LOGINبعد ثلاثة أيام من السفر، وصلت نور إلى أول محطة في رحلتها: قرية صغيرة على أطراف المملكة، كانت تُعرف بـ"قرية الينابيع". كانت القرية محاطة بالتلال الخضراء، والينابيع الساخنة تتدفق في كل مكان، والبخار الأبيض كان يتصاعد منها كالسحاب. نزلت نور من حصانها، ونظرت حولها بعيون فضولية. "هذا المكان جميل." قالت نور، ورفعت يدها الصغيرة لتشير إلى منظر الينابيع. "أشعر بأن هناك الكثير من الطاقة هنا." "نعم، يا سيدتي." قال أحد الحراس، وهو رجل في الأربعين من عمره، بوجه أسمر وعيون حادة. "هذه القرية مشهورة بينابيعها، وكانت قديماً ملاذاً للحكماء والفلاسفة." "أريد أن أزورها." قالت نور، وابتسمت. "أريد أن أتحدث مع أهلها، وأتعلم من حكمتهم." دخلت القرية، وكان أهلها يستقبلونها بترحاب. كانوا يرتدون ملابس بسيطة، ووجوههم تشرق بالهدوء والرضا. جلسوا معها في ساحة القرية، وتناولوا الشاي معاً، وبدأت نور تستمع إلى قصصهم. "لقد سمعنا عنكِ، يا نور." قال أحد الشيوخ، وهو رجل عجوز بعيون زرقاء صافية. "سمعنا عن النور الذي حملتِه، وعن المدينة التي بنيتِها. نحن ممتنون لكِ." "لا شكر على واجب، يا جدي." قالت نور، وانحنت قليلاً ا
مرت خمس سنوات على توحيد النورين. خمس سنوات من السلام الذي أصبح جزءاً من هوية مدينة النور الجديدة، من الحياة التي تدفقت كالنهر الهادئ، من الأيام التي كانت تطير كالفراشات بين أزهار الحدائق. كانت المدينة قد أصبحت نموذجاً يحتذى به في جميع أنحاء المملكة، وكان الناس يتوافدون من كل مكان ليروا هذه المعجزة التي بنتها ليان الصغيرة الثانية وعائلتها. في صباح يوم ربيعي مشرق، كانت نور جالسة في حديقة القصر، ترسم لوحة جديدة عن مدينتها. كانت في الثانية عشرة من عمرها الآن، وقد أصبحت فتاة جميلة، بعيون خضراوان تلمعان بالحكمة المبكرة، وشعر أسود مجعد ينسدل على كتفيها، وابتسامة تملأ وجهها كلما رأت عائلتها. كانت قد أصبحت قوية في استخدام النور الأبدي، وكانت تقضي ساعات في التدريب، وتتعلم من الكتب القديمة التي وجدتها في أرشيف مملكة النور. كانت اللوحة تصور مدينة النور الجديدة من الأعلى، بحدائقها الخضراء، وشوارعها الواسعة، ونافورتها المتلألئة، وأطفالها الذين كانوا يلعبون في كل مكان. كانت تبتسم وهي ترسم، وقلبها يفيض بالامتنان. دخلت ليان الصغيرة الثانية الحديقة، وكانت تحمل فنجاناً من الشاي الدافئ، ووجهها يشرق ب
وقفوا في صمت، يشاهدون النور الأبيض ينتشر في كل اتجاه. كان يملأ الغابة، ويرتفع إلى السماء، وكأنه يوقظ كل شيء في طريقه. كانت الأوراق تتلألأ، والزهور تتفتح، والطيور تغرد بألحان جديدة. وكانت ليان الصغيرة الثانية تشعر بالنور الأبدي في داخلها يهتز، وكأنه يرقص مع هذا النور الجديد، وكأنه يعرف أنه وجد أخيراً شقيقه المفقود. "أشعر به..." همست ليان الصغيرة الثانية، وعيناها تدمعان. "أشعر بالنور يتحد بداخلي. إنه أقوى مما كان." "وأنا أيضاً." قالت نور، ورفعت يدها الصغيرة، ونظرت إلى النور الأبيض الذي كان يشتعل في كفها. كان مختلفاً الآن، أكثر نقاءً، أكثر دفئاً، وكأنه كان يتنفس معها. "أشعر بأن كل شيء على ما يرام. أشعر بأن النور قد اكتمل." وقفت المرأة، حارسة النور الآخر، أمامهما، وكانت تبتسم. "لقد فعلتماها." قالت المرأة، وصوتها كان كالنغم. "لقد اتحد النوران. والآن، أصبح النور كاملاً إلى الأبد." "لكن ماذا يعني هذا؟" سأل يوسف، وفضوله ظاهر في عينيه. "ماذا سيحدث الآن؟" "يعني أن الظل لن يعود أبداً." قالت المرأة، ونظرت إليه بعيون حكيمة. "يعني أن النور سيبقى في العالم إلى الأبد. يعني أن السلام الذي بنيتِه
خرجوا من بوابة مدينة النور الجديدة مع شروق الشمس. كانت السماء صافية، والهواء منعشاً، والطيور تغرد على أغصان الأشجار التي كانت تزين جوانب الطريق. كانت نور تجلس أمام ليان الصغيرة الثانية على الحصان، وعيناها الخضراوان تبحثان في الأفق، وكأنها تبحث عن شيء لا يراه الآخرون. "ماما،" قالت نور، وصوتها كان خافتاً. "أشعر بأن النور الآخر بعيد. بعيد جداً." "كم هو بعيد؟" سألت ليان الصغيرة الثانية، وقلقها ظاهر في عينيها. "أيام." قالت نور، وأغمضت عينيها للحظة. "ربما أسابيع. لكن النور يخبرني أن الطريق يستحق العناء." "سنمضي قدماً." قال يوسف، وهو يركب بجانبهما. "كما فعلنا دائماً." ساروا طوال اليوم، وكان الطريق يمر عبر الوديان الخضراء والتلال المكللة بالزهور البرية. كانت الشمس دافئة، والهواء يحمل رائحة العشب والتراب. وفي المساء، توقفوا عند نهر صغير، ونصبوا خيامهم، وأشعلوا ناراً للتدفئة. جلسوا حول النار، يتناولون العشاء، والنجوم تتلألأ في السماء الصافية. كانت نور تنظر إلى النار، وعيناها تعكسان ضوء اللهب. "نور،" قالت ليان الصغيرة الثانية، وهي تضع يدها على رأس ابنتها. "هل تشعرين بأي شيء جديد؟" "أشعر
مرت ثلاثة أشهر على عودة ليان الصغيرة الثانية من رحلة النور المفقود. ثلاثة أشهر من السلام الذي أصبح طبيعة ثانية في مدينة النور الجديدة، من الحياة التي كانت تتدفق كالنهر الهادئ، من الأيام التي كانت تبدأ بضحكات نور وتنتهي باحتضان يوسف الدافئ. كانت المدينة تزدهر، وكان الناس يعيشون في سلام، وكان النور الأبدي يتلألأ في كل مكان. في صباح يوم ربيعي مشرق، كانت ليان الصغيرة الثانية جالسة في حديقة القصر، تشاهد نور وهي تلعب في العشب مع أطفال الحي. كانت نور في السابعة من عمرها الآن، وقد أصبحت فتاة جميلة، بعيون خضراوان تلمعان بالذكاء، وشعر أسود مجعد، وابتسامة تملأ وجهها كلما رأت والدتها. كانت قد أصبحت قوية في استخدام النور الأبدي، وكانت تقضي ساعات في التدريب، وتتعلم من الكتب القديمة التي وجدتها في أرشيف مملكة النور. "ماما! انظري!" صاحت نور، ورفعت يدها الصغيرة، وأشعلت كرة من النور الأبيض في كفها، وأرسلتها إلى السماء. انفجرت الكرة كالألعاب النارية، وتناثرت في كل اتجاه، وأضاءت السماء بألوان قوس قزح. "أحسنتِ، يا حبيبتي!" صاحت ليان الصغيرة الثانية، وصفقت بيديها. "أنتِ تتحسنين كل يوم!" ركضت نور نحو و
دخلوا الكهف، وكان الهواء بارداً لدرجة أنه كان يقطع الأنفاس. كانت الجدران مغطاة بطبقات من الجليد المتلألئ، تعكس ضوء النور الأبدي الذي كان يشتعل في يد نور، فتنعكس آلاف الأضواء الصغيرة على الجدران كالنجوم. كانت الأرض زلقة، والطريق ينحدر بلطف إلى الأسفل، وكأن الكهف كان يأخذهم إلى أعماق الجبل. "هذا المكان..." همست ليان الصغيرة الثانية، وعيناها تتسعان بالدهشة. "إنه جميل." "وجميل بشكل مخيف." قال يوسف، ويده مشدودة على سيفه، وعيناه تبحثان في كل زاوية. "أشعر بأن هناك شيئاً هنا." قالت نور، وهي تسير في المقدمة، والنور الأبدي يضيء الطريق أمامها. "شيء ينتظرنا. شيء قديم." ساروا في صمت، وكانت أقدامهم تئن على الجليد، وأنفاسهم تتصاعد كالضباب في الهواء البارد. وفجأة، توقفوا أمام غرفة واسعة، كانت جدرانها مغطاة بنقوش غامضة تتلألأ بضوء أزرق. وفي وسط الغرفة، كانت هناك كتلة ضخمة من الجليد، تتوسطها كرة من النور الأبيض، تتلألأ كالقلب النابض. "هذا هو النور المفقود." همست ليان الصغيرة الثانية، وعيناها تتسعان. "إنه محاصر في الجليد." اقتربت نور من الكتلة الجليدية، ورفعت يدها الصغيرة، ووضعتها على الجليد. شعر







