِنَّ قَلْبِي كَانَ يَنْتَصِرُ لِذِكْرَى أُخْرَى... كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ "مَايْكِل" هُوَ أَوَّلَ مَنْ يَسْتَلِمُ بِيَدِهِ أَوْرَاقَ جَامِعَتِي.رَفَعْتُ ذَقْنِي، وَأَرْدَفْتُ لِأُمَوِّهَ عَنْ زَلَّةِ لِسَانِي السَّابِقَةِ بَبُرُودٍ ذَكِيٍّ:ــ "أَنَا لَا أَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ عَائِلَتِكَ يَا مَارْك... إِلا إِذَا كُنْتَ أَنْتَ تُرِ
صَدَمَتْنِي نَبْرَتُهُ وَتَفَاعُلُهُ مَعَ الوَثَائِقِ، وَقَبْلَ أَنْ يَمْتَدَّ بَصَرُهُ لِقِرَاءَةِ أَيِّ تَفَاصِيلَ أُخْرَى قَدْ تُفْسِدُ لُعْبَتِي، اقْتَرَبْتُ مِنْهُ بِسُرْعَةٍ وَاحْتِيَالٍ، وَامْتَدَّتْ يَدِي لِتَنْتَزِعَ الظَّرْفَ وَالمَلَفَّاتِ مِنْ بَيْنِ أَنَامِلِهِ بِحَرَكَةٍ خَاطِفَةٍ، ثُمَّ أَلْقَيْتُهَا بَعِيدًا عَلَى الأَرِيكَةِ الخَلْفِيَّةِ!نَظَرَ إِلَيَّ مَارْك بِتَفَاجُؤٍ، وَارْتَفَعَ حَاجِبَاهُ غَضَبًا، لَكِنَّنِي لَمْ أَمْنَحْهُ فُرْصَةً لِلِاسْتِعَادَةِ؛ بَلْ خَطَوْتُ خُطْوَةً إِضَافِيَّةً لِأَقِفَ أَمَامَهُ مَبَاشَرَةً، وَرَفَعْتُ رَأْسِي لِلنَّظَرِ فِي عَيْنَيْهِ، مُمْسِكَةً بِطَرْفِ يَقَةِ بَدْلَتِهِ الدَّاكِنَةِ.ــ "مَا بِكَ يَا مَارْك؟ أَلَمْ نَتَّفِقْ أَنَّكَ لَسْتَ المَالِكَ لِحَيَاتِي؟ أَمْ أَنَّ كُلَّ وَثِيقَةٍ أَمْسَكُهَا تَتَحَوَّلُ فِي عَقْلِكِ المَشْكُوكِ إِلَى جَرِيمَةٍ؟"عَقَدَ مَارْك حَاجِبَيْهِ، وَتَلاشَى ثَوْرَانُهُ القَلِيلُ لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ هُدُوءٌ مَشْحُونٌ بِالجَاذِبِيَّةِ. أَمْسَكَ بِمِعْصَمِي المُمْسِكِ بِبَدْلَتِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَبْ
غَادَرْتُ المَكَانَ وَعَيْنَايَ تَشْتَعِلَانِ غَضَبًا، وَعَقْلِي يَعْجُفُ بِالأَفْكَارِ التَّي تَكَادُ تُمَزِّقُ رَأْسِي. دُونَ تَرَدُّدٍ، اتَّصَلْتُ بِأَوَّلِ شَخْصٍ خَطَرَ عَلَى بَالِي... رَفِيقُ طُفُولَتِي، وَيَدِي اليُمْنَى، وَسَنَدِي الوَحِيدُ.ــ "أَيْنَ أَنْتَ يَا إِيدَنْ؟"ضَحِكَ صَاحِبُ السِّلَاسِلِ الفِضِّيَّةِ عَبْرَ السَّمَّاعَةِ، وَكَانَ صَوْتُهُ مُخْتَلِطًا بِضَجِيجٍ صَاخِبٍ؛ يَبْدُو أَنَّهُ كَانَ يَمْرَحُ فِي أَحَدِ النُّوَادِي اللَّيْلِيَّةِ:ــ "مَا الأَمْرُ الجَلِيلُ الَّذِي جَعَلَ (مَارْك المُعَظَّمَ) يَتَّصِلُ بِي فِي هَذَا الوَقْتِ؟"ابْتَسَمْتُ بِسُخْرِيَةٍ خَفِيفَةٍ عَلَى نَبْرَتِهِ السَّاخِرَةِ، وَقُلْتُ بِنَبْرَةٍ قَاطِعَةٍ:ــ "أَنَا بِحَاجَتِكَ."ــ "قَادِمٌ."لَمْ تَطُلْ خَابِيَةُ انْتِظَارِي؛ فَإِيدَنْ لَمْ يُخْفِ جِدِّيَّتَهُ العَمِيقَةَ بِمَجَرَّدِ أَنْ أَخْبَرْتُهُ أَنَّنِي مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. وَبِالفِعْلِ، لَمْ يَسْتَغْرِقِ الأَمْرُ كَثِيرًا حَتَّى كَانَ يَتَوَجَّدُ مَعِي فِي ذَلِكَ المَكَانِ القَدِيمِ، مَكَانِنَا السِّرِّيِّ الَّذِي كُنَّا نَلْجَأُ إِ
بَقِيَ مَارْك يَتَأَمَّلُنِي بِصَمْتٍ عَمِيقٍ، وَكَأَنَّنِي شَيْءٌ مُعَقَّدٌ يُعْجِزُ فَهْمَهُ، كَطَالِبِ أَدَبٍ يُحَاوِلُ العَثُورَ عَلَى حَلٍّ لِمُعَادَلَةٍ فِيزِيَائِيَّةٍ مُسْتَحِيلَةٍ.ــ "أُرِيدُ أَنْ أَسْتَكْشِفَكِ يَا إِيل... مَاذَا يُوجَدُ فِي أَعْمَاقِ عَقْلِكِ؟ وَإِلَى أَيْنِ تَرِينَ النِّهَايَةَ؟ أَشْعُرُ بِأَنَّنِي كُلَّمَا حَاوَلْتُ فَهْمَكِ... غَرِقْتُ."بَلَعْتُ رِيقِي بِبُطْءٍ عِنْدَ سَمَاعِ كَلِمَاتِهِ، لَكِنَّنِي لَمْ أَسْمَحْ لِرَجْفَةِ ارْتِبَاكِي أَنْ تَظْهَرَ عَلَى وَجْهِي. كَبَحْتُ اضْطِرَابِي وَهَمَسْتُ بِسُخْرِيَةٍ نَاعِمَةٍ:ـ ـ ـ ـ ـ "أَلَا تُجِيدُ السِّبَاحَةَ؟ــ "بَلْ أَنَا مُحْتَرِفٌ بِهَا... لَكِنَّنِي أَنْسَى كُلَّ مَا تَعَلَّمْتُهُ عِنْدَمَا يَكُونُ الغَرَقُ فِي مُحِيطِكِ أَنْتِ."اقْتَرَبَ مَارْك مِنِّي أَكْثَر، حَتَّى صَارَتِ المَسَافَةُ بَيْنَنَا مَعْدُومَةً وَأَنْفَاسُهُ المَلِيئَةُ بِالدُّخَانِ تُدَاعِبُ وَجْنَتِي. نَظَرَ فِي عَيْنَيَّ بِنَفَاذِ صَبْرٍ مَكْتُومٍ، وَقَالَ:ــ "أَخْبِرِينِي يَا إِيل... كَيْفَ يُمْكِنُنِي النَّجَاةُ مِنْ أَمْوَاجِ







